13 عام على ثورة 19 تموز.. سوريا من التهميش إلى الثورة الديمقراطية 

ولّد التراكم التاريخي للتهميش والإنكار في سوريا، دوافع قوية لتشكيل نموذج سياسي واجتماعي بديل. وظهر مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية كاستجابة واقعية للسياق المحلي بعد ثورة 19 تموز، مستنداً إلى مفاهيم العدالة الاجتماعية، والمساواة بين المكونات، وتمكين المرأة. هذه الثورة ومفرزاتها لا تُعد مجرد رد فعل على الأزمة السورية، بل هي إعادة تصور لطبيعة الحكم والمواطنة في سياق متعدد الهويات والثقافات.

13 عام على ثورة 19 تموز.. سوريا من التهميش إلى الثورة الديمقراطية 
الخميس 17 تموز, 2025   06:37
مركز الأخبار
أكرم بركات

يصادف الـ 19 من تموز العام الجاري، السنوية الـ 13 لثورة روجآفا، الثورة التي شكلت فارق كبير بين ماضي شعوب المنطقة ومستقبلها، عقب بدء الثورة السورية عام 2011، في هذا الملف نذكر بواقع سوريا قبل وبعدها.

بدأت ملامح سوريا الحديثة تتشكل مع نهاية الحكم العثماني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً بعد دخول القوات الفرنسية إلى سوريا عام 1920، وفرض الانتداب الفرنسي عليها بموجب اتفاقية سايكس- بيكو ومقررات مؤتمر سان ريمو.

ويُعد مؤتمر سان ريمو، الذي عقد في نيسان عام 1920 محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، حيث رسم ملامح النفوذ الأوروبي في المنطقة. حضره الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى: بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، واليابان.

وكان الهدف الأساسي للمؤتمر توزيع الانتدابات على أراضي الدولة العثمانية المنهارة، خاصة في المشرق، وفقاً لمعاهدة سيفر التي وُقّعت في 10 أب 1920 بين الدولة العثمانية وقوات الحلفاء بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي؛ فلسطين وشرق الأردن والعراق تحت الانتداب البريطاني؛ وإدراج وعد بلفور ضمن قرارات المؤتمر، ما مهد الطريق لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

رفض المؤتمر السوري العام، والذي كان بمثابة مجلس وطني يمثل مختلف مناطق سوريا الطبيعية، بما فيها لبنان وفلسطين.  قرارات سان ريمو، وأعلن استقلال سوريا بحدودها الطبيعية، بما فيها فلسطين، ونصّب الأمير فيصل ملكاً، حيث أعلن عام 1920 عن المملكة السورية بقيادته، لكنها لم تدم طويلاً بسبب معركة ميسلون ودخول الفرنسيين.

وفي تلك الفترة وضع أول دستور سوريا في 13 تموز عام 1920، واعتمد نظام ملكي، وتألف من 148 مادة موزعة على 12 فصلاً، تناولت شكل الحكم، حقوق الأفراد، تنظيم السلطات، والمالية العامة. واستمر العمل به 11 يوماً، حيث أُلغي بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920.

فبعد إعلان الملك فيصل استقلال سوريا، رفضت فرنسا الاعتراف بالحكم الوطني، ووجّه الجنرال الفرنسي غورو إنذاراً نهائياً يطالب بحل الجيش السوري وقبول الانتداب. وافق فيصل على الشروط تحت الضغط، لكن يوسف العظمة رفض الاستسلام وقرر المقاومة.

أول وزير دفاع في التاريخ يموت وهو يقاتل في الميدان

وتُعد معركة ميسلون التي وقعت في 24 تموز 1920، لحظة فاصلة في التاريخ السوري الحديث، إذ مثّلت التحول من حلم الاستقلال إلى واقع الانتداب الفرنسي، وكان يوسف العظمة من أصول كردية لعائلته الدمشقية وزير الحربية في المملكة السورية، بطل هذه المعركة ورمزاً للتضحية الوطنية؛ استشهد يوسف العظمة في أرض المعركة، ليكون أول وزير دفاع في التاريخ يموت وهو يقاتل في الميدان.

