عامان على اتفاق وقف إطلاق النار.. التزام أحادي من جانب قسد وخرق متواصل من قبل تركيا

تشير المعطيات على أرض الواقع في شمال وشرق سوريا إلى تصعيدٍ عسكريٍ تركي واتساع رقعة الانتهاكات والاعتداءات الإجرامية التي تمارسها ضد المدنيين، على عكس ما تسمى بـ "اتفاق وقف إطلاق النار" التي اتفقت عليها موسكو الصامتة وأنقرة الغير ملتزمة بالاتفاق قبل عامين.

عامان على اتفاق وقف إطلاق النار.. التزام أحادي من جانب قسد وخرق متواصل من قبل تركيا
الخميس 21 تشرين الأول, 2021   20:42
مركز الأخبار- زانا سيدي

أضحت جملة "وقف إطلاق النار" منسيةً منذ أعوام؛ في ظل عدوان تركيا المتواصل على مناطق مختلفة شمال وشرق سوريا، مرتكبةً جرائم حرب إلى جانب تهجير سكانٍ من قراهم أمام أنظار روسيا "الضامنة" التي دخلت المنطقة بحكم أمر الواقع قبل عامين.

فتطبيقاً للتفاهمات التي أبرمت بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي أردوغان؛ في 22 تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 عقب العدوان التركي على منطقتي سري كانيه/رأس العين وكري سبي/تل أبيض، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من كامل الشريط الحدودي مع تركيا لمسافة 32 كم إلى عمق الأراضي السورية، لنزع الذرائع التركية في سعيها لاحتلال مناطق حدودية أخرى.

على رغم من ضمان روسيا سير اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال التركي في جغرافية ممتدة من إقليم الجزيرة حتى إقليم الفرات ومنبج وصولاً إلى مقاطعة الشهباء شمالي سوريا، تقف موسكو متفرجة أمام جرائم جيش الاحتلال التركي ومرتزقته التي تطال المدنيين بأبشع الطرق.

وقصف طائرة مسيّرة تابعة للاحتلال التركي يوم الأربعاء الفائت سيارة مدنية في مدينة كوباني مما أدى إلى استشهاد مدنيين اثنين وإصابة 3 آخرين.

تصعيد تركيا والمجموعات المرتزقة

حسب مصادر عسكرية في قوات سوريا الديمقراطية فإن 450 هجوماً بالأسلحة الثقيلة نفذتها القواعد التركية، إلى جانب ما يقارب 90 عملية تسلل قامت بها المجموعات التابعة لتركيا في غضون عامين؛ في المناطق الواقعة على الطريق الدولي M4، لم تتكل سوى بتكبد تركيا ومجموعاتها خسائر كبيرة في الأرواح.

على مدى عامين وبحسب رصد مراسلي وكالتنا؛ فقد تعرضت 48 قرية في ناحيتي تل تمر وعين عيسى ومنطقتي الشهباء ومنبج، للقصف المدفعي والصاروخي التركي، إلى جانب القنابل العنقودية التي استخدمتها مؤخراً تركيا في عدوانها.

وخلال 9 أشهر أنشأت قوات الاحتلال التركي 12 قاعدة عسكرية جديدة في منطقتي سري كانيه وكري سبي ليرتفع مجموع القواعد العسكرية إلى 20 قاعدة بمحاذاة الطريق الدولي M4 ومحيط بلدتي تل تمر وعين عيسى.

وتزامنت الهجمات التركية مع انسحاب القوات الروسية وإفراغ قواعدها العسكرية في بعض الأحيان من المناطق التي شهدت عدواناً تركياً.

وهدد أردوغان في الـ 11 من شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري؛ في مؤتمرٍ صحفي من العاصمة أنقرة، بإطلاق عدوانٍ يستهدف مناطق آمنة في شمال وشرق سوريا.

كيف بدت مجريات الاتفاق؟

في حديثٍ لوكالتنا أوضح بدران جيا كرد نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بعضاً من النقاط المهمة حول سير ما تسمى بـ "عملية وقف إطلاق النار".

 يوضح بدران جيا كرد أن "الاتفاق الروسي التركي سبقه بأيامٍ قليلة، اتفاقٌ بين واشنطن وأنقرة في الـ 17 من تشرين الأول/أكتوبر؛ طالب ترامب حينها أن تتوقف الدولة التركية عند الخطوط المرسومة لها؛ بين المنطقة الممتدة من سري كانيه/رأس العين حتى كري سبي/تل أبيض بعمق 30 كم داخل الأراضي السورية، عقب العدوان الذي جاء بإذنٍ من الولايات المتحدة، وذلك ما كانت تسعى إليها تركيا أيّ احتلال المنطقة الواقعة بين إقليمي الجزيرة والفرات".

