الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة

آمنت بأن الشهادة في سبيل الحرية هي الحياة بحد ذاتها، وأن النضال هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة والمواطنة الحقيقية. لم تكن مسيرة الشهيدة منيجة حيدر مجرد تجربة شخصية، بل كانت مصدر إلهام للعديد من النساء اللواتي سرن على خطاها، باحثات عن الحرية والمساواة. إن روحها وشجاعتها تواصلان إلهام الأجيال القادمة في سعيهن نحو تحقيق حقوقهن ومكانتهن في المجتمع.

الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الشهيدة منيجة حيدر.. المرأة التي جسدت النضال وروح المقاومة
الخميس 6 شباط, 2025   03:50
قامشلو
سلافا عبد الرحمن

في عالم تعصف به الأزمات وتغلفه التحديات، تظل أرواح الشهداء أحياء في قلوبنا، حاملين رايات المقاومة التي تضيء لنا الدروب. ومن بين هؤلاء الأبطال، تبرز الشهيدة منيجة حيدر، التي أصبحت رمزاً للنضال الثوري وروح المقاومة التي لا تقهر. 

النشأة المبكرة في بيئة وطنية

وُلدت منيجة حاجو حيدر عام 1977 في قرية جنق جيق، الواقعة غرب مدينة عامودا، ضمن عائلة مكونة من أربعة أبناء وخمس بنات، حيث كانت الابنة الخامسة. في عام 1983، انتقلت العائلة إلى مدينة قامشلو، تحديداً حي الهلالية، بسبب الظروف المعيشية الصعبة، ولإكمال تعليم أطفالها.

الانخراط المبكر في الحركة

درست منيجة حتى المرحلة الإعدادية، لكنها منذ نعومة أظفارها لم تكن فتاةً عادية، فقد نشأت في كنف عائلة وطنية، عرفت النضال مبكراً، إذ تعرفت أسرتها على حركة حرية كردستان في أواخر عام 1983.

تشرّبت منيجة منذ صغرها مبادئ المقاومة من أعضاء الحركة، وتبنّت صفات المرأة المناضلة ذات الإرادة الصلبة والإصرار على النصر. كانت تدرك أن شعبها بحاجة إلى صوتها، وأن قضيتها تتطلب مقاومة وعزيمة لا تلين، ولهذا سخّرت حياتها للدفاع عن حقوق الكرد والمرأة، مؤمنةً بأن الحرية تستحق كل التضحيات.

مناضلة من أجل حقوق المرأة

سعت منيجة لتحقيق الحرية لجميع النساء، متأثرة بفلسفة "المرأة، الحياة، الحرية". في ريعان شبابها، كانت ناشطة ميدانية تعمل ضمن الأحياء، وتؤدي أدواراً جبهوية. ومع انطلاق الثورة في 19 تموز عام 2012، تولت منصب إدارية في حي الهلالية، حيث لعبت دوراً محورياً في تأسيس الكومينات، وعملت على تمكين النساء وتنظيم صفوفهن ليصبحن قياديات في الثورة.

مناصب قيادية ومساهمة في الدفاع عن حقوق المرأة

انضمت عام 2013 إلى مؤتمر ستار، وأسهمت بشكل كبير في الدفاع عن حقوق المرأة، كما كانت شخصية بارزة في تعزيز دور المرأة في جميع المجالات. شغلت عدة مناصب قيادية، من بينها ناطقة باسم مؤتمر ستار في قامشلو لمدة أربع سنوات، وناطقة للجنة الاجتماعية على مستوى روج آفا، إضافة إلى توليها منصب الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في مقاطعة الجزيرة.

شهادات من العائلة.. من هي الشهيدة منيجة حيدر؟

وفي السياق، يقول شقيقها الأكبر، جميل حاجو، متحدثاً عنها: "منيجة كانت محبوبة من الجميع، سواء في العائلة أو القرية، لم تكن تفتعل المشكلات أبداً، بل كانت هادئة، حكيمة، وصاحبة رأي سديد. منذ صغرها، كان ارتباطها بحركة حرية كردستان قوياً، وتشبعت بفكر المقاومة والنضال. كبرت وهي تحمل فكر القائد عبد الله أوجلان، مؤمنة بأن المقاومة ليست خياراً، بل واجباً لتحقيق الحرية".