لم تكن معركة ميسلون متكافئة عسكرياً، لكنها كانت صرخة كرامة في وجه الاحتلال، أصبح يوسف العظمة رمزاً للبطولة الوطنية وخلّد اسمه في الذاكرة السورية مفضّلاً اختيار الموت على الاستسلام.

قامت السلطات الفرنسية بتقسيم سوريا إلى ست وحدات إدارية رئيسة وهي دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة جبل الدروز، ودولة لبنان الكبير و(التي أصبحت لاحقاً الجمهورية اللبنانية)، ومنطقة سنجق الإسكندرونة (التي ضُمّت إلى تركيا عام 1939).

وفي عام 1925، تم توحيد دولتي دمشق وحلب في كيان واحد سُمّي الدولة السورية، ثم تطورت لاحقاً إلى الجمهورية السورية الأولى بعد دستور 1930.

الكرد وفرنسا

شكّل الكرد في سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920–1946) عنصراً فاعلاً ومتعدد الوجوه، تنوّعت أدوارهم بين المشاركة في النضال الوطني، والسعي لحماية هويتهم الثقافية، والانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية لمجتمع حديث النشأة. فقد وجد الكرد أنفسهم فجأة في كيان سياسي جديد، خاضع لسلطة استعمارية لا تعترف بخصوصيتهم ولا بحقوقهم الجماعية، ما خلق سياقاً معقداً من التفاعل والمواجهة.

رغم محاولات السلطة الفرنسية استمالة بعض النخب الكردية عبر سياسات "فرق تسد"، فقد انخرط الكرد في المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، ليس فقط انطلاقاً من دوافع وطنية عامة فقط، بل أيضاً بدافع رفض الاستعمار الذي هدّد خصوصيتهم الثقافية وهويتهم التاريخية.

وتعد معركة بياندور الواقع بين مديني قامشلو وتربه سبيه إحدى شواهد التلاحم الوطني بين الكرد والعربي. وهي واحدة من أبرز المواجهات ضد الاحتلال الفرنسي في شمال شرق سوريا، وقد وقعت في تموز عام 1923، قرب قرية بياندور شرق مدينة قامشلو. تميزت هذه المعركة بتلاحم العشائر الكردية والعربية في وجه الاستبداد الفرنسي، وكانت مثالاً على وحدة الدم والمصير في مقاطعة الجزيرة.

وخلال المعركة التي دارت 3 أيام ضد الاستبداد الفرنسي بقيادة النقيب "روغان"، الذي مارس الإذلال والاعتقالات بحق وجهاء العشائر، حيث تم إعدام الوجيه الكردي سليمان عباس بطريقة مهينة، واعتقال شيوخ عرب مثل محمد العبد الرحمن؛ انسحاب القوات الفرنسية من بياندور، وتراجعها إلى الحسكة ودير الزور. أصبحت المعركة رمزاً للتلاحم الكردي- العربي، ودفعت فرنسا لإعادة النظر في تمركزها العسكري بالمنطقة.

دور الكرد في الثورة السورية الكبرى عام 1925

كان للكرد دوراً محورياً في إشعال الثورة السورية الكبرى عام 1925، إذ أُطلقت شرارتها الأولى من عفرين على يد محو شاشو بالتنسيق مع القيادي الكردي إبراهيم هنانو. شارك الكرد في قيادة العمل السياسي والعسكري إلى جانب الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الذي طرح شعار الكفاح المسلح، في مواجهة خيار التفاهم الذي تبنّته الكتلة الوطنية.

كما تعاون الزعماء الكرد في مختلف مناطق سوريا -من الشمال إلى الجنوب- في قيادة النضال، مثل أحمد الملا في دمشق، عبد الرزاق الدندشي في حمص، ومحمود البرازي ونجيب آغا البرازي في حماه، بالإضافة إلى نور الدين بازيدو في جبل الأكراد باللاذقية.

لعب الشباب الكرد دوراً فعالاً في الحراك الوطني والطلابي ايضاً، لا سيما في دمشق، حيث برز خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي لاحقاً، وعلي بوظو الذي أسس اتحاد طلاب سوريا وفوج كردستان الكشفي. هذه النخبة الشبابية أسهمت في المطالبة باستقلال سوريا متعددة وديمقراطية، بالتعاون مع مختلف الأطياف السورية.

