13 عاماً على ثورة 19 تموز.. من الإقصاء إلى الشراكة عبر الإدارة الذاتية وتمثيل المكونات

منذ انطلاقها، شكّلت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجاً ديمقراطياً فريداً وعابراً للهويات الضيقة، أتاح للجميع فرصة المشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم وفق عقد اجتماعي تشاركي يحترم التعدد ويعزز العدالة والمساواة، مقدمةً بذلك مثالاً حياً على أن الحقوق تُنتزع عبر التشاركية والحوار. مجسدةً في ذات الوقت رؤية وطنية لسوريا تعددية، لامركزية، عادلة، وشاملة لكل أبنائها.

13 عاماً على ثورة  19 تموز.. من الإقصاء إلى الشراكة عبر الإدارة الذاتية وتمثيل المكونات
السبت 19 تموز, 2025   02:30
الحسكة
حسن رمو – ديار أحمد

عانت المكونات السورية لعقود من التهميش والإقصاء السياسي والثقافي، نتيجة هيمنة نظام مركزي قائم على سلطة الحزب الواحد والهوية الواحدة. مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، برز نموذج بديل يسعى إلى إعادة بناء المجتمع على أسس جديدة. إلا وهو مشروع الإدارة الذاتية، الذي تأسس على مبدأ التمثيل الديمقراطي التشاركي، وسعى منذ بداياته إلى إشراك كل المكونات القومية والدينية في صياغة القرار والمصير.

وفي هذا التقرير نستعرض كيفية تأسيس هذا النظام وتطور مفهوم الشراكة فيه، من خلال تسليط الضوء على تجارب حقيقية وشهادات من أبناء المكونات الثلاث الأساسية: الكُرد، العرب، والسريان، بالإضافة إلى النظر في تأثير هذه التجربة على بقية المكونات السورية كالإيزيديين، الدروز، والعلويين.

كيف تأسست الإدارة الذاتية؟

انطلقت ثورة 19 تموز 2012 من مدينة كوباني، بمشاركة الكرد والمكونات الأخرى المتعايشة معه جنباً إلى جنب من عرب وسريان آشور، بهدف بناء إدارة ديمقراطية بديلة عن الصراع الطائفي الذي كانت تشهده سوريا إبان الثورة التي انطلقت في 15 آذار 2011 وتحولت إلى العسكرة في ظل التدخلات الخارجية.

وفي 8 أيلول 2013، وقّع كل من مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطني الكردي اتفاقاً من 9 بنود لإطلاق مشروع "الإدارة المرحلية" وعقد اللقاءات مع المكونات الأخرى من عرب، سريان آشور، تركمان وشيشان وأرمن للتوافق على شكل المشروع.

وتم الإعلان عن المجلس العام التأسيسي للإدارة المرحلية المشتركة في 12 تشرين الثاني 2013، كمؤسسة تمهيدية لإطلاق الإدارات الذاتية ولكن المجلس الوطني الكردي انسحب قبل يوم واحد من هذا الإعلان ولكن هذا الانسحاب لم يؤثر على قرار شعوب المنطقة. ثم أُعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية رسمياً في 21 كانون الثاني 2014 في مقاطعة الجزيرة، وتبعتها عفرين وكوباني في الشهر ذاته.

ومع تحرير مدينة الرقة من مرتزقة داعش في تشرين الأول 2017، ارتفع عدد الإدارات الذاتية والمدنية إلى سبعة هي: الجزيرة، عفرين، الفرات، منبج، الرقة، الطبقة، ودير الزور. وفي 16 تموز 2018، أقر مجلس سوريا الديمقراطية في مؤتمره الثالث ضرورة تشكيل إدارة موحدة. وتم تشكيل لجنة تحضيرية في 6 أيلول 2018، ضمت 70 عضواً، وخلالها أُعلن عن تشكيل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بهيكل تنظيمي يشمل: المجلس العام، المجلس التنفيذي، ومجلس العدالة.

مشروع الإدارة الذاتية كنموذج بديل للحكم المركزي

وتستند الإدارة الذاتية إلى فلسفة الأمة الديمقراطية للقائد عبد الله أوجلان الذي تحدث كثيراً في مرافعاته وخاصة في مرافعة "سوسولوجيا الحرية"، وخلال لقاءات محاميه عن مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية، ولم يحصر هذا النموذج بالكُرد فقط، بل يُعتبره النموذج الأمثل لحل جميع مشاكل الشرق الأوسط، ويؤكد أن نموذج الدولة القومية لا يتلاءم مع الطبيعة التكوينية للمجتمعات الشرق الأوسطية.