ويضيف جيا كرد أن "انسحاب الولايات المتحدة من مناطق منبج، الرقة وكوباني جاء بالتنسيق مع روسيا، لذا فكان الاتفاق بين اردوغان وبوتين حول التنسيق سوياً في شمال وشرق سوريا، وليس هنالك أي اتفاق بين الإدارة الذاتية وتركيا بتاتاً".

على الرغم من إبداء الحكومة الروسية بعض المواقف الخجولة تجاه الأفعال التركية في مناطق شمال وشرق سوريا، على عكس تعامل الجانبين في إدلب، يبدو أن المحاولات التركية هي في إطار خلق حالة من الفوضى وانعدام الاستقرار في ظل العدوان المتواصل دون توقف.

'الهجمات التركية المستمرة تساعد على إحياء داعش من جديد '

حول موقف الدول الضامنة يقول بدران جيا كرد أن "صمت الدول الضامنة جراء ما ترتكبه تركيا من جرائم؛ يشكل مشكلةً لتلك الدول، فهي التي اتفقت مع تركيا على عمليات وقف إطلاق النار، وهذا يعني خرق بنود الاتفاق"، مضيفاً " يجب أن تكون القوى الضامنة فاعلة أكثر وأن تتخذ مواقف أكثر صرامة من الممارسات التركية، فالصمت يشجع الدولة التركية على ارتكاب انتهاكات جديدة ضد المدنيين دون أي مبالاة".

حول تأثير الهجمات التركية على عملية القضاء على خلايا داعش يرى جيا كرد أن الهجمات التركية المستمرة تساعد على إحياء داعش من جديد، ما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما يؤثر على الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، إذ تشكل تركيا عائقاً وتقوض مساعي المجتمع الدولي لإنهاء داعش في المنطقة.

مضيفاً أن الهجمات اليومية تتسبب بتهجير أعدادٍ كبيرة من المواطنين السوريين باتجاه دولٍ أوروبية وهذا ما يخلق أزمةً على الصعيدين الإقليمي والدولي.

'تصعيد حكومة دمشق ضد الأطراف يأتي لعدة أسباب'

ووثقت وكالتنا على مدى عامين تعرض عشرات المواقع لقوات حكومة دمشق للقصف بالمدفعية والصواريخ التركية، مؤدياً إلى مقتل وجرح العديد، فيما لم تصدر أي قذائف من قوات حكومة دمشق تجاه مصادر النيران التركية.

يرى بدران أن حكومة دمشق عاجزةٌ عن اتخاذ اي خطوات باتجاه حل الأزمة في البلاد في الوقت الراهن "فالقوى الدولية الحاضرة في سوريا يجب أن تلعب دوراً أكثر إيجابياً في هذا المضمار وأن يعملوا على وفق مقاربات تتناسب والمسؤوليات التي تقع على عاتقهم".

حول تصعيد دمشق لنبرة خطابها ضد تركيا، يقول بدران جيا كرد "في ظل التوافقات الأمريكية الروسية حول بعضٍ من القضايا الشائكة في الأزمة السورية، يبدوا أن هنالك رؤية مشتركة وحلول لبعض تلك القضايا وتقاسم الأدوار بين موسكو وواشنطن، خاصة أن واشنطن بدت أكثر مرونة في سياستها تجاه دمشق هذا من جهة".

من جهة أخرى هنالك العلاقات المتبادلة بين دولٍ عربية والحكومة في دمشق، هذه التحركات أثرت في موقف الحكومة، التي ترى بأنها تستعيد قوتها وأنها ستسعى لفرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، فالرسائل القادمة من دمشق واضحة إنها تطالب جميع الدول الانسحاب من سوريا، ولا شكّ بأن الخطاب موجهٌ أيضا للإدارة الذاتية، يضيف جيا كرد.

ودعا نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في شمال وشرق سوريا بدران جيا كرد الحكومة في دمشق تغييرَ في مواقفها وذهنيتها القائمة، وان تتعامل مع الأزمة السورية وفق أمر الواقع، وتعزز الحوار والتكاتف السوري السوري لإنهاء الاحتلال في البلاد.

'روسيا غيرة واضحة في موقفها'

وكانت نوروز أحمد عضوة القيادة العامة في قوات سوريا الديمقراطية أثناء حديثها في حوارٍ مطول أجرته وكالتنا؛ في الذكرى السنوية الثانية لاحتلال سري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، قد أشارت إلى أنه "من الممكن أن تكون هنالك اتفاقات مبرمة غير معلنة بين الجانبين الروسي والتركي، بإمكان روسيا إيقاف الهجمات التركية التي تستهدف مناطقنا بشكلٍ يومي، بإمكانهم إيقاف المجازر التي ترتكب بحق المدنيين".