التحرر وبزوغ الجمهورية

حين انسحبت فرنسا من الأراضي السورية في 17 نيسان 1946، بدا أن سوريا دخلت عصراً جديداً من السيادة الوطنية. غير أن هذا الاستقلال السياسي لم يترافق باستقرار مؤسسي. فالمجتمع السوري الخارج من عباءة الانتداب كان مثقلاً بالتحديات: ضعف البنية الإدارية، الانقسامات الطائفية، وتناقضات الهوية الوطنية بين النزعة القطرية والرغبة في الوحدة.

خلال الفترة (1946–1949)، حاولت الجمهورية السورية أن تؤسس نظاماً ديمقراطياً برلمانياً، لكن التجربة سرعان ما اصطدمت بعقبة الانقلابات العسكرية، بدءاً بحسني الزعيم ثم سامي الحناوي وأديب الشيشكلي. وبينما ظل الخطاب الديمقراطي حاضراً شكلياً، بدأت القوى العسكرية تفرض منطقها في الحياة السياسية.

عام 1954 كان نقطة تحول في تاريخ سوريا، إذ شهد أحداثاً سياسية واجتماعية بارزة أعادت تشكيل المشهد الوطني، حيث قاد الجنرال فيصل الأتاسي انقلاب 25 شباط 1954 من حلب، وبدأ باعتقال القائد العسكري للمنطقة الشمالية والسيطرة على مباني الاتصالات وإذاعة حلب. أُذيع بيان باسم "إذاعة سوريا الحرة" يدعو الفرق العسكرية للانضمام إلى الثورة. انضمت حاميات اللاذقية، دير الزور، حمص، ودرعا إلى الانقلاب، ما أدى إلى استقالة الرئيس أديب الشيشكلي في 26 شباط.

بعد إسقاط حكم أديب الشيشكلي، أُعيد العمل بدستور عام 1950 الذي وُضع في عهد هاشم الأتاسي، ويُعد من أكثر الدساتير السورية تقدماً، لترسيخه النظام البرلماني وتعزيزه الحريات وفصل السلطات، مع تقليص صلاحيات الرئيس لصالح البرلمان. وشهدت البلاد عام 1954 انتخابات نيابية نزيهة شاركت فيها معظم القوى السياسية، فمثّلت محطة ديمقراطية لافتة في التاريخ السوري والعربي. غير أن هذه التجربة سرعان ما اصطدمت بواقع هشاشة البنية السياسية وغياب عقد اجتماعي يضمن استمراريتها.

بعد انتهاء ولاية هاشم الأتاسي عام 1955، عاد شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية عبر انتخابات برلمانية، ليقود مرحلة جديدة في تاريخ سوريا السياسي تميّزت بالسعي نحو الوحدة العربية. وفي عام 1958، دخلت سوريا بقيادته في وحدة اندماجية مع مصر، وُصفت بأنها استجابة لرغبة شعبية في مشروع قومي مقاوم للهيمنة الغربية. غير أن الشعور بتفوق القرار المركزي في القاهرة أضعف التوازن بين الدولتين، ما أدّى إلى انفصال سوريا في 1961 على يد مجموعة من الضباط. هذه التجربة كشفت مجدداً هشاشة المؤسسات المدنية وتفوّق دور العسكر على منطق الدولة والدستور.

بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، تم تغيير اسم البلاد رسمياً إلى "الجمهورية العربية السورية"، في 28 أيلول 1961، في خطوة هدفت إلى تثبيت الهوية العربية لسوريا، رغم انتهاء الوحدة مع مصر ورغم التنوع العرقي والثقافي لمكونات المجتمع السوري. وقد جاء هذا الاسم ليعكس روح التيار القومي العربي الذي كان سائداً في تلك المرحلة. ومنذ ذلك الحين، ظل الاسم معتمداً رسمياً في الدساتير السورية، بما في ذلك دستور 1973 ودستور 2012.

