تعزيز الوحدة الوطنية والسيادة السورية في مواجهة الأطماع التركية_ أحمد محمد

تعزيز الوحدة الوطنية والسيادة السورية في مواجهة الأطماع التركية_ أحمد محمد
الأربعاء 1 كانون الثاني, 2025   07:00

بعد سقوط نظام بشار الأسد، تجد سوريا نفسها أمام تحديات داخلية وخارجية تهدد وحدتها وسيادتها. وبينما تسعى القوى الوطنية إلى التكاتف لرسم ملامح سوريا الجديدة، تواصل تركيا تحركاتها لفرض هيمنتها على المشهد السوري من خلال شن هجمات عسكرية، وتدخلات اقتصادية، ناهيك عن تحركاتها السياسية، بما في ذلك محاولات إعادة ترسيم الحدود البحرية والسيطرة على بيانات السوريين. في هذا السياق، تأتي مبادرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا كخطوة جادة لحماية الوحدة الوطنية وصون سيادة البلاد من الأطماع الإقليمية.

المشهد السياسي: من الفراغ إلى البناء

مع انهيار النظام الذي حكم سوريا لأكثر من خمسة عقود، تعيش البلاد حالة انتقالية معقدة. القوى المحلية والإقليمية تسعى لملء الفراغ السياسي، وفي مقدمتها السلطات التركية، اذ تحاول ملئ الفراغ الذي خلفته القوات الإيرانية والروسية (داعمي النظام السوري).

الأطماع التركية: استراتيجيات التوسع والسيطرة

1.  إعادة ترسيم الحدود البحرية

قال وزير النقل والبنية التحتية في السلطات التركية، عبد القادر أورال أوغلو، إن سلطات بلاده تعتزم بدء مفاوضات مع سوريا لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط. في وقت لا تمتلك فيها السلطات الحالية أي صيغة قانونية تخولها الدخول في هذا النوع من الاتفاقات.

الا أن تركيا تحاول استغلال فرصة وجود أذرعها في سدة تسيير أمور البلاد للوصول إلى ذلك النفوذ، قبل توصل السوريين لحكومة شرعية.

تركيا، التي تواجه نزاعات بحرية مع جيرانها في شرق المتوسط، تسعى إلى فرض خرائط جديدة تؤمن لها نفوذاً اقتصادياً وجيو سياسياً أكبر. وقد أشارت تصريحات لمسؤولين أتراك مؤخراً إلى خطط لمد النفوذ التركي في المنطقة، بما في ذلك سواحل سوريا، مما يعكس طموح أنقرة للاستفادة من الموارد البحرية المحتملة.

في 2010 قدّر إجمالي منطقة حوض الشام من البحر المتوسط والتي تطل عليها سوريا مع بلدان أخرى بـ 3450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي و1.7 مليار برميل من النفط؛ وفق المسح الجيولوجي الأميركي.

2. السيطرة على بيانات السوريين

تسعى تركيا إلى تعزيز سيطرتها على السوريين من خلال محاولة الوصول إلى قواعد بيانات السوريين في مناطق سيطرة الحكومة السورية المؤقتة المدعومة من أنقرة. الهدف المعلن هو تنظيم الخدمات، لكن هذه الخطوة تثير قلقاً حول استخدام البيانات لأغراض سياسية أو أمنية، ما يعمّق سيطرة تركيا على المناطق السورية التي تحتلها ويمنحها أدوات جديدة للتأثير على الوضع الداخلي.

3. بناء قواعد عسكرية

في تصريحات حديثة، أعلن مسؤولون أتراك عن نوايا لإنشاء قواعد عسكرية جديدة في سوريا، بحجة ضمان أمن الحدود ومواجهة “التهديدات الإرهابية”. هذه الخطط تمثل تصعيداً إضافياً لتكريس الاحتلال التركي وتوسيع نفوذه الجغرافي داخل سوريا، إلى جانب استمرار هجماتها العسكرية على مناطق مختلفة من إقليم شمال وشرق سوريا، والمتركزة حالياً في ريف منبج وكذلك ريف مقاطعة كوباني، مع تصاعد لغة تهديد السلطات في تركيا لاحتلال كامل مناطق شمال وشرق سوريا.

4. تعزيز النفوذ عبر الحكومة المؤقتة

وإلى جانب تلك المناطق التي تحتلها تركيا بوجودها العسكري وعبر مرتزقتها "الجيش الوطني"، تركيا تدعم الحكومة السورية المؤقتة في المناطق الخاضعة لسيطرتها كواجهة سياسية لإضفاء شرعية على وجودها، بينما تتحكم فعلياً بالمشهد السياسي والأمني والاقتصادي في تلك المناطق.

وفي وقت لا تزال الخلافات بين الأطراف السورية المختلفة تُلقي بظلالها على عملية إعادة بناء مؤسسات البلاد وشكل ومستقبلها وإدارتها، وبينما تسعى تركيا عبر ما تسميها "المعارضة" لفرض هيمنتها رغم رفض السوريين أي نوع من التدخلات الخارجية والوصاية. شمال وشرق سوريا، مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية تبقى الأكثر تنظيماً.

