اللا قطبية.. تنافس تقليدي بين القوى العظمى

أعادت الحرب الروسية - الأوكرانية طرح موضوع القطبية واللا قطبية بحدّة شديدة، على الرغم من أن الجدل والنقاش حوله لم ينقطعا، نظرياً وعملياً، منذ انتهاء الحرب الباردة أواخر الثمانينات بانهيار الكتلة الاشتراكية وتحلّل الاتحاد السوفييتي.

اللا قطبية.. تنافس تقليدي بين القوى العظمى
الجمعة 13 تشرين الأول, 2023   02:33
بيروت – زياد أبو غزالة

يتضح أن الميزة الرئيسة للعلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين هي اللا قطبية، عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان أو عدة دول حتى، بل عشرات الفاعلين الذين يمتلكون أنواعاً مختلفة من القوة ويمارسونها. ويمثّل ذلك تحوّلاً بالغ التأثير بالنسبة إلى الماضي.

تميزت بداية القرن العشرين بتعددية قطبية، لكن بعد نحو 50 سنة وحربين عالميتين والعديد من النزاعات الأصغر منهما، برز نظام اتّصف بثنائية قطبية. ثمّ، مع نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي، حلت محل الثنائية القطبية، أحادية القطبية، أي نظام دولي تهيمن عليه قوة واحدة، هي الولايات المتحدة في هذه الحالة، ولكن القوة موزّعة، وتثير بداية عصر اللا قطبية عدداً من الأسئلة المهمة. فكيف تختلف اللا قطبية عن أشكال النظام العالمي الأخرى؟

الخبير في العلاقات الدولية، شارل أبي نادر، أكد أنه "على عكس التعددية القطبية التي تتضمن عدة أقطاب أو تركّزات مختلفة للقوة، يتميز النظام اللا قطبي الدولي بوجود مراكز عديدة تتمتع بقوة كبيرة. ما من قوة مهيمنة في النظام المتعدد الأقطاب، إلا وتحوّلت إلى نظام أحادي القطبية. ولا تتمحور تركّزات القوة حول موقعين، وإلّا أضحى النظام ثنائي القطبية".

وأضاف أبي نادر لوكالتنا أنه "يمكن أن تكون الأنظمة المتعددة الأقطاب متعاونة، ويُفترض بها حتى أن تتخذ شكل اتحاد قوى يعمل فيه عدد صغير من القوى الكبرى، بعضه مع بعضه الآخر، لتحديد قواعد اللعبة وتأديب من يخرقها. وقد تكون أكثر تنافسية فتتمحور حول توازن للقوة، أو متنازعة عندما يختلّ التوازن".

وأوضح أبي نادر أنه "للوهلة الأولى، قد يبدو عالم اليوم متعدد الأقطاب. فالقوى الكبرى ـــــ الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا والولايات المتحدة، تضم أكثر بقليل من نصف عدد سكان العالم، وتعدّ 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و80 في المائة من الإنفاق الدفاعي العالمي. غير أنّ المظاهر قد تكون مخادعة. فعالم اليوم يختلف جوهرياً عن عالم التعددية القطبية التقليدية: فثمة مراكز قوة أكثر بكثير، وعدد من هذه الأقطاب ليس دولاً ـــ أمماً".

إضافة إلى القوى العالمية الكبرى الست، ثمة قوى إقليمية عديدة: البرازيل ودول أخرى قد يكون اعتبارها من هذه القوى الإقليمية مسألة قابلة للنقاش، فماذا عن إيران؟

يؤكد الخبير بالعلاقات الدولية أن "إيران هي حالة ذات صلة. فمساعيها للتحوّل إلى قوة نووية هي نتيجة اللا قطبية، وبفضل الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط بشكل خاص، تحوّلت إلى مركز مهم آخر للقوة، مركز قادر على التأثير في العراق ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، وأكثر من هذا كله، قادر على التأثير أيضاً في الأوبيك".

وأضاف أبي نادر أنه "بسبب اللا قطبية، لا تستطيع الولايات المتحدة معالجة قضية إيران بمفردها، لا بل تعتمد واشنطن على آخرين لدعم العقوبات السياسية والاقتصادية، أو منع وصول إيران إلى التكنولوجيا والمواد النووية. فاللا قطبية تولّد".

إذاً، تتجه العلاقات الدولية نحو نظام دولي لا قطبي، حيث لا تسيطر دولة واحدة أو دولتان أو عدة دول متساوية القوة، بل مراكز عديدة ستلعب دوراً في تحديد معالم النظام الدولي، عكس النظام الدولي التعددي الذي يضم مجموعة من الأقطاب الدولية مع تمركز القوة بينها، فلا تتأهل لوضع القوة القطبية، إلا إذا حققت نقاطاً جيدة في مكونات القوة أو ما نسميه توازن القوة والعلاقة بين الأقطاب المشكلة، لهذا النظام تقوم على أساس توازن القوى، أما النظام الدولي اللا قطبي فيتميز بعدد كبير من المراكز يتقاسمون القوة، أي أنه لا أحد يحقق شروط القطب، والقيادة العالمية ترتكز على مفهوم القوة النسبية التي تتسم بالتعددية والتشاركية أو تتقاسمها دول عدة على الرغم من عدم التكافؤ بينها. وتقوم القوة العظمى بدور القائد بالتعاون مع دول ومراكز أخرى قادرة على ممارسة دور رئيس في الشؤون الدولية.

(ي ح)