ويؤكد القائد بأن الإدارة الذاتية ليست قائمة على مبدأ الأمة الواحدة والجغرافيا الواحدة وحتى الدين الواحد، وإنما على أساس الشعوب والمجتمعات المختلفة وعلى أسس الديمقراطية، وهذا يعتبر تجاوزاً لذهنية الدولة - القومية.

ويضيف القائد: "في نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، فإنَ المهمَ هو إرادَةُ إدارَةِ المجتمعِ. فالمجتمعُ يقوم بتسهيلِ واجباتِ الدولة المركزية ويقوم بإدارة نفسه ذاتياً. وأنا أقول عنها، بأن المركز يسلم واجباته إلى المجتمع. ففي الإدارةِ الذاتيةِ الديمقراطية، لا وجود لمعاداة الدولة".

وبالتالي فإن الإدارة الذاتية هي اسلوب إدارة خارج إطار الدولة تقوم فيه الشعوب والمجتمعات بإدارة أمورها خارج حلقة الدولة، وهي مختلفة في فحوى وفلسفة الإدارة عن اسلوب الحكم الذاتي الممنهج لأن سلطات الحكم الذاتي في إقليم محدد هو نظام إداري ذاتي يتبع الحكومة المركزية ويتخذ شكلاً داخل الدولة، وليس داخل المجتمعِ.

وسلطة الحكم الذاتي بنفسها تمثل الدولة في الإقليم الذي تحكم فيه، لكن الإدارة الذاتية الديمقراطية تُبقي نفسها خارج الدولة، وهي لا تربط نفسها بالحكومة المركزيةِ حتى أنه في مجال الاستجابة لاحتياجات المجتمع وتنظيم نفسها في جميع القرى والأحياء والمدن والأقاليم تحاول أن تضعف مركزية الدولة ومفهوم وذهنية النزعة الدولتية إلى درجة لا يبقى شيء اسمه حكومة مركزية.

كما إن الإدارة الذاتية الديمقراطية تبرزُ من داخل المجتمع وتحتضنُ كلُ المجتمعِ وإن أساسها وقاعدتها هي إرادةُ ومطالبُ واحتياجاتُ المجتمعِ.

ويجوز في سلطة الحكم الذاتي أن يكون حدود إدارتها وسلطتها التنفيذية على أساس جغرافيا أو قومية أو دين محدد، لكن في الإدارة الذاتية الديمقراطية فإنها لا تتخذ من هذه الأُطُر أساساً لها.

ما الأسس التي اعتمد عليها لضمان التمثيل الحقيقي للمكونات؟

منذ تأسيس الإدارة الذاتية، سعت إلى بناء نموذج إداري جديد يقوم على احترام التعددية والعيش المشترك بين كافة المكونات القومية والدينية والاجتماعية. ولتحقيق ذلك، اعتمدت الإدارة على مجموعة من المبادئ التي تضمن التمثيل العادل لكل فئة من فئات المجتمع، بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش التي كانت سائدة سابقاً.

أول هذه المبادئ هو مفهوم الأمة الديمقراطية، وهو الأساس الفكري والسياسي الذي تنطلق منه الإدارة الذاتية. هذا المفهوم يؤكد على أن كل مكون من مكونات المجتمع، سواء كان كردياً أو عربياً أو سريانياً آشورياً أو أرمنياً أو تركمانياً أو غيرهم، له الحق في المشاركة في إدارة شؤون المنطقة، دون فرض هوية قومية أو دينية واحدة على الجميع.

ولتطبيق هذا المبدأ عملياً، اعتمدت الإدارة الذاتية نظام الرئاسة المشتركة في جميع مؤسساتها، حيث يتشارك رجل وامرأة من مكونات مختلفة في قيادة المجالس والإدارات. وهذا لا يحقق فقط التوازن بين الجنسين، بل يضمن أيضاً التمثيل المتساوي للقوميات ويمنع احتكار السلطة من قبل جهة واحدة.

كما اعتمدت الإدارة على تشكيل المجالس والهيئات بطريقة تشاركية وتمثيلية، بحيث تضم هذه المؤسسات ممثلين عن جميع المكونات وفقاً لنسبهم السكانية ووجودهم الجغرافي. ويتم اختيار الأعضاء إما عبر انتخابات أو من خلال توافقات بين المجالس الشعبية لضمان التمثيل الحقيقي لكل مكون، خاصة الأقليات التي كانت مهمشة سابقاً.

