الفخ الذي نصبوه للكرد بالمؤامرة- 2 رؤوف كاراكوجان

الفخ الذي نصبوه للكرد بالمؤامرة- 2 رؤوف كاراكوجان
السبت 5 تشرين الأول, 2024   05:00

 أرادت حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بدء مرحلة جديدة، بسياسات جديدة تحت اسم عملية الحل، وفي مفاوضات أوسلو، حاولوا تحييد القائد عبد الله أوجلان من خلال ما تسمى بمبادرة السلام، لكن ما تسمّى بمحاولات السلام هذه لم تنجح على الإطلاق، وبعدها انضمّت قنديل إلى العملية مع محادثات إمرالي، وافسح المجال للعلاقة مع الجبل، تشكّلت لجنة الحكماء، وتحرّكت مجموعات السلام، مما خلق آمالاً وتوقعات كبيرة لدى الرأي العام، لقد عقدوا العديد من الاجتماعات وخلقوا نوعاً من الأمل، وجعلوا جميع هذه المبادرات والتوقعات والآمال رسمية من خلال مذكرة دولمة بهجة، ثمّ دمّروا كل شيء دفعة واحدة، لقد قلبوا طاولة الحل، وبدلاً من السير بهذه العملية نحو الأمام وحل القضية الكردية بالطرق الديمقراطية، استغلّوها من أجل مصالحهم، لقد أرادوا استغلال الكرد بتكتيكات التحايل، ودمّروا العملية بأيديهم، وبدؤوا موجة هجمات جديدة في أعقاب عام 2015، وحوّلوا الانتخابات التي خسروا فيها إلى صالحهم.

لقد استهلكوا جميع الموارد التركية باسم الحرب ضدّ حزب العمال الكردستاني، وتسبّبوا بأزمة اقتصادية، ودفعوا بغالبية السكان من عمال، فلاحين، موظفين، متقاعدين، صناعيين وغيرهم إلى حافة الفقر، وتعتمد جميع مخططاتهم المتعلّقة بالبقاء في السلطة على مكافحة حزب العمال الكردستاني، لقد جعلوا التصعب القومي أساساً لاستمرار التعصّب الديني، وجعلوا من جميع المؤسسات الحكومية أفرعاً للسلطة لهيكلة الإسلام السياسي، واستبدلوا النظام البرلماني بنظامٍ لا يعلم أحد ماهيته، إنّه عالق بين السلطنة والديكتاتورية الفاشية ولا يتناسب حتّى مع التعريفات السياسية. انتهى عصر استغلال الكرد وتحقيق مصالح سياسية من خلال معاداة حزب العمال الكردستاني، وتواجه تركية مشكلات جوهرية كبيرة لا نهاية لها، فقد وقعت في الفخ الذي نصبته للكرد بنفسها.

عندما جرى تسليم القائد عبد الله أوجلان لتركيا، صرّح رئيس الوزراء التركي آنذاك بولنت أجاويد بـ "لم نفهم سبب تسليمه"، وبعد المؤامرة، خسر انتخاباته الأولى وانهار الائتلاف، ثم اعتزل السياسة دون أن يعرف سبب خسارته في الانتخابات، ولن يتمكّن التحالف الفاشي الذي قام أردوغان وبهجلي بتوسيعه من خلال ضمّ حزب الدعوة الحرّة إلى تحالف الجمهور، من تفادي المصير ذاته، فللأسف تتسبّب السياسات القائمة على معاداة الكرد بخسائر داخلية وخارجية لتركيا، وتوشك حكومتهم القائمة على الإسلام السياسي على الانهيار، فقد أصبح أردوغان وبهجلي كزعيمين سياسيين مريضي فشل متعدّد الأوجه، وسوف يدخلان الحجر بالانتخابات الأولى، ولم يفهموا بعد أنّ المسألة الكردية هي أساس جميع المشكلات في تركيا.

لقد تقدّمت سلطة حزب العدالة والتنمية بالاستفادة من الفراغ السياسي الذي شهدته تركيا مع المؤامرة، وتُفرض على تركيا كمشروع يخدم مصالح النظام الرأسمالي في إطار مخططات مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولا يزال (حزب العدالة والتنمية) جزءاً من المشروع، لقد أسّسوه وأوصلوه إلى السلطة لتحويل تركيا إلى مشروع باسم الإسلام المعتدل، لكنّ حياتها السياسية انتهت، لقد علّقت حكومة حزب العدالة والتنمية آمالها على المؤامرة الدولية، لقد أرادت الاستفادة من اعتقال القائد عبد الله أوجلان، وسعوا إلى استغلال دعم الكرد في الانتخابات لصالحهم.

