عقب سوتشي.. هجمات متزايدة على شمال شرق سوريا وحديث عن أضنة ثانية

عقب اجتماع سوتشي بين رئيسي روسيا والاحتلال التركي ازدادت هجمات الأخير على شمال وشرق سوريا، في حين كثر الحديث عن تقارب بين حكومة دمشق وتركيا إذ يرى مراقبون بأن هذه الأطراف تسعى لتطبيق ما تسمى اتفاقية أضنة بين الطرفين، وفي هذا السياق يرى سياسي سوري بأن "أردوغان يحاول فرض مقايضات جديدة تسمح له باحتلال مناطق أخرى".

عقب سوتشي.. هجمات متزايدة على شمال شرق سوريا وحديث عن أضنة ثانية
السبت 13 آب, 2022   01:29
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

اختتم، يوم الجمعة (6 آب)، في مدينة سوتشي الروسية، اجتماع لرئيسي روسيا، فلاديمير بوتين، ودولة الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان.

وبحسب التقارير والبيان الختامي، ركز الاجتماع على تقوية العلاقات الاقتصادية وملفي أوكرانيا وسوريا.

اتفاق من بوابة الاقتصاد

واتفق الرئيسان، بحسب نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، على تحويل جزء من مدفوعات الغاز الروسي إلى الروبل وضرورة ضمان تنفيذ الاتفاقات الخاصة بالحبوب، التي جرى التوصل إليها في إسطنبول، ومن بينها تصدير الحبوب الروسية دون عوائق.

وأشار البيان الصادر عن اجتماع الرئيسين، إلى اتخاذ خطوات ملموسة حيال زيادة حجم التجارة بين البلدين وفق أساس متوازن وفي ضوء الأهداف المحددة، وتلبية تطلعاتهما لبعضهما في مجالي الاقتصاد والطاقة، وتعزيز التعاون في قضايا على أجندتهما منذ فترة طويلة في قطاعات مثل المواصلات والتجارة والزراعة والصناعة والتمويل والسياحة والمقاولات.

وتحتاج كلتا الدولتين لمساعدة بعضهما في الملف الاقتصادي، حيث تعتبر تركيا المنفس الوحيد لروسيا وذلك وسط عقوبات واسعة يفرضها على الغرب إثر التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، كما أن تركيا بحاجة للاستثمارات الروسية فيها.

وتركز الأنظار على استمرار تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا عبر خط أنابيب "ترك ستريم" الذي دخل الخدمة في 8 يناير/كانون الثاني 2020، وسط مراسم احتفال رسمي شهده الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

ويعدّ "ترك ستريم" أحد خطوط أنابيب تصدير الغاز، يمتد من روسيا إلى تركيا عبر البحر الأسود، تبلغ طاقته التصميمية 31.5 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، ويهدف الخط إلى نقل الغاز إلى تركيا، وكذلك إلى جنوب وجنوب شرق أوروبا عبر الأراضي التركية.

ويمتد القسم البحري من مشروع "ترك ستريم" من مدينة أنابا الروسية حتى ولاية "قرقلار إيلي" التركية المطلتين على البحر الأسود، بطول 930 كلم، ويتألف من خطين يغذّي أحدهما تركيا والثاني أوروبا، والقسم البري يتألف من خطين بطول 142 و70 كيلومتراً.

ويذكر أن روسيا وتركيا عولتا على بلوغ حجم التبادل 100 مليار دولار، بعد الزيادات المطردة والاستثمارات والمشروعات المشتركة، إذ تظهر بيانات هيئة الجمارك الفيدرالية الروسية أن قيمة التبادل التجاري بين البلدين خلال 2021 بلغت 33 ملياراً و25 مليون دولار، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 57%، مقارنةً بعام 2020.

ويعد التوافق التركي - الروسي على تعميق التعاون الاقتصادي النتيجة الأكثر أهمية ووضوحاً خلال قمة سوتشي حيث يُساعد هذا الاتفاق روسيا على نحو أكبر في الاستفادة من مزايا تركيا للتخفيف من وطأة العقوبات الغربية عليها، بينما يُساعد أنقرة في الاستفادة الاقتصادية بشكل أكبر من حاجة موسكو لها.

