تحرك تركيا ومرتزقتها في حلب وريف إدلب.. الأبعاد الاستراتيجية والحلول – أحمد محمد

تحرك تركيا ومرتزقتها في حلب وريف إدلب.. الأبعاد الاستراتيجية والحلول – أحمد محمد
الأحد 1 كانون الأول, 2024   06:00

تشهد حلب وريف إدلب وحماة في سوريا تصاعداً في التحركات العسكرية للاحتلال التركي ومرتزقته، التي تعكس أبعاداً سياسية وإقليمية معقدة، في مقدمتها تركيا الساعية من خلال هذه العمليات إلى تحقيق مكاسب سياسية، وتوجيه رسائل إلى إسرائيل والولايات المتحدة وكذلك لروسيا، مع محاولة فرض واقع جديد في مناطق من شمال سوريا، يهدد مستقبل الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا، في ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل أساسي، ما هو الحل الأنسب لمواجهة هذه التحديات ومنع المزيد من الاحتلالات للأراضي السورية؟

تعقيدات الصراع الإقليمي والدولي

الصراع على الرقعة الجغرافية السورية ليس صراعاً بين قوات داخلية، بل هو ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية. في مقدمتها تركيا، التي تسعى لتوسيع احتلالها واستعادة أطماعها العثمانية.

هناك ثلاثة أطراف أخرى هي: الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وروسيا، إلى جانب تركيا التي تقود الهجوم الأخير. تسعى هذه الأطراف لاستغلال هذا الهجوم لتوجيه رسالة، ورغم تضارب المصالح الإقليمية والدولية في مناطق أخرى، إلا أن مصلحة الأطراف الثلاثة تتفق في نقطة معينة ضمن الأزمة السورية، وهي دفع حكومة دمشق لإخراج القوات الإيرانية الداعمة لها من البلاد، وإنهاء التأثير الإيراني في سوريا.

رسائل موجهة للولايات المتحدة الأمريكية.. رسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط

مستفيداً من تلاقي مصالح هذه الأطراف الثلاثة، يسعى الاحتلال التركي من خلال هذه التحركات لتأكيد قدرته على التأثير في المشهد الميداني ورسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط.

هذه الرسائل موجهة بشكل خاص إلى الولايات المتحدة، التي تستعد لمرحلة سياسية جديدة مع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة. ويحاول الاحتلال التركي إظهار قدرته على ضبط التوازنات في المنطقة، في مواجهة النفوذ الإيراني.

تطوير العلاقة مع إسرائيل

في الوقت نفسه، يحاول الاحتلال التركي تطوير علاقته مع إسرائيل، من خلال إظهار قدرته على مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا. تتماشى هذه الخطوة مع المصالح الإسرائيلية، التي تعدّ التمدد الإيراني تهديداً وجودياً. وبالتالي، تسعى أنقرة لإعادة بناء علاقاتها مع تل أبيب على أسس جديدة، تعزز من دورها كقوة إقليمية قادرة على تحقيق التوازنات.

كما تحمل هذه الخطوة رسائل ضمنية وضغوطاً على روسيا، المتدخلة في الأزمة السورية، لدفع حكومة دمشق لتقديم تنازلات والتطبيع معها، والعمل وفقاً لمصالح الطرفين، لا سيما بعد رفض بشار الأسد لقاء أردوغان. وقد جاءت التصريحات الروسية عقب جولة أستانا الأخيرة، حيث قال المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف: "دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها، الأتراك يتصرفون كدولة محتلة، ومن الصعب على دمشق الدخول في حوار دون ضمانات معينة من تركيا بشأن انسحاب قواتها".

من كل ما سبق، يسعى الاحتلال التركي للحصول على "ضوء أخضر" من الأطراف المتدخلة في الأزمة السورية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، يسمح له بتنفيذ توغل عسكري جديد في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث الإدارة الذاتية الديمقراطية.

استغلال انشغال إيران وحزب الله

التوقيت الذي اختاره الاحتلال التركي ومرتزقته لهذه التحركات ليس مصادفة، بل يأتي في ظل انشغال حزب الله والفصائل الموالية لإيران بالحرب الدائرة مع إسرائيل في لبنان. هذا الانشغال أتاح للاحتلال التركي فرصة للتحرك بحرية أكبر في المناطق المذكورة، دون مواجهة رد فعل قوي.