وأضاف: "منيجة لم تكن مجرد أخت، بل كانت عماد العائلة. حكمتها وفطنتها جعلتها مرجعاً لنا جميعاً، كنتُ أنا أخاها الأكبر، لكنها كانت تغلبني في النقاشات وتقنعني برأيها. كانت تقدم النصح والتوجيه للعائلة بأكملها، والجميع كان يعمل برأيها. كانت مثالاً للمرأة الصارمة والجدية في عملها، فلم تكن تقبل أنصاف الحلول، بل كانت تصرّ على التفوق في كل ما تقوم به. هذا ما جعلها محبوبة في كل مكان عملت فيه، إذ كان الجميع يفضل العمل معها لالتزامها وإخلاصها".

التأثير على العائلة

وأكد جميل أن "منيجة هي الشهيدة الثامنة في عائلتنا، ونحن فخورون بشهادتها. كانت تردد دائماً (لا أريد أن أموت ميتة عادية، أريد أن أستشهد)، وقد وصلت إلى حلمها. نفتخر بها، لكن في الوقت ذاته، نشعر بحزن عميق لفقدانها، فقد كانت الركيزة الأساسية لعائلتنا، وغيابها ترك أثراً لا يمحى في قلوبنا".

الالتزام القوي بقضية المرأة

في كل مكان تجد فيه امرأة تتعرض للظلم والاضطهاد، كانت الشهيدة منيجة تسرع لنجدتها. تقول أختها الأصغر، إلهام حاجو حيدر: "مهما تحدثنا عن الشهيدة منيجة، لن نتمكن من إعطائها حقها بالكامل. فقد كانت الأم، الأخت، الصديقة، والسند لنا، وعلى الرغم من انشغالاتها الكبيرة، لم تقصر في واجبها تجاهنا. كعائلة، كنا مترابطين جداً ببعضنا البعض. عملت لمدة 13 عاماً، دون كلل أو ملل، بتفانٍ وإصرار. رغم معاناتها من أمراض متعددة، لم تكن تشتكي أو تجعل مرضها عائقاً أمام أداء واجبها الوطني والأخلاقي".

التضحية من أجل الوطن وحمل القضية

وتضيف إلهام: "كانت ترفض أن تكون المرأة ضعيفة أو مظلومة. كانت تسعى جاهدةً لتطوير النساء، وتوعيتهن بحقوقهن، وحصولهن على حريتهن، مع العمل على تحسين حالهن. كانت تبحث عن كل امرأة تتعرض للعنف وتستجيب فوراً للوصول إليها. عندما كانت صغيرة، كانت تتعلم اللغة الكردية سراً، وعندما تعود إلى المنزل كانت تعلمنا الأحرف الكردية لنتمكن من تعلم لغتنا الأم. إلى جانب عملها في جمع القطن والقيام بأعمال أخرى، كانت تحثنا على العمل ذاته".

وتؤكد إلهام: "رأسنا مرفوع بشهادتها، فقد كانت شهادة تليق بمكانتها. خرج عشرات الآلاف من أهل مقاطعة الجزيرة في يوم تشييعها، وهي خالدة في ضمائرنا وقلوبنا، وسنواصل السير على خطاها. لن تذهب جهودها سدى".

تزوجت منيجة حيدر من ابن عمها عبد الجليل حيدر، المعروف بـ "أبو ولات" في عام 1997، وأنجبت خمسة أبناء، وكلهم كانوا منخرطين في المجال العسكري والإداري خلال ثورة روج آفا.

التضحية في سبيل الحرية

كانت تلك المرأة التي أرضعت أولادها حب الوطن والموت في سبيله، تدفعهم دائماً نحو الدفاع عن وطنهم. في كل مرة استقبلت فيها قوافل الشهداء، استقبلتهم بأكاليل الغار والزغاريد، فخورة بما يقدمه أبناؤها من تضحيات.

