تنافس دولي على ثروات إفريقيا.. هل ينطلق النظام العالمي من القارة السمراء؟

تغييرات كبيرة تشهدها توجهات دول العالم في ظل التغيرات الجيوسياسية والأزمات والصراعات التي تحيط بالكرة الأرضية بصورة جعلت معظم القوى الكبرى تتجه للقارة الإفريقية.. فهل تكون القارة السمراء نقطة صراع جديدة بين الكبار؟

تنافس دولي على ثروات إفريقيا.. هل ينطلق النظام العالمي من القارة السمراء؟
الجمعة 10 شباط, 2023   02:12
القاهرة - محسن المصري

شهدت الشهور الماضية تزايد حدة الاهتمام الدولي بالقارة الإفريقية بصورة يمكن وصفها بالصراع الخفي بين القوى الكبرى والإقليمية على ثروات القارة السمراء.

وتأتي تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، والتي وجهها خلالها اتهامات لممارسات فرنسا في إفريقيا بقوله: "فرنسا تتصرف بعصبية مع تراجع نفوذها الاستعماري الجديد في إفريقيا" لتعبر عن حجم الصراع الدولي على الثروات الإفريقية.

ويحل الوزير الروسي، بكل من موريتانيا ومالي نهاية الأسبوع الجاري، في جولة دولية قادماً من العراق والسودان.

كما تستضيف موسكو، تموز المقبل القمة الروسية - الإفريقية الثانية، وكانت فرنسا قد اتهمت روسيا نهاية الأسبوع الماضي بما أسمته "التورط السياسي الاستعماري الجديد" في إفريقيا.

من جانبها، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على الزخم الذي أعقب قمة قادة أمريكا وإفريقيا التي عقدت في كانون الثاني الماضي في واشنطن العاصمة والتي أعلنت خلالها إدارة "بايدن" عزمها استثمار 55 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة في إفريقيا.

وأعلنت الخارجية الأمريكية، الإثنين الماضي مشاركتها في تطوير وتأمين سلاسل توريد معادن حيوية في مؤتمر التعدين الإفريقي الذي تستضيفه جنوب إفريقيا.

وكانت وزيرة الخزانة الأمريكية "جانيت يلين" وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة "ليندا توماس جرينفيلد" - بجولة في القارة؛ بهدف وضع الولايات المتحدة كشريك التنمية الحقيقي لإفريقيا على المدى الطويل بدلاً من الصين.

الصين الحاضرة دائماً في إفريقيا، بدأ وزير خارجيتها الجديد "تشين جانج" العام الجديد بجولة إفريقية شملت دول مصر وإثيوبيا والجابون وبنين وأنجولا.

وكانت الصين، قد شاركت بفعالية في الدورة الثامنة لمنتدى التعاون الصيني - الإفريقي الذي عقد في داكار بالسنغال في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والذي تم خلاله اعتماد خطة عمل داكار (2022-2024).

إسرائيل أيضاً، تسعى للتمدد بشكل كبير في القارة السمراء، حيث أعلنت مؤخراً عن توقيع اتفاقية سلام مع السودان، فضلاً عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع تشاد وافتتاح سفارة للدولة الإفريقية في تل أبيب بحضور نتانياهو والرئيس التشادي.

2023 عام الصراع

ورأى خبير الشؤون الإفريقية، رامي زهدي، أن "الصراع على الوجود في القارة الإفريقية قديم من سنوات طويلة ولكنه لن يكون مثل العام الجاري".

وأوضح لوكالتنا، أن "عام 2023 قد يكون أكثر سنوات حدة في الصراع الدولي على إفريقيا، حيث نرى لأول مرة تحركات مباشرة وإجراءات علنية من القوى الكبرى تجاه الدول الإفريقية".

وأشار إلى أن إفريقيا خلال الفترة الماضية، شهدت زيارة لوزير الخارجية الصيني، ووزيرة الخزانة الأمريكية، وجولة لوزير خارجية روسيا، وأخرى لمسؤولين إسرائيليين، فضلاً عن القمة الخليجية الصينية التي كانت تستهدف في الأساس الدول الإفريقية؛ لأن هناك 10 دول عربية إفريقية.