وقالت نوروز أن روسيا غير واضحة في موقفها كقوة ضامنة في المنطقة، وأن ذلك يخلق انطباع بأن لموسكو أهداف من وراء صمتها في ظل الخروقات التركية.

كما ونوهت نوروز أحمد أن قواتهم مجبرة على الدفاع والرد على الانتهاكات التركية عسكرياً، وذلك ما يخلق حالة من انعدام الأمن وكثرة الخروقات في ظل الموقف الروسي بالإضافة أيضاً إلى صمت الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي.

عمليات تهجير

خلال الاجتماع الذي جمعه بالرئيس الروسي بوتين في سوتشي خلال مباحثات عملية وقف إطلاق النار تشرين الأول/اكتوبر 2019، لفت اردوغان إلى أن تركيا تستضيف 3 ملايين و650 ألف سوري، بينهم 350 ألف مواطن كردي بحسب زعمه، مشيراً إلى أن أنقرة ستعمل على تسهيل عودة اللاجئين السوريين.

فيما تشير الأرقام إلى تهجير الدولة التركية أثناء احتلال مناطق عفرين، سري كانيه وتل أبيض ما يقارب 600 ألف من السكان الأصليين من ديارهم.

كما وهُجرَ أهالي 12 قرية بعد تدميرها بشكلٍ ممنهج على أطراف الطريق الدولي الـ M4 في مقاطعة كري سبي/تل أبيض شمالي البلاد، بعد فقدان 30 مواطناً لحياتهم بينهم نساء وأطفال خلال الهجمات التركية على مدى عامين آخرها مجزرتي "الدبس والصفاوية".

القصف بالطائرات المسيرة

لم تتوقف تركيا عن الاستفزازات أمام أنظار "الضامن الروسي"، فقد استهدفت لعدةِ مرات منازل المدنيين ومراكز قوى الأمن الداخلي، بقذائف من طائرات مسيرة، بالتزامن مع عملية تسيير الدوريات.

حيث أدى قصفٌ جوي تركي إلى استشهاد 3 نساء كرديات في قرية حلنج بالقرب من مدينة كوباني في الـ23 من حزيران من عام2020، فيما تعرض المركز العام لقوى الأمن الداخلي وسط مدينة كوباني لقصف بطائرة مسيرة قبل ذلك بأسابيع.

كما وأدت عملية قصف مماثلة لجرح 6 أشخاص بينهم 3 جنودٍ روس في بلدة الدرباسية في إقليم الجزيرة في تموز من عام 2020، لتستهدف مسيّرة أخرى بعد ذلك بأسابيع قرية مزري بالقرب من مدينة ديرك أدى إلى فقدان مدنيين أثنين لحياتهما.

وكما وشهدت بلدة تمر والطريق الواصل بين قامشلو والطريق الدولي الـ M4 "علي فرو" في شهر آب الماضي قصفً بطائراتٍ مسيرة تركية، في الوقت الذي يستخدم فيه الاحتلال الطائرات المسيرة المفخخة في استهداف المدنيين في الشهباء.

تركيا وسلاح المياه ضد مناطق شمال وشرق سوريا

ولا يتمثل العدوان التركي على مناطق شمال وشرق سوريا بالجانب العسكري فقط، حيث تعتبر حرب المياه التي تخوضها تركيا هي الأخطر منذ عقود على رغم من مزاعم موسكو توسطها والسعي لحلها.

حيث شكّلَ انقطاع مياه محطة علوك التي تحلتها المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا، عن ما يقارب المليون مواطن في مدينة الحسكة أقصى شمالي شرقي سوريا، خلال صيف العام الجاري كارثةٍ إنسانية تسببت به تركيا أثر قطعها للمياه بشكلٍ متكرر خلال عامين.

إلى جانب ذلك تستمر الحكومة التركية في خفض معدل مياه نهر الفرات المتدفق إلى الأراضي السورية، في تحولٍ كارثي لمجرى أكبر الأنهار في البلاد خلال 9 أشهر مضت، إذ شكلَ تقلص مجرى النهر مشكلة ٍ في توفير مياه الشرب لسكان مناطق شمال وشرق سوريا، إلى جانب انخفاض ساعات توليد التيار الكهربائي وانخفاض كمية الإنتاج المحلي من الأراضي الزراعية على ضفاف النهر بطول 500 كيلو متر.

وكانت 100 منظمة دولية ومحلية إنسانية وحقوقية معنية بالبيئة، قد استنكرت سياسات الاحتلال التركي التي حولت المياه لسلاحٍ سياسي ضد المدنيين في شمال وشرق سوريا، وعموم سوريا والعراق، وأكدت على رفع دعوى قضائية ضدها لخرقها للقانون الدولي العام، والأعراف الدولية في "المنتدى الدولي للمياه في شمال وشرق سوريا"27-28 أيلول/سبتمبر المنصرم.

ANHA