أكثرية.. أقلية.. مكونات.. نسف لمفهوم المواطنة أم توصيف طبيعي؟ - ضياء اسكندر

أكثرية.. أقلية.. مكونات.. نسف لمفهوم المواطنة أم توصيف طبيعي؟ - ضياء اسكندر
السبت 4 كانون الثاني, 2025   07:59

في السنوات الأخيرة، تسللت مصطلحات مثل "أكثرية"، "أقلية"، و"مكونات" إلى الخطاب السياسي والإعلامي، لتصبح مفردات يومية عند الحديث عن البلدان التي تعجّ بتنوعها العرقي، والديني، والطائفي. وعلى الرغم من أن هذه الكلمات تبدو للوهلة الأولى مجرد توصيفات بريئة، إلا أن استخدامها يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز معناها المباشر، لتفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة: هل نحن أمام مفاهيم تعزز الوحدة والمواطنة، أم أنها أدوات تُستخدم لترسيخ الفرقة والتمييز؟

يشير مصطلح "الأكثرية" في ظاهره إلى الجماعة السكانية ذات العدد الأكبر، و"الأقلية" إلى تلك الأصغر عدداً. أما مصطلح "المكونات"، فيبدو أكثر حيادية، مصوراً التنوع المجتمعي بصورة مجردة، يهدف إلى الإشارة إلى التنوع داخل المجتمع. ومع ذلك، فإن هذه المصطلحات تحمل دلالات أعمق. فالأكثرية عادةً ما تُفهم على أنها الجماعة السائدة، ليس فقط عددياً بل ثقافياً وسياسياً، ما يجعلها غالباً مرادفاً للهيمنة.  بينما الأقلية غالباً ما تُربط بالهامشية وضعف التأثير، وكأنها ضيفٌ في بيتٍ لا يمتلكه.

 أثر المصطلحات على مفهوم المواطنة 

في المجتمعات الحديثة، يُفترض أن تكون المواطنة الرابط الأسمى الذي يجمع بين أفراد المجتمع، متجاوزة كل الفوارق العرقية والدينية. فهي تجسّد مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وتؤسس لعلاقة متينة بين الفرد والدولة تقوم على الهوية الوطنية المشتركة، بعيداً عن أي انتماءات فرعية قد تُضعف هذا الرابط أو تُقصي البعض إلى الهامش.

لكن استخدام مصطلحات مثل "أكثرية" و"أقلية" يزرع في الوجدان الجمعي تصوراً مغلوطاً مفاده أن الحقوق والواجبات يمكن أن تُقسَّم بناءً على الانتماء لهذه الفئات. يصبح الانتماء إلى الأكثرية بمثابة امتياز غير قابل للمساومة، بينما يُفرض على الأقلية الاندماج بشروط الأكثرية، وإلا فإن أفرادها قد يُحرمون من حقوقهم كاملة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: نسف مبدأ المساواة من جذوره، ما يهدد الوحدة الوطنية ويُنتج شعوراً دائماً بالغُبن لدى الأقليات.

تُظهر تجارب بعض الدول كيف أن استخدام مصطلحات مثل "أكثرية" و"أقلية" قد يؤدي إلى أزمات عميقة تهدد استقرار المجتمعات. ففي العراق، على سبيل المثال، أسهم التصنيف الطائفي بين "شيعة"، "سنّة"، و"أكراد" في تقسيم المجتمع، الأمر الذي أذكى الصراعات البينية وأدى إلى تآكل الهوية الوطنية لصالح الانتماءات الفرعية. وفي لبنان، تحوّل النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية إلى عقبة دائمة، يُعطل سير العمل الحكومي ويُسهم في تفاقم الأزمات الداخلية.

وفي سوريا، التي تتميز بتنوع عرقي وديني وطائفي، أسهمت بعض المصطلحات الإعلامية، سواء كانت عن حسن نية أو سوء نية، في تأجيج الأزمة التي انفجرت بعد عام 2011. فقد تحوّل الحديث عن "الأكثرية السنية" و"الأقلية العلوية" أو "الكردية" إلى أداة لتفكيك وحدة المجتمع وإثارة النعرات الطائفية، ما عمّق الانقسامات السياسية والاجتماعية.

ومع تولي "هيئة تحرير الشام" مقاليد السلطة في البلاد بعد 8/12/2024، أصبح هذا الخطاب أكثر تأثيراً في تشكيل المشهد العام. وفي ظل غياب خطاب وطني جامع يرسّخ مفهوم المواطنة، تتحول الاختلافات الثقافية والدينية من عناصر إثراء وتنوع إلى ذرائع للصراع، ما يطيل أمد النزاع ويعقّد جهود الحل والمصالحة.

لمواجهة هذه التحديات، ينبغي تبنّي خطاب بديل يرتكز على مفهوم المواطنة الشاملة. هذا الخطاب لا يُلغي التنوع، بل يحتفي به كقوة إضافية، مع التأكيد على أن الاختلافات الثقافية والدينية لا تتعارض مع المساواة في الحقوق والواجبات. ويجب أن تلعب المؤسسات التعليمية والإعلامية دوراً مهماً في تعزيز هذا الوعي، من خلال تقديم روايات موحدة تُبرز الهوية الوطنية الجامعة بدلاً من التركيز على الفروقات.

وفي هذا السياق، يصبح تبنّي العلمانية كمنهج، ضرورة لا تقتصر فقط على ضمان المساواة بين المواطنين بعيداً عن أي اعتبارات دينية أو عرقية، بل يجب أن تُدرج كركيزة أساسية في الدستور القادم لبناء دولة مدنية حديثة، تُعلي قيم العدالة والحرية والانسجام الاجتماعي.