وبموجب هذا الاتفاق، ستشرع تركيا في دفع ثمن الغاز الروسي بالروبل، وتطوير العلاقات المصرفية والتسويات بين البلدين بالعملة المحلية.

وستسمح هذه الخطوة لروسيا بتجنب سوق النفط العالمية المقومة بالدولار، مع تمكين تركيا من الحد من الأضرار التي لحقت باحتياطاتها المتناقصة من العملات الأجنبية، من خلال دفع ثمن الطاقة بالليرة التركية.

رئيس حزب سوريا أولاً، سلمان شبيب، قال حول ذلك، خلال حديث خاص لوكالتنا: "من الناحية الاقتصادية كان هناك تأكيد على تفعيل العمل لزيادة حجم التجارة والتعاون الذي يشمل قطاعات مختلفة في التجارة والزراعة والصناعة والسياحة والتمويل والبناء لكن الخطوة الأهم بالنسبة للجانب الروسي بهذا المجال كانت برأيي موافقة أردوغان على دفع قسم من قيمة الغاز الروسي المصدر الى تركيا بالروبل".

أوكرانيا.. اختبار حقيقي للاصطفاف التركي

وبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي، كان الملف الأوكراني أساسياً خلال مباحثات بوتين – أردوغان حيث حاولت تركيا الموازنة بين الاصطفاف مع حلف الناتو التي هي عضو فيه وبين عدم حرق الأوراق مع روسيا.

وعلى الرغم من عدم التزام تركيا بالعقوبات الغربية على روسيا، إلا أن ملف الطائرات المسيرة التركية التي تستخدمها القوات الأوكرانية ضد القوات الروسية كان ملفاً شائكاً بين أنقرة وموسكو، إلا أن الاقتصاد على ما يبدو أهم من ذلك بالنسبة إلى روسيا، ومن المرجح أن تؤدي الاتفاقيات الروسية – التركية الأخيرة التي ستكسر العقوبات الغربية إلى تفاقم الانزعاج الأميركي والغربي من تركيا.

ويبين سلمان شبيب في هذا السياق: "أردوغان استثمر اللقاء كما أعلن تأكيد دعوته استضافة لقاء بين بوتين والرئيس الأوكراني وهذه إشارة للدور الكبير الذي يلعبه في هذه الحرب ولأهمية هذا الدور لمختلف الأطراف".

اتفاقية أضنة ثانية والضغط على شمال وشرق سوريا

الملف السوري، كان أيضاً حاضراً خلال مباحثات سوتشي، حيث وعلى ما يبدو تسعى روسيا لتغيير قواعد اللعبة هناك، من خلال حل الخلاف بين تركيا وحكومة دمشق.

وكشف رئيس دولة الاحتلال، رجب طيب أردوغان، أن نظيره، فلاديمير بوتين، عرض عليه خلال محادثات سوتشي حل الأزمة، بالتعاون مع حكومة دمشق.

وقال أردوغان، في تصريحات لمجموعة صحافيين رافقوه، خلال عودته من سوتشي، إن بوتين أخبره بأن حل الأزمة السورية سيكون أفضل بالتعاون مع حكومة دمشق، وأنه رد بأن جهاز المخابرات التركية يتعامل بالفعل مع هذه القضايا مع المخابرات السورية "لكن بيت القصيد هو الحصول على نتائج".

وسبق هذا التصريح، تصريح مشابه لوزير خارجية الاحتلال التركي، مولود تشاوويش أوغلو، حيث أكد استعداد بلاده للتعاون مع حكومة دمشق إذا قررت الأخيرة محاربة قوات سوريا الديمقراطية.

ويرى مراقبون بأن هذه الأطراف تسعى لتطبيق ما تسمى اتفاقية أضنة بين حكومة دمشق والاحتلال التركي.

وكانت صحيفة الشرق الأوسط، قد تحدثت عن نقاط كانت على هامش محادثات سوتشي بين بوتين وأردوغان.

وبحسب الصحيفة، كانت النقاط تركز على سماح منظومات الدفاع الجوي الروسي لتركيا بتوسيع ضرباتها بالطائرات المسيّرة ضد شمال وشرق سوريا، بالإضافة إلى إقامة سلسلة من الاجتماعات الأمنية رفيعة المستوى التي تجمع مسؤولين من حكومة دمشق ونظراءهم من الاحتلال التركي في موسكو، وهو ما حصل خلال الأيام الماضية، بحسب الصحيفة.

