مرحلة جديدة من النضال السياسي ومسؤوليات تركيا نحو بناء السلام - أكرم بركات

مرحلة جديدة من النضال السياسي ومسؤوليات تركيا نحو بناء السلام - أكرم بركات
السبت 12 تموز, 2025   10:18

في صباح يوم 11 تموز 2025، وعلى وقع نداءات السلام والتحول الديمقراطي، سطّر مقاتلو ومقاتلات حركة التحرر الكردستانية مشهداً مهيباً سيظل محفوراً في ذاكرة الإنسانية، حين أعلنوا أمام وفود سياسية وأكاديمية رفيعة المستوى من كردستان وتركيا والعراق والعالم، بداية مرحلة جديدة عنوانها "السلام والمجتمع الديمقراطي"، عبر مراسم رمزية لإتلاف السلاح قرب كهف "جاسنه" في منطقة دوكان بمحافظة السليمانية.

هذه الخطوة التاريخية جاءت تلبيةً لنداء القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط، وتنفيذاً لمقررات المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، مجسدةً تحولاً جذرياً في نهج النضال نحو المسارات القانونية والسياسية، ومؤمنةً بأن قوة السلام والمجتمع تفوق قوة السلاح.

ملتقى الثورة والطبيعة والتاريخ

تم اختيار كهف جاسنة لتنفيذ المراسم نظراً لأهميته التاريخية، فهو ليس مجرد معلم طبيعي ضمن سلسلة جبال "نبي آغا" و"سارا"، بل يُعد رمزاً نضالياً عميق الجذور في ذاكرة الشعب الكردي. يعود مجده إلى عام 1923 حين لجأ إليه الملك شيخ محمود الحفيد بعد القصف البريطاني، واتخذه مركزاً سياسياً وعسكرياً للثورة الكردية، كما احتضن الكهف أول إصدار صحفي ثوري بعنوان "بانكى حق"، والذي طُبع داخل الكهف باستخدام مطبعة بدائية، لتبدأ فيه حقبة الصحافة المقاومة في أحلك الظروف.

مشهد يفيض بالعنفوان والمشاعر

في الساعة 11 صباحاً، خرجت مجموعة مؤلفة من 30 مقاتلاً ومقاتلة من مغارة جاسنة، يتقدمهم الرئيسة المشتركة لمنظومة المجتمع الكردستاني بسي هوزات، متقلدةً بسلاح كلاشنكوف، إلى جانب قياديين بارزين أمثال بهزاد جارجيلا وتكوشين أوزان. توجهوا بخطوات ثابتة نحو منصة المراسم، حيث ارتفعت صورة القائد عبد الله أوجلان، وسط تصفيق حار وشعارات "يعيش القائد عبد الله أوجلان".

الحضور البهيّ والدموع التي قالت الكثير  

شارك في المراسم أكثر من 300 شخصية ضمن وفود انطلقت من السليمانية وهولير، من بينهم وفد إمرالي، والسياسية وعضوة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الديمقراطي شهناز إبراهيم أحمد عقيلة الرئيس العراقي، والسياسي الكردي أحمد ترك، ومدحت سنجار، إلى جانب جهاز الاستخبارات العراقي والتركي، وممثلي الأحزاب والنشطاء والمثقفين، وأمهات السلام اللاتي اختلطت دموعهن بملامح الفخر.

افتتحت بسي هوزات المراسم بكلمة ترحيبية أعقبها بيان الحركة باللغتين التركية والكردية، أُعلن فيه عن الإرادة الجماعية للتحول إلى العمل السياسي والقانوني، تلبية لنداء القائد عبد الله أوجلان: وقالت "نؤمن بقوة السياسة لا السلاح، ونفخر بتطبيق هذا المبدأ التاريخي".

اللحظة الرمزية

بعدها بدأت مراسم الإتلاف، حيث أُحرقت الأسلحة في حوض أُعِدّ خصيصاً، بيد بسي هوزات، وسط خشوع من الحضور، ودموع الأمهات، وتأثر وجوه النشطاء، إيذاناً بانطلاقة جديدة تحمل الأمل للنساء، والشباب، والشعوب التواقة إلى الديمقراطية والحرية في شرقٍ ينهكه القمع والتسلط.

ردود ومواقف تعكس إجماعاً شعبياً ونخبوياً

تحدث الحضور عن التنظيم المحكم لحركة التحرر الكردستانية، وإصرار مقاتليها، مؤكدين أن القائد عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني أدّيا واجبهما بأكمل وجه، وأن الكرة الآن في ملعب الدولة التركية التي يُنتظر منها خطوات جدّية وجادة لإنجاح المرحلة الجديدة من الحل.

مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي، كما بات يُطلق على هذه المبادرة الجريئة، تفتح أبواباً من الأمل والحياة السياسية المشروعة لشعبٍ ناضل طويلاً، إنها لحظة وعي، لحظة حب، لحظة انعتاق من أصفاد الحرب إلى رحاب الإنسان.