 كما أن الخليج له امتدادات قوية مع القارة الإفريقية، إلى جانب القمة الإفريقية الأمريكية التي عقدت أواخر 2022 والتي مثلت بداية إعلان عن إستراتيجية أمريكية جديدة تجاه القارة الإفريقية وبدء إجراءات تنفيذية فعلية من جانب واشنطن جسدتها جولة وزيرة الخزانة؛ لبحث تمويل الحكومات الإفريقية التي تعاني أزمات اقتصادية.

وحسب زهدي، فإن "الصراع على إفريقيا يجري الآن بين ثلاث أنواع من القوى الدولية؛ أولها ما يعرف بالقوى الكبرى وتمثلها أمريكا والصين وروسيا، إضافة إلى قوى دولية تقليدية وتمثلها القوى المستعمرة القديمة مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا، بجانب القوى الإقليمية المؤثرة تركيا وإيران وإسرائيل".

كما تظهر في الصورة قوى إفريقية - إفريقية تتنافس على الزعامة مثل مصر والجزائر والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا.

خيارات إفريقيا

ورأى زهدي أن "القارة الإفريقية اًصبحت في وضع أقوى من ذي قبل"، لافتاً إلى أنه في "ظل التنافس الدولي أصبح بإمكان دول القارة حماية كنوزها ومواردها بصورة أكبر من السابق خاصة أن هناك خيارات وبدائل كثيرة أمام الأفارقة، وأصبح بإمكانهم الضغط على أمريكا بورقة الصين والضغط على فرنسا بورقة بريطانيا أو ألمانيا وغيره".

الصراع سيشتعل

ووفقاً لزهدي، فإن "الصين تسبق الجميع في إفريقيا؛ نظراً لوجودها منذ سنوات طويلة وتركيزها على الجانب الاقتصادي بعيداً عن أي أجندات سياسية"، لافتاً "في الوقت نفسه إلى أن الصراع سيشتد الفترة المقبلة مع دخول أمريكا وتعديل إستراتيجياتها تجاه إفريقيا خاصة بعد القمة الأمريكية الإفريقية".

كما توقع زهدي "اشتعال الصراع خاصة مع محاولات دمج الاقتصاد الإفريقي مع الاقتصاد العالمي، ودخول إفريقيا كمصدر للطاقة في ظل الحرب الروسية، ورغبة دول وشركات أوروبية في إقامة مصانع بإفريقيا في ظل ارتفاع التكاليف بأوروبا فضلاً عن كون السوق الإفريقي أكبر سوق ناشئ في العالم"، لافتاً إلى أن "هذه الأسباب تجعل من الصراع الدولي على إفريقيا خلال العام الجاري على أشده".

وأشار إلى أن "الصراع قد يكون خطير في حالة تحوله لشكل فردي، بمعنى نقاط نفوذ بين كل قوة وأخرى، لأن إفريقيا في النهاية 55 دولة وليست دولة واحدة أو كيان صاحب قرار واحد، فأيضاً الأمر ليس فقط مهدد لثروات الشعوب ولكن أيضاً للعلاقات الإفريقية – الإفريقية".

نظام دولي جديد

ورأى الباحث السوداني في الشؤون الإفريقية، عباس صالح، أن "القارة الإفريقية عادت لتجد نفسها في خضم موجة جديدة من التنافس على مواردها الوفيرة بين قوى خارجية؛ وأخرى محلية".

وقال لوكالتنا: "بعد أن كان التنافس من أجل الحصول على موارد في القارة يغذي الصراعات المحلية، غدا حالياً عاملاً جديداً في تغذية صراعات الدول الكبرى على أراضيها؛ فالصراع بين روسيا والصين من جهة، والقوى الغربية من جهة يقوم على الحصول على الموارد، فضلاً عن تعزيز النفوذ والتأثير؛ بهدف إعادة تشكيل قواعد نظام دولي جديد يحقق مصالح هذه القوى، وفي مقدمة تلك المصالح الموارد المهمة؛ لاستدامة ازدهار ونمو تلك القوى".

وحسب صالح فإنه "إزاء هذه الموجة الجديدة من الحرب الباردة تبدو المقاومة المحلية مشتتة على عدة دوائر، نخب وطبقات السلطة التي تتوزع ولاءتها على الفاعلين الخارجيين حسب مصالحها؛ وقوى وطنية محاصرة من الأنظمة الحاكمة ونخبها والخارج أيضاً؛ وقوى شعبية تجسدها الحراكات الشعبية والتي توظف وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد كبير".

(ي ح)

ANHA