إلى جانب ذلك، أولت الإدارة اهتماماً كبيراً بـ اللغة والثقافة، فاعترفت رسمياً باللغات الكردية والعربية والسريانية، وتم اعتماد هذه اللغات في المدارس، وتم إطلاق وسائل إعلامية بكل لغة، إلى جانب تشجيع التعبير الثقافي والديني الحر، مما ساعد في الحفاظ على هوية كل مكون وتعزيز شعوره بالانتماء.

وكذلك، بُني النظام الإداري على قاعدة شعبية واسعة من خلال الكومينات والمجالس الشعبية، وهي هياكل قاعدية تُدار من قبل السكان أنفسهم في الأحياء والقرى، وتتيح لهم المشاركة المباشرة في اتخاذ القرارات ومراقبة الأداء اليومي للخدمات. وهذا يضمن أن تكون أصوات الناس حاضرة فعلياً في إدارة شؤونهم، ويقوي علاقة الثقة بين المجتمع والإدارة.

وامتد هذا التمثيل إلى المؤسسات الأمنية والدفاعية، حيث شارك أبناء كل المكونات في تشكيل قوات الأمن الداخلي (الآسايش) وقوات سوريا الديمقراطية، مما عزز من روح التضامن والتعاون المشترك في الدفاع عن المنطقة ضد التهديدات.

شهادات حية

وتُبرز شهادات ممثلي مكونات شمال وشرق سوريا كيف شكّلت الإدارة الذاتية نموذجاً تشاركياً ديمقراطياً جامعاً يعكس إرادة كل الشعوب في المنطقة.

تجاوز حالة التهميش التاريخي

فمن الجانب الكردي، وصف السياسي فرحان داود الكرد بأنهم "أصحاب الثورة الحقيقة" و"الركيزة الأساسية" في بناء مشروع الإدارة الذاتية، مؤكداً على دورهم القيادي والمتميز في حماية الحقوق وتعزيز النظام الديمقراطي الشامل، مما أتاح لهم تجاوز حالة التهميش التاريخي ليصبحوا "أصحاب مشروع" و"قوة منظمة" على المستوى الوطني.

تجربة ديمقراطية مميزة وفريدة

أما الدكتور محمد الدرويش، الناطق الرسمي لحزب الوطن السوري ممثلاً المكون العربي، فقد وصف الإدارة الذاتية بأنها "تجربة ديمقراطية مميزة وفريدة" تعزز التعدد والتنوع، ونفى الأوصاف الأحادية مثل "الإدارة الكردية"، مشدداً على أن الإدارة تضم جميع المكونات وتُدار بروح التشاركية ووفق عقد اجتماعي ديمقراطي يعد بمثابة دستور شامل يحفظ الحقوق ويضمن المشاركة العادلة.

تعزيز الحقوق السياسية والاجتماعية

ومن جانب المكون السرياني، تحدثت سوسن عبد الأحد، عضوة حزب الاتحاد السرياني، عن دور السريان الريادي في الثورة والإدارة الذاتية، مبرزة كيف أن الإدارة وفرت لهم مساحة للاحتفال بالهوية القومية والثقافية، مثل عيد الآكيتو، وساهمت في تعزيز حقوقهم السياسية والاجتماعية التي كانت مغيبة لعقود، مما منحهم وجوداً حقيقياً ومشاركة فعالة على كافة الأصعدة.

المساواة بين الجميع

أما عضو اتحاد إيزيدي سوريا، فاروق طوزو، فقد وصف ثورة 19 تموز بأنها "ثورة بناء وتوحيد" وأكد أن الإدارة الذاتية وضعت "المساواة" بين المكونات، وأتاحت فرصة تاريخية للمكونات الصغيرة لإثبات نفسها، وقطع الطريق على ممارسات الإقصاء والهيمنة السياسية التي كانت سائدة سابقاً، مؤكداً أن التجربة نجحت في خلق مناخ آمن ومستقر يعزز الوحدة والتضامن بين الجميع.

وبالتالي، تجسد هذه الشهادات واقع الإدارة الذاتية كنموذج ديمقراطي شامل وتشاركي، يعزز التعددية، ويدعم حقوق كل المكونات عبر مشاركة فعلية قائمة على العدالة والاحترام المتبادل، مما يجعلها تجربة فريدة في إدارة الشؤون المحلية بعيداً عن المركزية والقومية الأحادية.