وهذا النوع من التغيرات يكشف الكثير عن الهوية الوطنية، البنية السياسية، والعلاقات الاجتماعية في سوريا: تعزيز مركزية السلطة، وثانياً تهميش الكرد أسهم في بناء دولة مركزية تُدار من النخبة الحاكمة، دون مشاركة حقيقية لجميع المكونات السورية، ثالثاً الخوف من التعددية حيث نظر النظام إلى التعدد الثقافي كتهديد لوحدة الدولة، ما دفعه إلى سياسات إنكار للوجود الكردي، خشية من مطالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي. رابعاً ربط الهوية الوطنية بالقومية العربية، واستُخدم مفهوم "الأمة العربية" كإطار سياسي يرفض الاعتراف بوجود قوميات أخرى، ما أضعف التمثيل السياسي للكرد.

السياسات تجاه الكرد لم تكن فقط إجراءات أمنية، بل كانت منظومة متكاملة لإعادة تعريف الهوية السورية، بتقليص التعدد لصالح تصور أحادي. هذا التوجه أنتج هشاشة وطنية، حيث غابت العدالة الاجتماعية، وتهمّش مكوّن أساسي من نسيج البلاد.

في خضم هذه التقلبات، كان حزب البعث العربي الاشتراكي يعمل على ترسيخ حضوره في الجيش والمجتمع، ببرنامج يدمج بين القومية العربية والاشتراكية. رأى البعث في الأزمة السياسية المتكررة فرصة لاختراق النظام القائم، مدعوماً بشبكة من الضباط المتحمسين لفكرته الثورية.

كما أسهم هذا التغيير في إجراء الإحصاء الاستثنائي 1962، والذي كان بداية لولادة فئة "الأجانب" وحرمان آلاف الكرد من الجنسية.

انقلاب 8 آذار 1963 وولادة النظام البعثي

استولى حزب البعث على السلطة عبر انقلاب عسكري في 8 آذار 1963، قاده ضباط مثل صلاح جديد وزياد الحريري، ليبدأ عهد جديد من الحكم الأيديولوجي المركزي. كان الانقلاب تتويجاً لصراع طويل بين القوى التقليدية والمدنية من جهة، والضباط المؤدلجين من جهة أخرى، ما أدى لاحقاً إلى تأسيس نظام حزبي شمولي ألغى التعددية وركز السلطة بيد النخبة العسكرية.

بعد استلام حزب البعث سدة الحكم، وفي عام 1963 صدرت دراسة أمنية من محمد طلب هلال الذي كان رئيساً للشعبة السياسية في الحسكة، تدعو إلى تهجير الكرد من الشريط الحدودي، وتمت مناقشة الفكرة عام 1965–1966، في مؤتمرات حزب البعث، واعتبارها جزءاً من "تعزيز الأمن القومي". وفي عام 1974 بدء التنفيذ الفعلي عبر مصادرة أراضي الكرد وتوطين آلاف الأسر العربية القادمة من الرقة وحلب؛ حيث تم توطين أكثر من 4000 عائلة عربية في 41 قرية نموذجية بنيت على أرضٍ مصادرة.

بدأ تنفيذ "مشروع الحزام العربي" رسمياً في 24 حزيران عام 1974، بقرار من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي يحمل الرقم "521". وتضمّن إنشاء شريط عربي بعمق 10–15 كم على طول الحدود مع شمال كردستان، مروراً بالمناطق الكردية في مقاطعة الحسكة الحالية.

جاء المشروع بعد بناء سد الفرات وغمر أراضٍ عربية، فاستُخدم ذلك كذريعة لتوطين المتضررين في أراضٍ كردية، ضمن خطة هندسة ديمغرافية تهدف إلى فصل الكرد السوريين عن امتدادهم الجغرافي والثقافي في تركيا والعراق.

أعقبت ذلك سياسات حظر اللغة الكردية، ومنع إقامة المناسبات الخاصة بالكرد مثل عيد نوروز، بالإضافة إلى منع تدريس تاريخهم ولغتهم. كما تم تهميش المناطق الكردية وفرض رقابة مشددة، وتغيير أسماء القرى الكردية إلى أسماء عربية لا علاقة لها بأصالة الشعب ولا جغرافيته.