فليس من باب المصادفة أن الهجمات الأخيرة جاءت بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، مما يؤكد أن الاحتلال التركي اختار التوقيت بعناية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والميدانية.

المرتزقة واستغلال الفوضى

يشير استغلال الاحتلال التركي ومرتزقته لحالة الفوضى الإقليمية وانشغال حزب الله في الجبهة اللبنانية، إلى مدى الترابط بين الجبهات المختلفة في الشرق الأوسط. ويظهر هذا الاستغلال كيف يتم نقل الصراع من ساحة إلى أخرى، بناءً على الظروف الميدانية والسياسية.

استراتيجية متعددة الأبعاد

بشكل عام، يمثل التحرك الأخير للاحتلال التركي عبر مرتزقتها "هيئة تحرير الشام" جزءاً من استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية واقتصادية. تسعى أنقرة من خلال هذه الاستراتيجية إلى تثبيت نفوذها وإعادة رسم دورها الإقليمي، مستغلة الظروف الراهنة، وإرسال رسائل واضحة إلى جميع الأطراف مفادها أن تركيا قوة لا يمكن تجاهلها، وقادرة على التأثير في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط وفقاً لمصالحها.

وتؤكد هذه التطورات أن ما يجري في ريفي حلب وإدلب ليس مجرد هجوم وتحرك عسكري، بل هو جزء من لعبة إقليمية ودولية معقدة، تسعى تركيا من خلالها لتعزيز موقعها كلاعب رئيس في مستقبل المنطقة. كما تُظهر استعدادها لتوسيع رقعة احتلالها في مناطق أخرى، بدءاً من حلب وصولاً إلى الموصل في العراق، مستهدفة الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا.

الاتفاق السياسي بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية الديمقراطية.. ضرورة وطنية

الحل الأمثل الذي يمكن أن يقطع الطريق أمام التوسع التركي ويمنع تقسيم سوريا، ويحد من تدخل القوى الدولية في الشأن السوري، يتمثل في التوصل إلى اتفاق سياسي بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا.

إذا تضمن هذا الاتفاق اعترافاً رسمياً من دمشق بالإدارة الذاتية الديمقراطية وضمان حقوقها السياسية والإدارية، فإنه من شأنه تعزيز وحدة الأراضي السورية ومنع أي تدخلات خارجية جديدة.

اعتماد قوات سوريا الديمقراطية

لا سيما مع وجود قوات سوريا الديمقراطية، التي أثبتت كفاءتها في مواجهة الهجمات وصدّ أعنف المرتزقة مثل "داعش"، يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في حماية الحدود السورية من أي هجمات بشكل مشترك. وهذا يتطلب دمج هذه القوات ضمن الجيش السوري مع الحفاظ على خصوصيتها.

ستعزز هذه الخطوة القدرات الدفاعية لسوريا في مواجهة الاحتلال التركي ومرتزقته، وعلى رأسهم "هيئة تحرير الشام". ستخلق جبهة موحدة قادرة على التصدي لأي محاولات إقليمية أو دولية، وفي مقدمتها تركيا، للتوسع أو احتلال المزيد من الأراضي السورية.

في هذا السياق، يُعدّ التحالف بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية خطوة استراتيجية لكبح أطماع الاحتلال التركي وإعادة التوازن إلى المشهد السياسي والعسكري في سوريا.

فوائد الاتفاق بالنسبة لحكومة دمشق

حكومة دمشق تواجه تحديات عديدة، منها استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، ومنع تقسيم البلاد. في ظل الظروف الراهنة، لا يمكن لقواتها بمفردها حماية ريفي حلب وإدلب من الاحتلال التركي، لذلك، فإن التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية سيمنح دمشق قوة إضافية، ويعزز من قدرتها على الدفاع عن وحدة الأراضي السورية.

التجربة الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا

التجربة الديمقراطية التي تقدمها الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، رغم التحديات، تمثل نموذجاً قادر أن يسهم في بناء مستقبل مشترك لجميع السوريين، فقبول هذه التجربة وتعميمها في إطار سوريا موحدة لا مركزية، سيخلق مناخاً من الثقة، ويمهد الطريق لحل سياسي شامل، يضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري، ويعزز من وحدة البلاد.

في مواجهة التحديات الراهنة، وعلى رأسها الاحتلال التركي، يصبح الدخول في تسوية سياسية واتفاق بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية الديمقراطية المستعدة لذلك، ضرورة ملحة.