بعد قصر شيرين وسايكس بيكو.. كردستان تواجه خطر تقسيم المُقسم أصلاً عبر الجدران العازلة

في محاولةٍ لترسيخ مفهوم "كردستان المقسمة"، وفي مساعي ممتدة منذ ما يقارب خمسة قرون، تواجه كردستان مخططاً تقسيمياً تحيكه تركيا والأنظمة المستبدة المجاورة، بحدود مصطنعة في ثلاثة مناطق امتداداً لاتفاقيتيّ قصر شيرين وسايكس بيكو.

بعد قصر شيرين وسايكس بيكو.. كردستان تواجه خطر تقسيم المُقسم أصلاً عبر الجدران العازلة
الإثنين 11 نيسان, 2022   22:31
كوباني - زانا سيدي

كان الجيش العراقي قد بدأ ببناء جدارٍ إسمنتي عازل بين قضاء شنكال وشمال وشرق سوريا، بتعليمات من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

وسيمتد الجدار على الحدود السورية العراقية بطول 250 كم وارتفاع نحو 4 أمتار، مزود بأبراج مراقبة تتضمن كاميرات حرارية إلى جانب أجهزة لرصد الحركة على الحدود.

وتوالت ردود فعل المنددة بعزل منطقة شنكال عن مناطق روج آفا؛ من خلال بناء جدارٍ عازل من قبل الجيش العراقي، في خطوةٍ يراها الكردستانيون أنها محاولات لترسيخ وإحياء اتفاقيات قصر شيرين في القرن السادس عشر وسايكس بيكو في القرن العشرين والتي قسّمت كردستان.

اتفاقية قصر شيرين.. تقسيم كردستان لأول مرة

كانت معركة "جالديران" الشهيرة التي دارت رحاها في الأراضي الكردستانية بين الإمبراطورية الصفوية والدولة العثمانية في 23 آب/أغسطس عام 1514، أول حربٍ تتمدد من خلالها الدولة العثمانية نحو الشرق، قبل أن تحتل بلاد الشام إثر معركة مرج دابق 1516 التي خسر فيها المماليك أمام العثمانيين.

كان الكرد أصحاب عددٍ من الإمارات المستقلة؛ تدير شؤونها التنظيمية، حيث استغلت الدولة العثمانية والإمبراطورية الصفوية الكرد آنذاك تحت عباءة الدين، لتحولهم إلى رأس حربة في تلك الحروب.

فتحت معركة جالديران الأبواب أمام صراعٍ صفوي - عثماني وحربٍ دارت نحو 125 عاماً على الساحة الكردستانية، ليتوصل الطرفان في النهاية إلى اتفاقية قصر شيرين 17 من أيار/مايو 1639 بالقرب من كرمنشاه في شرق كردستان والتي ثبتت احتلال الصفويين والعثمانيين للأراضي الكردستانية.

وضعت الحرب أوزارها وقسمت كردستان لأول مرة، ورسمت الحدود بين الدولتين التي بقيّت إلى اليوم، إلى جانب إلحاق المناطق المجاورة بنهري الفرات ودجلة بالاحتلال العثماني، ومنح منطقة يريفان الأرمنية للصفويين آنذاك.

اتفاقية سايكس بيكو

في أعقاب انهيار الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) وتحولها إلى قوةٍ ضعيفة وخسارتها في نهاية الحرب، توصلت بريطانيا وفرنسا إلى جانب روسيا القيصرية إلى عملياتٍ توافقية لتقسيم المناطق الخاضعة للسيطرة العثمانية إلى مناطق محكومة من قبل فرنسا وبريطانيا بشكلٍ مباشر، بالإضافة إلى تشكيل مناطق انتداب عائدتين في قراراتها إلى الدولتين الفرنسية والبريطانية.

دون أي دراسات ووفق العقلية الاحتلالية التي تبعد عن كردستان والمنطقة آلاف الأميال، رسمت فرنسا وبريطانيا عن طريق الجنرالين العسكريين جورج بيكو الفرنسي ومارك سايسكس البريطاني؛ خريطة السيطرة في المنطقة.

حيث قسمت بلاد الشام وبلاد الرافدين وكردستان إلى مناطق نفوذٍ فرنسية وبريطانية بموجب اتفاق سايكس بيكو 1916 برعاية من روسيا القيصرية التي احتلت بدورها أراضٍ في شمال كردستان بمحاذاة أرمينيا الحالية.

بقيت الاتفاقية سرية وغير معلنة حتى قيام الثورة البلشفية في روسيا ووصول الشيوعيين إلى سدة الحكم عام 1917، ليكشفوا عن الاتفاقية التي لم تنفذ بنودها بعد آنذاك، حيث أثار الإعلان عنها غضب الأوساط العربية، وأفضت المفاوضات مع بريطانيا وفرنسا إلى تشكيل دولٍ عربية مثل سوريا والعراق والجمهورية التركية عقب معاهدة لوزان 1923.

حيث ضُمت كردستان إلى الدول التي تم اصطناعها بموجب اتفاقية سايكس بيكو وهي تركيا العراق وسوريا وإيران، ما حطم آمال الكرد في تقرير مصيرهم.