عانى الشعب الكردي بشكل خاص وعموم أبناء شمال وشرق سوريا منذ نهاية الانتداب الفرنسي وصولاً لحكم حزب البعث من سياسات ممنهجة تهدف إلى تهميشهم سياسياً وثقافياً واجتماعياً. تمثلت هذه السياسات في ضعف التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة وانعدام التنمية الاقتصادية، حيث اقتصرت الاستثمارات الحكومية على مناطق معينة، بينما أُهملت قطاعات حيوية مثل الزراعة والبنية التحتية في الحسكة والرقة ودير الزور.

كما تم تجاهل احتياجات السكان المحليين، خصوصاً الكرد والعرب والآشوريين، ما خلق شعوراً بالغبن وشكّل أرضية خصبة للمطالبة بالحقوق.

بالتوازي مع تشديد حزب البعث قبضته على سوريا من خلال المراسيم الرئاسية والأحكام العرفية، سعى نظام البعث إلى أحداث شرخ بين الشعبين الكردي والعربي ففي 12 آذار 2004، شهدت مدينة قامشلو واحدة من أكثر الأحداث دموية وتأثيراً، حيث اندلعت انتفاضة شعبية كردية إثر مجزرة ارتكبتها القوات الأمنية خلال مباراة لكرة القدم بين نادي الجهاد ونادي الفتوة القادم من دير الزور. وتحولت هذه الانتفاضة إلى حجر أساس للثورة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا.

الإنكار الذي مورس بحق الكرد وأبناء شمال وشرق سوريا فاقم من مشاعر التهميش الثقافي والاغتراب، وأسهم في بناء وعي جماعي يسعى للاعتراف بالهوية والتعددية. وفتح الحراك الشعبي عام 2011 باباً للمطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طالما حُرمت منها قطاعات واسعة من الشعب. ومع تراجع القبضة الأمنية في عدد من المناطق، نشأت إدارة ذاتية هدفت إلى تحقيق إدارة ذاتية ديمقراطية. 

من التهميش إلى الثورة الديمقراطية 

التراكم التاريخي للتهميش والإنكار، بالإضافة إلى زخم ثورة 19 تموز2012، ولّد دوافع قوية لتشكيل نموذج سياسي واجتماعي بديل. وظهر مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية كاستجابة واقعية للسياق المحلي، مستنداً إلى مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية، والمساواة بين المكونات، وتمكين المرأة. 

هذا المشروع لا يُعد مجرد رد فعل على الأزمة السورية، بل هو إعادة تصور لطبيعة الحكم والمواطنة في سياق متعدد الهويات والثقافات.

ففي خضم التحولات العاصفة التي شهدتها سوريا منذ الاستقلال، برز مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق كنموذج بديل وفعّال لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية وتشاركية. فقد أثبتت هذه التجربة، التي نشأت في ظل انهيار مؤسسات الدولة المركزية، قدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار، وتعزيز التعايش بين مختلف المكونات القومية والدينية، من عرب وكرد وسريان وآشوريين وغيرهم، ضمن إطار مدني لا مركزي.

ويقوم هذا المشروع على مبدأ الشراكة المجتمعية والتمثيل العادل، ما جعله أكثر النماذج انسجاماً مع الواقع السوري المتعدد، مقارنة بالنماذج المركزية التي فشلت في احتواء التنوع وضمان العدالة السياسية والاجتماعية.

لقد أرست الإدارة الذاتية نظاماً ديمقراطياً لامركزياً، يمنح المجتمعات القدرة على إدارة شؤونها، ويُعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية، بعيداً عن الإقصاء والهيمنة.

كما أن اعتمادها على عقد اجتماعي جامع، يضمن الحقوق والحريات، ويكرّس مبدأ التعددية، يجعل منها إطاراً دستورياً مرناً يمكن البناء عليه في أي مشروع وطني مستقبلي. وفي ظل غياب عقد اجتماعي جامع على المستوى الوطني، تبدو الإدارة الذاتية اليوم الخيار الأكثر واقعية لبناء سوريا متماسكة، تعددية، وآمنة، تُدار من قِبل جميع أبنائها، لا من نخبة مركزية تحتكر القرار والثروة.

(أم)

ANHA