المتقاعدون والضمان الصحّي في سوريا - ضياء اسكندر

المتقاعدون والضمان الصحّي في سوريا - ضياء اسكندر
الأربعاء 7 يلول, 2022   03:13

لعلّ أول قانون ألزم ربّ العمل بالمشاركة فيما يمكن أن يُعَدّ تأميناً صحياً للعمال كان في أواخر القرن التاسع عشر في ألمانيا، وتحديداً عام 1883م، ثم تبعتها ، النمسا ثم النرويج وبريطانيا وفرنسا، قبل أن يعمّ هذا الإلزام بالتأمين دول أوروبا الصناعية، وذلك تحت مُسمّى «التأمين ضد المرض والشيخوخة».

وقد حصلت الطبقة العاملة على هذا الحق بفضل نضالاتها المتراكمة؛ والتي كان لها بالغ الأثر في تطور التأمين الصحي. ولا شكّ أنه كانت للدول الاشتراكية سمعة عطرة في الضمان الصحي الشامل من دون استثناء قبل انهيارها، وما زال المعمّرون في تلك البلدان يتذكّرون بحسرة ومرارة مجّانية الطب أيام الزمن الجميل.

سوف نغفل في هذا المقال مثالب التأمين الصحي في سورية ومعوقاته وما يواجهه المشمولون بالتأمين الصحي من عوائق، ونقتصر في تناولنا على إحدى شرائح المجتمع السوري المظلومة المحرومة من الضمان الصحي، وهم الذين أفنوا عمرهم وصحتهم بالعمل في خدمة الوطن والمجتمع، وأقصد بهم المتقاعدين، كون هذه الشريحة بأمسِّ الحاجة للضمان الصحي، لأنها الفئة الأكثر إصابةً بالأمراض والأكثر حاجةً للرعاية الصحية بعد إحالتهم على المعاش، فهم دائماً في دائرة الخطر الصحي، ويكاد لا ينجو متقاعد من مرض، وتالياً من تناول الأدوية جرّاء الشيخوخة وتقدّم العمر، فضلاً عن العوز المادي وضآلة استحقاقاته المالية أمام الغلاء المستشري في جميع مرافقنا الاقتصادية.

ومع بداية الحراك الشعبي في سورية وضمن سلّة (التنازلات) التي لجأت إليها السلطة بغية إرضاء المتظاهرين الغاضبين من سوء أحوالهم المعيشية، صدر المرسوم التشريعي رقم 46 تاريخ 3/4/2011 القاضي بتشميل (500 ألف) من متقاعدي الدولة والقطاع العام والمنظمات الشعبية من المدنيين والعسكريين بالتأمين الصحي، على أن تتحمّل الدولة 62.5% من القسط السنوي للتأمين الصحي للمتقاعد والبقية يتحمّله المتقاعد ويقطع من معاشه.

وقد أكد آنذاك رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال السابق «محمد شعبان عزوز» أنه لن ينتهي هذا العام (التصريح في بداية عام 2011) قبل أن يكون المتقاعدون قد تم تشميلهم بقانون التأمين الصحي، ليصار بعدها إلى تشميل أسرهم أيضاً.

وها قد مضى على هذا التصريح أعوام، وتتالت الأعوام، وأعقبها الكثير من الوعود والتصريحات والجعجعات لكبار المسؤولين في الدولة حول هذا الموضوع، ولم نلحظ أيَّ طحين!

إن الشخص الذي قضى حياته يعمل ويدفع ضرائبه كاملةً من دخله، من حقه على الدولة أن تقدّم له الحدّ الأدنى من ردّ الجميل، بأن يكون مؤمّناً صحياً 100% بعد تقاعده، الأمر الذي يجب أن تسعى إلى تطبيقه على الجميع، حتى لو لم يكونوا موظفين في القطاع العام، لنصل إلى مرحلة يشمل فيها التأمين الصحي جميع المواطنين، من دون استثناء.

قد يتساءل البعض: ما حاجتنا إلى الضمان الصحي طالما أن المشافي العامة تستقبل المرضى مجاناً في أغلب محافظات القطر؟

الإجابة بكل بساطة؛ لأن تلك المشافي مع الأسف لم تعد تقدّم الخدمات ذاتها التي كانت تقدّمها سابقاً؛ فخدماتها أصبحت محدودة جداً، وبعضها مأجور، وهي باتت مراكز لاصطياد المرضى إلى العيادات والمشافي الخاصة، وابتزازهم مادياً حتى الرمق الأخير، فالطبيب موظف في مشافي الدولة ويتراوح دوامه قرابة ساعة أو أقل يومياً، ليذهب إلى عيادته، وأصبح الكثير من الأطباء أشبه بالتجار، حتى إن العديد من المقالات ظهرت مؤخراً، يطالب كتّابها بضرورة شمول مهنة الطب بأحكام قانون التجارة.

أخيراً نقول: لماذا يعتبر التقاعد في البلدان المتقدمة فرصةً ينتظرها الإنسان لكي يعود لممارسة هواياته ونشاطاته السابقة في الرياضة والقراءة وحضور المسرحيات والأمسيات الموسيقية، وممارسة مختلف النشاطات الثقافية والسفر حول العالم.. بينما يصبح العالم موحشاً وبغاية الكآبة أمام المتقاعدين عندنا!؟