مبادرة الإدارة الذاتية: رؤية لمواجهة التحديات

في مواجهة المخاطر آنفة الذكر، تأتي مبادرة الإدارة الذاتية الديمقراطية كحل وطني يهدف إلى تحقيق وحدة السوريين وحماية سيادة البلاد. المبادرة، التي طرحتها الإدارة الذاتية مؤخراً خلال مؤتمر صحفي في مقاطعة الرقة، تقدم خريطة طريق متكاملة لمعالجة الأزمة السورية، متضمنة دعوات للحوار الوطني وإنهاء التدخلات الخارجية.

وفي قراءة سريعة للمبادرة تلتمس "حماية وحدة الأراضي السورية، دعوة للحوار الوطني الشامل، ضمان العدالة الاقتصادية، التصدي للتدخلات الخارجية".

تؤكد المبادرة على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، مشددة على رفض كل أشكال الاحتلال والتدخلات الخارجية، بما فيها مخططات الاحتلال التركي لإعادة رسم الحدود أو بناء قواعد عسكرية.

تدعو المبادرة إلى عقد مؤتمر أو اجتماع طارئ تشارك فيه جميع القوى السياسية السورية في دمشق، من أجل توحيد الرؤى بشأن المرحلة الانتقالية وبناء نظام ديمقراطي يضمن حقوق الجميع.

أحد محاور المبادرة هو توزيع عادل للثروات والموارد الاقتصادية، بما يضمن عدم استغلال أي طرف خارجي لهذه الموارد لصالح أجنداته.

تعزز المبادرة من التعاون الوطني لمواجهة الهجمات وتدخلات الاحتلال التركي، سواء من خلال تعزيز القدرات المحلية أو التنسيق مع القوى الدولية الفاعلة.

تشدد المبادرة على أهمية مواصلة محاربة مرتزقة داعش بالتعاون مع التحالف الدولي، لضمان عدم عودته.

فرص نجاح المبادرة: نحو سوريا ذات سيادة ووحدة وطنية

رغم التحديات، فإن مبادرة الإدارة الذاتية الديمقراطية تملك فرصاً حقيقية للنجاح:

دعم شعبي متزايد: أثبتت الإدارة الذاتية قدرتها على تحقيق الأمن وتقديم الخدمات في مناطقها، مما أكسبها مصداقية بين السوريين، إذ تشهد مناطق الإدارة الذاتية بشكل يومي انخراط واسع من أبنائها ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية لحماية المنطقة في وجه الهجمات، كما تشهد مسيرات حاشدة منددة بالتدخلات الخارجية في إرادة المنطقة، كما أن المناشدات من مناطق سورية مختلفة لتطبيق هذا النظام يوضح مدى تعطش الشعب السوري لهذا النوع من الإدارة بدل السلطة.

شراكات دولية: التعاون المستمر مع التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب يمنح المبادرة ثقلاً على الساحة الدولية، ويدل الضغط المستمر من التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا للحد من الهجمات التركية على كوباني، مثال لما بات يتمتع به هذا النموذج من شراكة تجمعه مع القوى الدولية ذات الثقل في العالم.

رؤية شاملة: المبادرة تقدم حلولاً عملية لمشكلات مزمنة، مثل إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية، حيث أن إحدى أبرز التحديات التي تواجه سوريا بعد سقوط النظام هي تحقيق المصالحة الوطنية، عقود من القمع والانقسامات الطائفية والعرقية تركت ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي، وربما ما نشهده من احتقان اليوم أو بوادر حرب أهلية بين السنة والشيعة توضح جلياً حاجة السوريين لهذه النوع من الأطروحات.

الخاتمة: مبادرة نحو الأمل والمستقبل

في ظل أطماع الاحتلال التركي الذي يسعى لإعادة تشكيل الواقع السوري بما يخدم مصالحه، تمثل مبادرة الإدارة الذاتية دعوة جادة لحماية الوحدة الوطنية وضمان سيادة البلاد.

"سوريا الجديدة" لن تُبنى إلا بجهود أبنائها، عبر حوار وطني شامل وإصلاحات سياسية واقتصادية تعكس تطلعات جميع المكونات. مبادرة الإدارة الذاتية هي خطوة في هذا الاتجاه، وبدعم وطني ودولي حقيقي، يمكنها أن تكون أساساً لإعادة بناء سوريا دولة ديمقراطية وذات سيادة، تقف أمام كل المحاولات الخارجية لتمزيقها أو الهيمنة عليها.

وتقف اليوم البلاد على مفترق طرق بين البناء والانقسام. ورغم التحديات الهائلة التي تواجه السوريين اليوم، فإن الأمل في مستقبل أفضل يظل حاضراً بفضل إرادة الشعب وتصميمه على تجاوز المحن.