محاولات ترسيخ تقسيم كردستان

ما إن بدأت ثورة الـ19 تموز في روج آفا، حتى بدأت معها الحرب التي تديرها دولة الاحتلال التركي والأنظمة المحتلة لكردستان، لإنهاء الثورة والمشروع الديمقراطي الذي يلقى ترحيباً من قبل شعوب العالم.

لم تفلح محاولات دولة الاحتلال التركي في إنهاء الثورة، عن طريق تحريك مجموعاتها المرتزقة الإرهابية لاحتلال شنكال وكوباني وغيرها من المناطق الكردستانية، ولا حتى التدخل التركي المباشر الذي أفضى إلى احتلال مقاطعة عفرين ومناطق سريه كانيه وكري سبي.

بالتنسيق مع القوى الإقليمية بدأت أنقرة سلسلة إجراءات ضد المناطق الكردية وخاصة روج آفا ومناطق الدفاع المشروع، أهمها بناء حدود مصطنعة بين أجزاء كردستان وترسيخ تقسيمها.

إذ تواجه كردستان الآن حدوداً مصطنعة بالجدار العازل بطولٍ كلي يبلغ 1456 كيلو متراً في ثلاثة مناطق حدودية.

جدار عازل بين روج آفا وباكور كردستان

لفرض حصارٍ خانق على الثورة في روج آفا إلى جانب الحرب العسكرية والحرب الخاصة التي تمارسها دولة الاحتلال التركية، بدأت دولة الاحتلال التركي بتشييد جدارٍ حدودي بين روج آفا وباكور كردستان، بدءاً من صيف 2016.

حيث أنهت عملية البناء في ربيع العام 2017 على مسافة ممتدة لـ 911 كيلو متراً على الحدود بين شمال وشرق سوريا وشمال كردستان.

إلى جانب المناطق التي احتلتها تركيا في عفرين ومناطق شمال حلب، ومنطقتي سريه كانيه/رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، خسرت ما يقارب 95 قرية في شمال شرق سوريا بحسب منظمة حقوق الإنسان في الجزيرة، قسماً من أراضيها الزراعية، قدرت بـ 27033 دونماً نتيجة بناء الجدار العازل.

لاقت عملية بناء جدار فصل شمال كردستان عن غربها ، حيث فقد 4 مواطنين حياتهم جراء اشتباكات مع الاحتلال التركي.

جدار عازل بين روج هلات وباكور كردستان

وأنهت دولة الاحتلال التركي في تموز/يوليو 2021، تشييد جدارٍ حدودي بين شمال وشرق كردستان بطول 295 كيلومتراً.

واستخدمت تركيا كتل خرسانية بعرض 2 متر وارتفاع 3 أمتار وتركيب الأسلاك الشائكة فوقها، كما جهز الجدار بـ "أنظمة مراقبة عن قرب، وكاميرات حرارية، ورادارات مراقبة أرضية، وأنظمة أسلحة للتحكم عن بعد، ومراكز قيادة وتحكم، وأنظمة تصوير خطية، وأجهزة استشعار زلزالية وصوتية".

ورغم إعلان دولة الاحتلال التركي أن بناء الجدار العازل جاء لمنع المهاجرين الأفغان من العبور إلى تركيا، إلى أنها حجج واهية لا تمت إلى الواقع بأي صلة، حيث يأتي بناء الجدار ضمن خطة متفق عليها مسبقاً بين القوى الإقليمية لتقييد تحركات مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

جدار شنكال عزلٌ للقضاء واستمرار لترسيخ تقسيم كردستان

بعد انسحاب قوات الجيش العراقي وقوات الديمقراطي الكردستاني رغم الترسانة الكبيرة للأسلحة التي تمتلكها، من شنكال صيف عام 2014 أمام تقدم مرتزقة داعش الذين خطفوا وقتلوا الآلاف من الكرد الإيزيديين آنذاك، أنقذَ مقاتلو الكريلا ووحدات حماية الشعب والمرأة مئات الآلاف من الكرد من بين فكّي المجازر الوحشية على يد مرتزقة داعش.

وعقب تحرير القضاء من مرتزقة داعش على يد أبنائها وتشكيل وحدات حماية شنكال وترسيخ مفهوم الإدارة الذاتية، ترى دولة الاحتلال التركي التي تعتبر المنطقة برمتها على أنها مناطق عثمانية ويجب إلحاقها بالدولة التركية، وأن الإدارة الذاتية في شنكال خطرٌ يهدد مشروعها.

بالتوافق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ودولة الاحتلال التركية بدأت الحكومة العراقية بأوامر من مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي بتشييد الجدار الحدودي بين روج آفا وباشور كردستان على طول الحدود العراقية السورية بطول 250 كيلومتراً، في خطوةٍ لفصل الإدارة الذاتية في شنكال عن مناطق الإدارة الذاتية في روج آفا، في إطار الهجمات التي تطال الثورة الكردستانية في روج آفا وعموم كردستان.

هذا ووقعت الحكومة الاتحادية في بغداد والحزب الديمقراطي الكردستاني اتفاقية في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2020 حول إدارة قضاء شنكال وذلك بعد أعوام من تركهما لأهالي المنطقة دون حماية تحت رحمة مرتزقة داعش الذين شردوا وقتلوا واختطفوا الآلاف عام 2014، بالمقابل رفض أهالي شنكال هذه الاتفاقية وأعلنوا تمسكهم بإدارتهم الذاتية.

(ج)

ANHA