أثر تجربة الإدارة الذاتية على بقية المكونات السورية: العلويون والدروز نموذجاً

أحدث نموذج الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تحولاً جوهرياً في وعي السوريين السياسي والاجتماعي، بعدما كسر مفاهيم المركزية التي طبعت تاريخ الحكم في سوريا لعقود. فقدمت هذه التجربة، التي تأسست على قيم العدالة الاجتماعية، والتعددية الثقافية، والمشاركة الشعبية، بديلاً عملياً في ظل الانهيار الذي شهده المركز بعد اندلاع الحرب، وهو ما جعلها موضع اهتمام وتقدير من مكونات سورية عديدة، بينها العلويون والدروز.

الصحفية والناشطة إنصاف سليطين، وهي من الطائفة العلوية، شددت على أن نموذج الإدارة الذاتية "أحدث نقلة نوعية في وعي السوريين جميعاً"، خاصة بعد أن أثبت أن الديمقراطية ممكنة حتى في ظل الحرب والانقسامات. وأكدت أن التجربة، التي بدأت من كوباني وامتدت إلى ديرك وعفرين، أثبتت قدرتها على بناء منظومة متكاملة لإدارة شؤون الناس، بالاعتماد على اللامركزية والحماية الذاتية والشراكة المجتمعية، من دون الدخول في صدام مباشر مع مؤسسات الدولة.

وفيما يتعلق بالعلويين، لفتت إنصاف سليطين إلى أن هذه الطائفة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة غياب العدالة والمواطنة المتساوية، وشهدت انتهاكات ومجازر في الساحل السوري وسط فراغ السلطة. وأشارت إلى أن هذا الواقع شجع كثيرين على التفكير بما لو كانت تجربة الإدارة الذاتية مطبقة هناك، لكان بالإمكان تفادي مثل هذه الكوارث والانتهاكات، خصوصاً وأن النموذج لم يُبْنَ على الصدام مع الدولة، بل على مواجهة الإرهاب وتنظيم داعش.

كما أبرزت إنصاف سليطين دور المرأة في هذا النموذج، والذي شكّل بحسبها مصدر إلهام، خاصةً أن المجتمع العلوي يشتهر بانفتاحه النسبي ودور المرأة الفاعل فيه. فالمناصفة والمشاركة الكاملة للمرأة في الإدارة والسياسة ضمن الإدارة الذاتية، تقدم نموذجاً ملهماً يمكن تكييفه مع خصوصيات الساحل السوري، الذي لا يقتصر على مكون واحد، بل يضم تنوعاً يشبه في تركيبته شمال وشرق سوريا.

وأضافت: "العلويين وباقي المكونات ينظرون اليوم باهتمام شديد إلى هذه التجربة للتفكير بمستقبل يمكنهم الاستلهام منها كثيراً ويبنون معاً مستقبلاً لا يقصي أحداً ولا ينبى على دماء الاخرين"، مؤكدةً أن هذا النموذج يتجاوز المركزية والاستبداد دون الوقوع في فخ الثأر والانتقام وردود الأفعال، وقالت: "هذا البناء على أساس الاستلهام على أساس تجربة الإدارة الذاتية إلى جانب الحوار السوري - السوري قد يكونا عنوان لمرحلة أن الحقوق لا تُمنح من فوق أنما تنتزع بالشراكة والحوار".

مختتمةً حديثها بالقول: "هذه التجربة تدل على أن الشعب إذا امتلك قراراً يمكنه بناء نماذج أكثر عدلاً، والسوريين بجميع مكوناتهم يستحقون نظاماً يراهم متساوين في الحقوق والواجبات وليس حطباً وأدواتاً للصراعات".

هل الإدارة الذاتية مشروع محلي أم نواة لحل وطني؟

إن الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا تكاد تكون النموذج الوحيد الذي تخطّى عقلية الإقصاء التقليدية في سوريا، وبنت نموذجاً ديمقراطياً تشاركياً يستند إلى التنوع والاعتراف المتبادل. ففي الوقت الذي لا تزال فيه سوريا غارقة في الفوضى، يقدّم هذا المشروع بارقة أمل، ومساراً نحو بناء سوريا تعددية لامركزية يتساوى فيها الجميع.

(أم)

ANHA