ماذا وراء العنف السياسي الممارس بحق المرأة في العالم؟ - هيفيدار خالد

ماذا وراء العنف السياسي الممارس بحق المرأة في العالم؟ - هيفيدار خالد
الأربعاء 24 نيسان, 2024   03:40

كثيراً ما نتحدث عن العنف السياسي الذي تتعرض له المجتمعات الإنسانية، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط. فالعنف السياسي هو استخدام السياسة بشكل يؤدي إلى إلحاق أضرار غير مشروعة لفئة كبيرة من الشعوب، وتتعرض النساء منذ مئات السنين لهذا النوع من العنف على يد الحكومات والحكام في مختلف المجتمعات، وعلى وجه الخصوص المجتمعات العربية.

فالعنف السياسي ضد المرأة يتمثّل في غياب مشاركتها في الحياة السياسية، وفي اتخاذ القرار السياسي على المستويات كافةً من أدناه إلى أعلاه، وإقصاء المرأة بشكل متعمد واستبعادها بشكل نهائي من ممارسة السياسة بات ظاهرةً عالميةً؛ فنسبة مشاركة المرأة في السياسة في العالم على المستوى النيابي أو الرئاسي يقارب 27 بالمائة، أما في الشرق الأوسط والمنطقة المحيطة بنا، فإن الوضع أكثر سوداويةً وبؤساً.

وتتعدد أسباب العنف السياسي ضد المرأة في المجتمع، منها الاقتصادية والاجتماعية وكل هذه المسببات تخلق المزيد من التخلف في المنطقة، فالبيئة التي تحكم المجتمع في الشرق الأوسط، بيئة ذكورية بحتة وبكل ما للكلمة من معنى. وتقصي المرأة من مواقع صناعة القرار وتحديداً في المجال السياسي. وما زالت المرأة تابعةً للرجل حتى في الانتخابات النيابية التي تشارك فيها بعدد معين ومحدود، ففي معظم الأوقات يتم تحديد نسبة مئوية لمشاركة المرأة، وهذا إجحاف بحقها، لأن المرأة إذا ترشحت بشكل حر قد تفوق أعدادها عدد الرجال المرشحين، لكن لأن مجتمعنا بأكمله مجتمع ذكوري تبقى المرأة في الصفوف الخلفية. 

ومثال ذلك دولة لبنان التي تعد أول دولة عربية نالت النساء فيها حق الاقتراع والترشح عام 1952 وتمكنت من الدخول في المجلس النيابي عام 1993، أي أنها منذ أربعين عاماً حققت هذا المكسب، إلا أنها لم تتمكن من المشاركة إلا شكلياً ورمزياً في المجال السياسي، وهي حتى هذه الساعة لا تستطيع لعب دورها في هذا المجال بالشكل الحقيقي، وبالتالي فهذا يعني أنها تتعرض لعنف سياسي غير مسبوق في البلاد. وذلك على الرغم من أن المرأة اللبنانية تتميز بمستوى عالٍ من التعليم والفكر، وبالتعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي والديني.

العديد من الدول العربية الأخرى أيضاً حصلت فيها المرأة على حق الاقتراع والترشح كسوريا عام 1953، إلا أن مسألة إقصاء النساء مسألة تاريخية لا تزال مسيطرةً على المشهد العام حتى الآن، وما تزال هناك عشرات القوانين التي تشرعن دونية المرأة، والدساتير التي تفرض التمييز بين المرأة والرجل وتقلّص حقوق المرأة الأساسية، وتُبقي المرأة مهمشةً في معظم الأوقات، وما بقاؤها في بعض المناصب إلّا أمراً شكلياً ليس له علاقة بتمكين دور المرأة سياسياً في المجتمع. وما القانون السوري الذي يقر بحرمان المرأة من أن يكون لها حق في نقل جنسيتها لزوجها الأجنبي أو أولادها منه، إلّا مثال واضح وصريح عن حجم العنف السياسي والاجتماعي الذي يمارس ضد المرأة في البلاد.

والحدّ من العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي ضد المرأة يبدأ من مكافحة الأيديولوجية الشعبوية التي تدمر المجتمع، وتسيطر على المنطقة بشكل كامل، وتخلق حالةً من الاستبداد عبر حرمان المرأة من المشاركة في آليات اتخاذ القرار السياسي، وعدم إشغالها لمراكز قيادية صغيرةً كانت أو كبيرةً، ومنعها حتى من الوصول إلى اللجان البرلمانية.

فالأنظمة الحالية تقوم على وجود ديكتاتورية فكرية سياسية اقتصادية تتحكم بجميع المراكز الرئيسة، وتسيطر على النفوذ والمال والإعلام وتعمل على نشر الجهالة بين جميع الأفراد، وتقوم بتعيين رجال لا يملكون كفاءاتٍ، أو بمعنى آخر عديمي القدرة السياسية، ويتم تكليفهم فقط لأنهم موالون لها أو تابعون لحزبها أو لمناطق نفوذها أو تابعون لجهة معينة يهمها أمرها. 