كما تنص هذه النقاط على السماح لتركيا بعملية عسكرية محدودة في منطقة تل رفعت، ووضع اتفاقية "أضنة" بين أنقرة ودمشق لعام 1998 على طاولة التفاوض، والعمل على توقيع اتفاقية "أضنة 2"، ما يضمن تعاونًا سياسيًا مستقبليًا، بالإضافة إلى الضغط على قوات سوريا الديمقراطية ودفعها للجوء إلى حكومة دمشق.

أردوغان يحاول فرض مقايضات جديدة

وحول ذلك، قال رئيس حزب سوريا أولاً: "أجواء اللقاء كانت معقولة لكن نتائجه لم تكن حاسمة وخاصة في الملف السوري كما كان يعول أردوغان".

وأوضح "نتائج اللقاء المعلنة بخصوص سوريا من خلال التصريحات بما فيها تصريحات بوتين وأردوغان خلال القمة وبعدها والبيان الختامي تعيد نفس ما أنتجته اللقاءات السابقة مثل الحفاظ على وحدة سوريا السياسية وسلامة أراضيها"، مضيفاً "لا أدري كيف ينسجم ذلك مع احتلال الأرض السورية والتهديد باحتلال المزيد والتشديد على أهمية دفع العملية السياسية ومقاومة كل أشكال التنظيمات الإرهابية وهناك خلاف بين رؤية كل منهما حول ذلك فتركيا تقصد تحديداً قسد بينما روسيا تتعاون معها وتحاورها".

وتابع "بشكل عام يمكن القول ان نتائج القمة المعلنة لم تكن بحجم ما انتظره أردوغان منها ولم تتناسب مع حجم الاستعجال لعقدها بعد أقل أيام من قمة طهران التي جمعت الطرفين بالإضافة إلى الرئيس الإيراني ".

إلى ذلك، يرى شبيب بأن "أردوغان كعادته يناور ويساوم ويبتز وهو يستغل أي فرصة لتحقيق مكاسب إضافية لمشاريعه ومخططاته الكبيرة والخطيرة لتركيا والمنطقة، وبالتأكيد أن الحرب الأوكرانية وحاجة روسيا المتزايدة لدوره قد منحته فرصة ذهبية وفي الوقت المناسب له تماماً وأعطته أوراق قوة كثيرة يلعب الآن بها ويحاول استثمارها مع روسيا وغيرها واتفاق اسطنبول هي مثال للمكاسب السياسية والاقتصادية التي نجح باقتناصها".

وتابع في ذات السياق: "مؤخراً، تصريحاته وتصريحات بوتين تعكس بشكل واضح محاولاته فرض مقايضات جديدة تسمح له بالتمدد واحتلال المزيد من الأراضي السورية، لكنها تعكس أيضاً نجاح محاولات الاحتواء الروسية حتى الآن له ولمطامعه وعدوانيته الجامحة لكن السؤال إلى متى؟".

وعن العلاقة بين حكومة دمشق ودولة الاحتلال التركي قال شبيب: "أردوغان قال بصراحة إن هناك لقاءات أمنية تجري مع الجانب السوري بناءً على رغبة بوتين وبتنسيق روسي، لكن في حال عدم تحقيق نتائج لهذه اللقاءات فيجب على الجانب الروسي مساعدتنا أي إعطاء الضوء الأخضر لإطلاق عدوانه المبيت وهو يستطيع اختراع الذرائع والمبررات لإعلان فشل هذه اللقاءات وعدم تحقيقها النتائج التي يريدها".

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن التصعيد الأخير من قبل دولة الاحتلال التركي ضد شمال وشرق سوريا عبر الطائرات المسيرة والقصف المدفعي يشير إلى أن هناك اتفاقيات سرية بين كل من روسيا وتركيا، بخصوص الضغط على قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بهدف دفعها للتنازل والذهاب إلى حكومة دمشق.

