​​​​​​​من إمرالي ينبعث النور والحياة والأمل لشعوب الشرق الأوسط

يقول الشاعر الفلسطيني الراحل وصاحب «ليس للكردي إلا الريح» محمود درويش: "وتسأل: ما معنى كلمة وطن؟ سيقولون: هو البيت وشجرة التوت وقنّ الدجاج وقفير النحل ورائحة الخبز والسماء الأولى .. وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات وتضيق بنا؟"

​​​​​​​من إمرالي ينبعث النور والحياة والأمل لشعوب الشرق الأوسط
الجمعة 15 تشرين الأول, 2021   03:50
كيفارا شيخ نور

نعم ضاقت بنا، نعم ما زلنا نتذكر ويعتصر قلبنا الألم عندما نعود بالتاريخ إلى الوراء، وتحديداً إلى 9 تشرين الأول من العام 1998 وقد ضاقت الدنيا بمناضلٍ وهب حياته لشعبه ولأمته الديمقراطية.

فما حصل حينها، هي وصمة عار في وجه الإنسانية جمعاء، كان الهدف منه إعاقة حل القضية الكردية، وتعميق التناقضات في منطقة الشرق الأوسط جمعاء، والتي كانت أولى علاماتها تفجيرات 11 أيلول (2001) في الولايات المتحدة، والاحتلال الأميركي لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وقانون محاسبة سورية (2003)، واغتيال الحريري (2005) وانتشار الفوضى بعد ذلك.

إن الدول التي حاكت المؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله أوجلان في 9 تشرين الأول عام 1998، أرادت بذلك ليس إبادة الشعب الكردي فحسب، بل إبادة روح المقاومة والكرامة لدى كافة شعوب المنطقة. فالقائد أوجلان بفكره ومشروعه الداعي إلى الحرية، عمل على خلاص الشعوب من الظلم والقهر والحرمان الذي كانت تمارسه الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

القوة المهيمنة والأنظمة الاستبدادية التابعة للأولى، تسعى وعلى الدوام للسيطرة على الشعوب، عبر إشعال نزاعات وتناقضات (قومية، دينية، مذهبية) وضرب بعضها ببعض، بغية إضعافها من جهة ولإعادة هيكلة الشرق الأوسط وفق مصالحها وأجنداتها من جهة أخرى.

تلك القوى المهيمنة رأت في أوجلان الذي كان يملك حينها وما يزال قوة عسكرية وسياسية واجتماعية، خطراً يهددها، وكانت تستشعر أن قوة التحرر الوطني الكردستاني بقيادة حزب العمال الكردستاني، سيقود مرحلة انبعاث. ويلعب دور المحرك في النضال التحرري الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولهذا السبب اتجهت تلك القوى إلى استهداف القائد ومحاولة القضاء عليه مادياً، لأنهم وببساطة فشلوا فشلاً ذريعاً في القضاء عليه معنوياً.

المؤامرة مستمرة والمقاومة مستمرة

بعد سلسلة الانهيارات والتخبطات التي عانت منها حركات التحرر العالمية، كان لا بد للشعوب من استلهام القوة من جهة ما، ولقد وجدت ضالتها في حزب العمال الكردستاني الذي أبهر العالم بمدى القوة والصلابة التي يمتلكها. ولهذا السبب، أرادت القوى المهيمنة، القضاء على القائد عبدالله أوجلان في بادئ الأمر، ومن ثم تفكيك الوحدة التنظيمية التي تشكلت لدى الشعب الكردي، والمتمثلة بحزب العمال الكردستاني، والتعويض عنها بقوى "كردية" خانعة وذليلة.

لم تكتف الدولة التركية بسجن القائد، بل طبقت نظام العزلة المشددة عليه، وذلك سعياً منها إلى إسكات صوت الحقيقة المنبثق من إمرالي، والذي تحول من معتقل إلى رمز من رموز المقاومة. واهباً النور والحياة والأمل لشعوب الشرق الأوسط، بغية الوقوف في وجه سياسات الإبادة الجماعية التي تمارسها أذيال القوى المهيمنة العالمية.

لقد دافع القائد أوجلان عن حرية شعوب الشرق الأوسط، بدفاعه عن الكرد الواقعين بين فكي الإبادة الثقافية، ودعا إلى قيام أمة ديمقراطية متآخية مع الأمم الأخرى وتتفاعل معها. وبحث في أغوار التاريخ البشري ساعياً نحو الحقيقة، وفنّد كتب التاريخ الكاذبة التي كانت تمجد الدولة والسلطة والمدنية، وعلّمنا سوسيولوجيا الحرية القائمة على المجتمع الأخلاقي السياسي، فجنّ جنون القوى المهيمنة، وأمرت ربيبتها تركيا بتكثيف سياسات الإبادة الثقافية والجسدية، في كافة أجزاء كردستان والشرق الأوسط وجميع أنحاء العالم، بغية القضاء على إنجازات الثورة التي خلقت نهجاً استمدته من فكر القائد عبد الله أوجلان.

لن يستطيع أحد حجب شمسنا

يقول القائد أوجلان إن "المؤامرات التاريخية لا يمكنها إيقاف عجلة التقدم، بل تسرّعها"، حيث كانت تهدف المؤامرة الدولية بالمقام الأول إلى القضاء على مفهوم المرأة الحرة في الشرق الأوسط، والذي كرّسه القائد. وكذلك بثّ النعرات القومية وضرب ذهنية أخوة الشعوب (الكردية العربية الفارسية التركية)، فالمرأة الأَمة والرجل العبد والمجتمع العبد والنعرات القومية.. هي المتنفس الوحيد للقوى المهيمنة. إلا أن الذين خططوا لهذه المؤامرة نسوا أن ما زرعه القائد من المستحيل أن يتم القضاء عليه؛ فالمرأة والرجل والمجتمع الذين ذاقوا الحرية لم ولن يرضوا بالعبودية مهما كان الثمن. كما أنهم سيبذلون قصارى جهدهم لدحر المؤامرة، وسيواصلون النضال من أجل حرية القائد "جسدياً".

لاشكّ أن أنقرة اعتقدت حينها أنها باعتقال القائد أوجلان وعزله عن العالم الخارجي، ستطفئ شعلة التحرر الذهني، ولكن ما حصل هو العكس؛ حيث انتشر فكر القائد في كافة أرجاء المنطقة وبين مختلف القوميّات والأعراق، وهذا ما أثار جنون أنقرة.

لقد حول القائد عبد الله أوجلان سجنه الانفرادي الذي لا يتجاوز بضعة أمتار إلى أكاديمية، وأصبح مركز الإبداع والفكر والإلهام. الأمر الذي أثار دهشة العالم. كما أن الفكر والفلسفة التي وضعها القائد في سجنه أصبح منهجاً وأيديولوجيا تسير عليها شعوب المنطقة، وأصبح أساس التنظيم والسياسة، فمشروع الأمة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا خير مثال على ذلك. فكل قوى المؤامرة التي أرادت محو فكر وفلسفة القائد أوجلان، خاب ظنها ولم تستطع حجب شمسنا، فالشمس لا يستطيع أحد حجبها خلف القضبان، كما أنه أصبح للكردي غير الريح.