كما أن لوسائل الإعلام الخاضعة للأنظمة المستبدة في المنطقة دور في التشجيع على ممارسة العنف السياسي ضد المرأة في وقتنا الحالي، من خلال نقل صورة مُضلِّلةٍ عنها، مقلّلة من شأنها ودورها، لتتعرض بعد ذلك لحالات التنمر في الفضاء العام؛ لذا على المرأة تصعيد نضالها لنقل الصورة الصحيحة عن نضالها النسوي التاريخي في هذا المجال.

من جهة أخرى، تذهب آراء معظم النساء المدافعات عن قضية المرأة وحقوقها، بأنه يجب الدفع بالدول إلى تطبيق نظام الكوتا الإلزامية من أجل تعويض المرأة عن آلاف السنوات من الإقصاء والتهميش، وذلك بتشجيعهن على مشاركة السياسة وبإلزام وجود المرأة كمشاركة أساسية في صنعها.

فهناك العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في دول مختلفة من العالم، وخصوصاً في الهند وفي شرق أفريقيا أثبتت أن المشاركة السياسية للمرأة تحاصر الفساد في المجتمعات، وتزيد الإنتاج وتحافظ على السلام والاستقرار. لأن المرأة هي أساس المجتمع؛ لذا عليها أن تكون حاضرةً في الميادين كافةً، وتستطيع أن تفرض نفسها من خلال دورها وألا تقصي نفسها أبداً. ففي بعض الأوقات تقصي المرأة نفسها لأنها تربت على عادات وتقاليد بالية. وهنا نقول إن المرأة يستوجب عليها أن تلعب دور الأم البيولوجية في الحياة، وتلتزم رعاية أطفالها، ولكن من الضروري أيضاً أن تكون موجودةً بشكل كبير في ميادين العمل كافةً، ومن دون تمييز.

من الصعب أن يزدهر أي مجتمع، تكون المرأة فيه مغيبةً عن المشاركة السياسية، وتحرم من حقوقها كافةً، خاصةً أننا نعلم بأن المرأة تشكل الفئة الأكبر من ضحايا جرائم العنف، مثل جرائم النزاع المسلح، وجرائم العنف الأسري، والانتهاكات المتعلقة بساعات العمل الطويلة وبالأجور، فأجور النساء أقل من أجور الرجال في معظم المجتمعات، ويختارون الرجال في المراكز العليا ويحددون لهم أعلى الرواتب، وكل هذه المظاهر العنيفة ضد المرأة مستمدة من نهج سياسي أو قوانين لا يمكن تصحيحها إلا بتصحيح أصل الخلل، ولا يمكن التعويل على حكام ينتهجون سياساتٍ طابعها تمييزي جندري وعنفي ضد جميع فئات المجتمع، ولا يمكن أن نتوقع من هذه الأنظمة إصلاح نفسها، وتحسين القرارات التي تتأثر بها المرأة على وجه الخصوص. كل هذه السياسات القمعية والفاسدة تستلزم تحسين التشريعات التي تحمي المرأة، وسن القوانين التي تضمن مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة وحتى في اللجان والهيئات التنفيذية.

على جميع النساء النضال للوصول إلى أهدافها وتغيير الأنظمة السياسية الحالية، وتصحيح حالة عدم التوزان والخلل في السياسة العالمية التي ينقصها المرأة التي تشكل أكثر من نصف سكان العالم، والعمل من أجل وجود المرأة في الحكومات كافةً من حول العالم، فلدى المرأة كفاءة وقابلية سياسية كبيرة، لكن وجود بعض العادات والتقاليد الاجتماعية تحول دون انخراطها في هذا المجال، فيجب أن تتجاوزها فوراً، وتفرض نفسها وبالتالي تمثّل ذاتها أينما كانت.

على الرغم من أنه خلال الخمسين سنةً الأخيرة قامت بعض الدول بسن قوانين تسمح للمرأة بالاقتراع والمشاركة في اختيار رؤساء وحتى بالترشح للرئاسة وتقلّد هذا المنصب، إلا أن معظم هذه التشريعات والقوانين تبقى حبراً على ورق في الكثير من الأوقات.

لذا على جميع النساء توعية ذواتهن في جانب مهم وحساس بالنسبة لهن في وقتنا الحالي، ألا وهو الحصول على كامل الحقوق السياسية. وتحصين أنفسهن من الانتهاكات والجرائم التي يتعرضن لها، وبالتالي يجب على المرأة أن تأخذ دورها الريادي في المجتمع، وتطالب بنظام الرئاسة المشتركة الذي يطبق اليوم على أرض الواقع ضمن نظام الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، والتي من خلالها حققت المرأة ومن جميع المكونات مكتسباتٍ حقيقيةً بعد أن خاضت نضالاً عسيراً من أجل ذلك.