قضايا حساسة إيران تغيب عن مناقشتها

ويأتي هذا اللقاء بعد وقت ليس طويل من قمة طهران التي جمعت كل من روسيا وتركيا وإيران إلا أن طهران غابت عن هذه المباحثات كما حدث مع مباحثات سابقة بين تركيا وروسيا.

وتعترض إيران على شن تركيا لأي عدوان جديد على مناطق تل رفعت والشهباء بسبب قرب هذه المناطق من مناطق أخرى تتواجد فيها قوات موالية لإيران.

شبيب تحدث حول ذلك، قائلاً: "لا شك أن تحديد موعد هذا اللقاء بعد أقل من شهر من انعقاد قمة طهران قد فتح الباب أمام تأويلات وتحليلات عن أهمية المواضيع التي ستبحث فيها ويفترض أن يكون اللقاء هو لوضع اللمسات الأخيرة عليها أو لوضع النقاط على الحروف لعدد من الاتفاقيات أو التفاهمات المبدئية حول عدد من القضايا ذات الأهمية أو الحساسية الخاصة للطرفين وكان واضحاً أن القضية السورية في مقدمتها".

وأضاف "من خلال البيان الختامي الذي صدر وتصريحات بوتين وأردوغان وبقية أعضاء الوفدين يمكن القول ان اللقاء بحث مروحة واسعة من القضايا الإقليمية والدولية وعدد من جوانب التعاون الثنائي المشترك وخاصة مواضيع الاقتصاد والطاقة والملف الليبي الذي شهد مواجهة روسية - تركية شبه مباشرة وكان من الملفات المعقدة في مسيرة العلاقات بين الدولتين وملف الحرب الأوكرانية والقضايا المرتبطة به وخاصة تطبيق اتفاق اسطنبول حول تصدير الحبوب الأوكرانية".

"بالتأكيد كان هناك ملفات أخرى تم بحثها لم يتم الإعلان عنها بشكل صريح أو جوانب إضافية حساسة من ملفات معلنة وهذا طبيعي بين دولتين مثل روسيا وتركيا بتموضعهما وتعقيدات وتشابك العلاقة بينهما"، بحسب شبيب.

كما يرى شبيب "أن هذا اللقاء هو ثنائي بين روسيا وتركيا ويفترض أن يناقش قضايا تهم الدولتين فقط وغياب إيران يأتي بعد قمة ثلاثية يفترض أنها ناقشت كل القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الدول الثلاثة وبالرغم من الحضور الإيراني الكبير في عدد من الملفات التي تم بحثها في لقاء سوتشي كالملف السوري لا أتصور أن يكون عدم حضور إيران هو محاولة لاستبعادها أو لتحجيم دورها مع قناعتي أن الطرفين لا تنقصهما الرغبة بذلك ولكن شبكة المصالح والارتباطات بين الدول الثلاث تكبت هذه الرغبات على الأقل في الوقت الحالي وعلى المدى المنظور. أفترض أن كل من روسيا وتركيا ستبلغان إيران بطرقهما الخاصة نتائج هذا اللقاء أو بأكثر دقة ما اتفقا على إبلاغها إياه".

أستانا كرس واقع تقسيمي

كما تطرق خلال حديثه إلى اجتماعات أستانا، وقال: "مسار أستانا بدأ كمسار إضافي يعالج قضايا عسكرية وأمنية ضرورية وملحة ونجح في إجراء عدد من الاتفاقيات التي أوقفت الأعمال القتالية في عدد من المناطق الحيوية مثل الطوق الذي يحيط  بدمشق وريف حمص الشمالي وغيرها وحقق خطوات ملموسة بهذا الاتجاه ورغم ما ظهر من نتائج إيجابية لعمله كتوقف الأعمال القتالية الكبيرة وعودة الأمن إلى مناطق واسعة، لكنه بالوقت نفسه كرس واقع تقسيمي على الأرض ولم يساعد في دفع العملية السياسية الفعلية بل يمكن القول إنه ساهم إلى حد ما بتعطيلها".

وأضاف في ذات السياق: "يمكن القول إن مسار أستانا قد استنفذ إمكانياته وأصبح يراوح في نفس النقطة التي وصل إليها لأنه يعكس التقاء مصالح دولة وتناقضاتها وهي غير معنية بالوصول إلى حل سياسي شامل للقضية السورية".

(م)

ANHA