​​​​​​​أطماع تركيا في الدول العربية.. ماضٍ مأساوي يحاول العودة من جديد - هيفيدار خالد

​​​​​​​أطماع تركيا في الدول العربية.. ماضٍ مأساوي يحاول العودة من جديد - هيفيدار خالد
الأربعاء 16 تشرين الثاني, 2022   21:40

مع وصوله إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002، حاول رئيس النظام رجب طيب أردوغان توسيع نفوذه في المنطقة، فاتجهت أنظاره إلى الدول العربية مستغلاً أزماتها السياسية والاقتصادية لتحقيق أطماعه، فعقد علاقاتٍ وطيدة مع أحزاب الإسلام السياسي، وقدّم الدعم المادي واللوجستي لها، وحوَّل تركيا إلى ملجأ لنشاطات تلك الأحزاب ومؤسساتها كتنظيم الإخوان والعديد من المنظمات الأخرى.

اعتاد أردوغان على استغلال هشاشة الأوضاع بالدول العربية، واغتنام الفرص التي تمكنه من تحقيق مآربه في دول الجوار، حتى وإن كان ذلك على حساب شعوبها، مستثمراً المدَّ الديني بهدف تحقيق أحلام السيطرة والهيمنة على الدول العربية.

فمع بدء الحراك الشعبي السلمي في سوريا، انتهز أردوغان، الفرصة لتحقيق مصالحه وأجنداته في البلاد، وخرج بخطابات شعبوية متباكياً على قضية الشعب السوري، ذارفاً دموعاً أشبه ما تكون بدموع التماسيح. وأشرع أبواب بلاده على مصراعيها لجماعات ما تسمى المعارضة السورية المتمثلة بالائتلاف والعديد من الفصائل المسلحة والإرهابية، ليستخدمهم فيما بعد خدمةً لمخططاته الاحتلالية في سوريا، واستغلالهم كمرتزقةٍ مأجورين لتنفيذ ما يسعى إليه في دول عربية أخرى، يقاتلون فيها ضد أبناء جلدتهم، فحوّل تركيا إلى معبرٍ للتنظيمات الإرهابية كداعش وأخواتها...إلى سوريا وليبيا والعديد من الدول الأخرى. واحتل قرى وبلدات ومدن في سوريا، وغيَّر ديمغرافيتها بهدف إفراغها من سكانها الأصليين، بأدوات مختلفة منها الجمعيات الإخوانية التي تنشط بأسماء مختلفة تحت غطاء العمل الإنساني.

وفي العراق أثار تدخل النظام التركي العديد من إشارات الاستفهام، بعد أن عقد صفقات تجارية مع حكومتي المركز والإقليم، وتفاهمات أمنية عزَّزت وجود جيشه داخل الأراضي العراقية، إضافةً إلى خرقه المتكرر لسيادة البلاد، حيث تقصف طائراته بشكلٍ شبهِ يومي مناطق بإقليم كردستان وقضاء شنكال الذي يسعى لاحتلاله بأيِّ ثمن، وسط صمتٍ مُطبق من قبل بغداد وأربيل.

استخدمت تركيا أوراقاً عديدة لتنفيذ مخططاتها في العراق، منها ورقة بناء السدود التي تسببت بنقص المياه ما دفع بغداد إلى التفاوض مع أنقرة وتقديم تنازلات مقابل الحفاظ على الحصة المائية للعراق الذي يعاني من الجفاف في الآونة الأخيرة.

أما في ليبيا التي يعتبرها بوابة العبور إلى القارة الإفريقية، فقد أصبح أردوغان المسبب الحقيقي للأزمة السياسية في البلاد والانقسام الذي يهدد استقرارها وأمنها، فهو من أفسد الوفاق بين أبنائها، وعمَّق الشرخ بين حكومتي الشرق والغرب، اللتين كانت قواهما العسكرية والسياسية على أعتاب التوافق والحوار لنزع فتيل الأزمة وسد الانقسام الحاصل في البلاد، إلا أن التدخل التركي المباشر، حال دون حدوث ذلك، وسعى لتأجيج الصراع بشكل أكبر، من خلال تجنيد المرتزقة وإرسالهم مدجّجين بمختلف أنواع الأسلحة إلى ليبيا.

استغلت تركيا علاقاتها الوطيدة مع الرئيس السابق لحكومة الوفاق فايز السراج، ومن خلفه عبد الحميد الدبيبة، فأبرمت اتفاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية، منها اتفاقية التعاون في مجال الطيران التي تجعل الضباط الأتراك جزءاً من منظومة سلاح الجو في غرب ليبيا، كما فتحت الاتفاقات الاقتصادية والأمنية بين أردوغان ورئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، المجال أمام أنقرة لتحقيق طموحاتها وأطماعها التوسعية بليبيا، بعد أن أغرقت الأسواق الليبية بالسلع التركية لتحقيق الأرباح الطائلة، غير آبهة بالضرر الذي خلفه ذلك على الدول المجاورة، فأصبحت البلاد ساحة استثمار لتركيا ومتنفساً لأزماتها الناتجة عن تدخلاتها الخارجية بدول الجوار، والتي خلفت تداعيات كارثية على المنطقة برمتها.