ربت أبناءها على خصال المناضلين الثوريين وحب الوطن. فقد أرسلت أحد أبنائها إلى حركة حرية كردستان في عام 2015، ليقاتل ضمن صفوفها، وكان باقي أبنائها مقاتلين ضمن قوات سوريا الديمقراطية وأعضاء في الشبيبة الثورية. لم تبخل يوماً في تقديم كل ما تملك من أجل وطنها وقضيته.

وفي السياق، يقول عبد الجليل: "كان حلم منيجة أن تنضم إلى جبال كردستان وتصبح مقاتلة في حركة حرية كردستان، لكن الظروف لم تسمح لها بذلك. لكنها ضمت ابنها رامان إلى صفوف الحركة. عندما انضم، قلت لها ألا تشتكي، فأجابت: 'أعدك بأني لن أشتكي، ولو لمرة واحدة'. وبالفعل، لم تشتكِ يوماً، بل كانت ترفع رأسها فخورة بابنها".

تاريخ طويل من النضال

في التسعينات، كانت معروفة بين الناس باسم "جاندا"، حيث كانت تنظم اجتماعات مع الأهالي، وتوزع منشورات، وتقوم بأعمال أخرى. إلى جانب عملها في تشكيل الكومينات وإدارة حي الهلالية، كانت تعمل كمعلمة في المدارس. لكنها لم تشعر أنها تنتمي إلى ذلك المكان، فاختارت أن تنخرط بشكل فعال في المجتمع، لتصبح عضوة فاعلة تسعى لتوعية الشعب وبناء حياة ديمقراطية حرة.

كانت عائلتها بأكملها مرتبطة بالحركة، مما لم يخلق أي مشكلات أو عوائق تمنعها من متابعة عملها. وكان الجميع يداً واحدة في السراء والضراء، وكان العمل المشترك والوطنية أساس حياتهم. وكانوا دائماً مع القضية الكردية كما كان حال أجدادهم وآبائهم. كانت امرأة جسورة وقوية، ذات مبدأ راسخ. إذا عاهدت، وفّت بعهدها.

ويضيف عبد الجليل: "كانت دائماً تقول لنا: إذا تمكنا من بناء بيت سليم، سنستطيع بناء الوطن. لم تخف من شيء، وكانت تؤكد دائماً: "أنا صاحبة الأيام الصعبة". كنا جميعاً نعمل معاً، وفي كل مساء كانت منيجة تسألنا: "ماذا فعلتم اليوم؟" ولم نكن نلتقي إلا في المساء".

واختتم عبد الجليل كلامه بالقول: "الشهداء أحياء في قلوبنا لا يموتون. وأود أن أذكر وصيتها التي قالتها لي: "بعد استشهادي، وعندما يأتي الإعلام للحديث معك، قل ثلاث مرات: 'المرأة، الحياة، الحرية'".

الاستشهاد دافع للاستمرار في النضال

حسين حيدر، الابن الثاني للشهيدة منيجة حيدر، قال: "والدتي كانت قدوتنا في الحياة. ربّتنا على أساس الترابط والتلاحم وحب الوطن والفداء له، وعلى أساس الوعي ومعرفة حقوق الإنسان. وبذلك نشأنا وترعرعنا في كنفها".

ويتذكر حسين محادثته مع والدته قبل ذهابها إلى سد تشرين، ويقول: "قبل ذهابها إلى سد تشرين، كان لديّ موعد لإجراء عملية جراحية. قلت لها: 'انتظريني حتى أجرى عمليتي الجراحية'. فقالت لي: 'عمليتك تتأجل، لكن واجبي تجاه وطني ومقاتليه لا يتأجل. لن أبخل في تقديم المساعدة وكل ما أملك لهم'. ثم ذهبت".

يتألم حسين لفقدان والدته، ولكنه في الوقت نفسه يشعر بالفخر بها. فقد قدمت كل ما تملك للوطن واستشهدت برأس مرفوع وشامخ، كالشموخ الذي تعكسه جبال كردستان. وأضاف: "أنا اعتز بوالدتي وأفتخر بها. كلماتها وأفعالها كانت واحدة، قولاً وفعلاً. وكانت دائماً في الميادين، والجميع شاهد على ذلك".