إنّ القضية الكردية هي بمثابة رداء من نار، وقد بدأت الآن بإحراق حزب العدالة والتنمية، إنّ الأرض تهتزّ تحت أقدامهم كلّما أصرّوا على عدم الحل أكثر، لقد سخّروا جميع موارد الدولة من أجل الحرب، وهاجموا حزب العمال الكردستاني، لكنّ كل ذلك غير مجدٍ ولن يستطيع تحقيق أي نتيجة منها، إنّهم يواجهون خيار انتظار الموت أو الانتحار.

تزيد الدولة التركية من توسعها الجغرافي من خلال هجماتها على الحدود وتحركاتها الاحتلالية في سوريا العراق بذريعة الحرب ضدّ حزب العمال الكردستاني، لقد أفسحوا المجال لأنفسهم في هذه الهجمات من خلال استغلال التنظيمات الإرهابية الجهادية المتطرّفة، وفي النتيجة، لم تسفر هذه السياسات العدوانية عن أي شيء يفيدهم سوى الإضرار بالشعبين الكردي والعربي اللذين يعيشان في المنطقة، وفي هذه المرحلة البائسة التي يشهدونها، يحاولون الدخول في مفاوضات مع الأسد، إنّهم يعتمدون في دبلوماسيتهم الآن منطق "الفائدة هي الحد من الضرر"، إنّهم يتوسّلون لتحسين العلاقات مع مصر، فقد أنهوا كل علاقات الجوار وظلّوا بمفردهم. 

وتتعلّق الأزمة التركية في سياساتها الخارجية أكثر من أي شيء آخر، فالركيزة الأساسية في علاقاتها الخارجية هي التفاوض بخصوص حزب العمال الكردستاني، ويمكن القول إنّهم لن يستطيعوا القيام بأي حركة دبلوماسيّة بدون حزب العمال الكردستاني، أي لولا وجود حزب العمال الكردستاني لما تمكّنوا من القيام بأي أنشطة دبلوماسية، فسبب الهجوم على العراق هو حزب العمال الكردستاني، وكان الشرط المتعلّق بحزب العمال الكردستاني هو السبب في تأخير عضوية فنلندا والسويد في الناتو، وأظهروا الورقة الكردية كذلك من أجل التعامل مع الروس في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إنّهم يقدّمون العديد من التنازلات من أجل الهجوم على روج آفا، وسبب الخلافات في علاقاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية هو أيضاً حزب العمال الكردستاني.

لو نجحت المؤامرة كما أرادوا، لما كان أي من هذا ضرورياً، لكانت كل قوّة من هذه القوى تتبنّى قسماً من حزب العمال الكردستاني، وتستخدمه كأداة كماء تشاء، لقد هُزم من قسّموا كردستان جغرافياً وتسبّبوا بالمشكلة الكردية، والذين يتغذون بهذه الحروب والصراعات وترتكز عليها سياساتهم أمام مشروعية حركة التحرّر الكردستانية وحقيقتها، بغضّ النظر عن قوتهم.

لقد فكرت القوى المتآمرة في كل شيء بالتفصيل قبل المؤامرة، وأعدّت نظام إمرالي للقائد عبد الله أوجلان مسبقاً، فاستقبال امرأة للقائد عبد الله أوجلان في إمرالي باسم الاتحاد الأوروبي ليس مجرّد مصادفة، إنّ نظام سجن إمرالي هو نظام معدٌّ من قبل القوى الدولية ويخضع للمراقبة، وفي الوقت الذي اعتقدوا فيه بأنّهم حلّ القضية الكردية وحزب العمال الكردستاني بالضبط، انقلب كلّ شيء وتعقّدت الأمور، فقد انتفض الملايين من أجل القائد عبد الله أوجلان وأضرم نحو 100 شخص النيران في أجسادهم، لقد انتفض شعبنا في كردستان وأوروبا، لقد مضى على المؤامرة 26 عاماً، وأمام هذه المقاومة الشعبية الكبيرة، صرّح وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بـ: "لم نكن نتوقّع كل هذا" واعترف بهذه الحقيقة.

ورغم كل شيء، تغيّر مسار التاريخ بما يخدم مصلحة الشعوب، ولم يعد لتدخلهم في الشرق الأوسط مع المؤامرة أي معنى.

(ر)