واستكمالاً لمخططاته في القارة الإفريقية، يحاول أردوغان تعزير الشراكة مع الجزائر، ولا سيما بمجال الطاقة تحسّباً للتطورات التي يعيشها القطاع منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية -الروسية، ولتجسيد طموح أنقرة في أن تصبح الشريك المفضل والموثوق للجزائر، فضلاً عن تأمين احتياجاتها من النفط والغاز في ظل المنافسة الشديدة بين المستهلكين الكبار، وجرِّ الجزائر لنهجها المزعزع للاستقرار في المنطقة، رغم تحفظ دول عربية على موقف الجزائر من ذلك، وهو ما ظهر جلياً في القمة العربية الأخيرة.

السودان أيضاً كان إحدى محطات أطماع أردوغان وخاصة إبان حكم عمر البشير، فقد عقد العديد من الاتفاقيات مع الرجل الذي يأتي من خلفية إخوانية، وأهمها ما تم الاتفاق عليه بشأن جزيرة سواكن التي كان أردوغان يخطط لجعلها قاعدة عسكرية تركية، كجزء من خارطة التمدد التركي بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، للسيطرة على العواصم العربية بما يمهد لاستعادة الإمبراطورية المهزومة، فتلك الجزيرة كانت تحظى بمكانة مهمة في عهد الإمبراطورية العثمانية، كونها كانت مركزاً لبحريتها في البحر الأحمر، بل إن ميناءها ضم مقر الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821 و1885م، إلا أن موقف الشارع السوداني كان أقوى بكثير من كل الاتفاقات والصداقات التي عقدها أردوغان والبشير ولم يسمح بتمريرها.

في الصومال كذلك أكدت تقارير صحافية أن تركيا تغلغلت في مفاصل جيشه عن طريق تدريب جنوده بعقيدة تركية، لتوسيع نفوذها في القرن الإفريقي. وما حديث رئيس النظام التركي عن مكافحة الإرهاب بالصومال إلا مجرد غطاء للتدخلات التركية هناك، لكن العديد من الدول الإفريقية كانت متيقظة لسعي تركيا للتحكم بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وفق أجندة تنظيم الإخوان وبدعم من قوى الهيمنة العالمية.

وفي اليمن قدمت تركيا الدعم المادي واللوجستي لحلفائها الممثلين بأحزاب الإخوان، محاولة بسطَ نفوذِها من بوابة دعم حزب الإصلاح اليمني، ووسائل أخرى منها إرسال قوات عسكرية بشكل سرّيّ لمساعدة جماعات إخوانية في تعز ومأرب وشبوة، وأجزاء من محافظة أبين، تحت قناع الغطاء الإنساني تارة، وبهويات بديلة تارة أخرى.

نعم استغل أردوغان محنة الشعب السوري بدايةً ومن ثم الأزمة الليبية واستفاد من الفراغ السياسي في العراق خاصة بعد مجيء حكومة الكاظمي إلى السلطة، وتوجه للصومال بحجة تدريب القوات الصومالية ووطد علاقاته مع الرئيس السوداني السابق عمر البشير وبعض الأحزاب الإخوانية مثل حزب الإصلاح في اليمن. واليوم صار اسم تركيا حاضراً عند الحديث عن الأجندات التخريبية والتدخلات الخارجية التي تتسبب في صناعة المشاكل وإثارة الفوضى في عدة دول.

بالطبع كل ذلك خدمة لأطماعه التوسعية والسيطرة على المنطقة واستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية التي لم تجلب للعرب وشعوب المنطقة سوى النهب والسلب والدمار والاحتلال والمجازر، إذ ارتكب العثمانيون خلال فترة حكمهم فظائع إنسانية، فقتلوا آلاف العرب في مذابح جماعية، وعلقوا جثث قادتهم في الشوارع، ونهبوا منازلهم ومتاجرهم ومثّلوا بجثث القتلى، فخلال 400 سنة من حكم العثمانيين للمنطقة العربية، لم يعرف سكانها إلا الكوارث والمآسي.

هذه المجازر والمآسي يحاول رئيس النظام التركي أردوغان تكرارها اليوم، لذا فإن على الشعوب العربية الاطّلاع على التاريخ الدموي لأجداد أردوغان وأسلافه، ومعرفة أن كل ما يطلقه أردوغان من تصريحات وخطابات مغلّفة برداء الدين للشعب العربي من الصعب الرهان عليها، وما هي إلا خداع ونفاق يُخفي خلفه مصالح وأطماعاً لا أكثر. وعلى العرب التكاتف مع الشعوب الأخرى إذا ما أرادوا التصدي لسياسات أردوغان وكبح أطماعه وردعه وإفشال المخططات التي يريد منها احتلال المزيد من الدول العربية، عليهم أن يبعثوا برسالة لأردوغان، مفادها أن زمن "فتوحات" أجداده قد ولّى، وأنهم على أتمّ الاستعداد للوقوف صفّاً واحداً ضد أوهام العثمانية الجديدة وسياسته التي لم تجلب للمنطقة سوى الكوارث والآلام والمآسي والويلات.

ANHA