الشهادة دافع لاستمرار المسيرة

استشهاد الشهيدة منيجة لم يكن نهاية لمسيرتها، بل أصبح دافعاً لاستمرار النساء في الكفاح. تقول رودين عيسى، صديقة الشهيدة منيجة، التي رافقتها لمدة 13 عاماً منذ انطلاق ثورة 19 تموز: "طبقت الشهيدة منيجة فلسفة الحرية بحذافيرها. كانت صلبة كالفولاذ، قوية وصارمة في عملها. كانت صديقة وفية تسعى دائماً لتطوير المرأة فكرياً وتوعيتها في جميع النواحي".

وتضيف رودين عن صفات الشهيدة: "لم تكن تتدخل فيما لا يعنيها، بل كانت هادئة وروحها رفاقية عالية. لم تعش تناقضات، وكانت صارمة، نشطة، ومثابرة. لم تتقبل الأخطاء، وكانت تسعى دائماً لأن يكون عملها متفوقاً في كل جوانبه. إلى جانب ذلك، كانت تسعى لتطوير أصدقائها وتقوية عملهم، وكانت دائماً تسعى للوصول إلى من يعاني من نقص لتطويره فكرياً".

وتحدثت رودين عن علاقتها الشخصية بالشهيدة قائلة: "بدأت صداقتنا عندما كنا إداريات في الأحياء، ثم في مؤتمر ستار، وتعرفنا بشكل أعمق في أكاديمية ستار حيث تلقينا تدريباً معاً لمدة 45 يوم. كانت منيجة مرتبطة كثيراً بابنها رامان، الذي انضم إلى حركة حرية كردستان. كانت تحبه مثل حبها لوطنها، ودفعته للانضمام إلى الحركة لتحقيق حلمها الذي ظل عالقاً في وسط الطريق".

وفي ختام حديثها، أوضحت رودين أن "منيجة لم تكن حالة استثنائية، بل كانت تجسد حركة نسائية واسعة في شمال وشرق سوريا. على الرغم من التحديات السياسية والاجتماعية، استطاعت أن تثبت نفسها كقوة ريادية في النضال والتنظيم. كانت ترى في كل امرأة مناضلة جزءاً من هذه الثورة والنضال. استشهادها لم يكن نهاية لمسيرتها بل أصبح دافعاً لاستمرار النساء في الكفاح".

أصبحت رمزاً من رموز النضال والمقاومة

أما شقيقها جميل حاجو، فقال: "الشهيدة منيجة كانت تعرف بأنها قد لا تعود، لكنها أصرت على الانضمام إلى مقاومة سد تشرين. كان يجب أن يكون لها حصة في أي مقاومة تحدث على أرض شمال وشرق سوريا. كانت تؤكد دائماً أن الشهادة في سبيل الحرية هي حياة بحد ذاتها. وباستشهادها، أصبحت رمزاً من رموز المقاومة والنضال".

توجهت منيجة حيدر، في يوم 17 كانون الثاني، مع المئات من أهالي مدينة قامشلو إلى سد تشرين للاحتجاج على الهجمات التي تشنها دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على إقليم شمال وشرق سوريا، وبالتحديد على سد تشرين الذي يمد المنطقة بالطاقة الكهربائية والمياه. وفي 18 كانون الثاني، هاجم جيش الاحتلال التركي المحتجين في سد تشرين، مما أدى إلى استشهاد "الرئيسة المشتركة لمكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في قامشلو، منيجة حيدر، والمسرحي الكردستاني جمعة خليل (بافي طيار)، وعضوي مجلس عوائل الشهداء كيفو عثمان وأكرم رخو، وعضوي مجلس مدينة قامشلو مظفر محمد وعبد القادر إبراهيم".

وفي 21 كانون الثاني، شيّع عشرات الآلاف جثامين الشهداء في مدينة قامشلو.

(ح)

ANHA