​​​​​​​الدفاع الذاتي هو الدفاع عن المسار الطبيعي للبشرية

​​​​​​​الدفاع الذاتي هو الدفاع عن المسار الطبيعي للبشرية
الخميس 16 يلول, 2021   01:24

كيفارا شيخ نور

إذا راجعنا كتب التاريخ، فلا بد أن ندرك بأن الشعوب المقاومة كالفيتناميين، والذين كانت لديهم منظومة دفاع ذاتي، هم الذين يحظون بالاحترام، أما الشعوب التي لم تبن منظومتها الدفاعية الذاتية فكانت منفتحة للاستعمار بكل أشكاله.

يعتبر القائد عبد الله أوجلان في مؤلفه "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية" أن الدفاع الذاتي هو أحد الركائز الأساسية لبناء الأمة الديمقراطية، ويؤكد على أنه بدون الدفاع الذاتي لا يمكن الحديث عن الأمة الديمقراطية إطلاقاً.

الجيش والدولة تحمي وتدافع عن مصالحها وليس عن مصالح المجتمع

ولأن الدفاع الذاتي هو جزء من طبيعة الكائنات في الطبيعة، ونراه لدى جميع الكائنات بما فيها الحيوانات والنباتات، لذلك حق مشروع وطبيعي للمجتمع وللفرد. ولكن الأنظمةُ الدولتية جرّدت الشعوب والمجتمعات من حقها الطبيعي المشروع في الدفاع عن نفسها، لتشكّل جيوشاً بهدف الغزو والاحتلال حفاظاً على سلطتها وليس كما يدعون بأنها لحماية الشعب.  

إن الدولة القومية سخرت كامل قوّتها لنهب خيرات الشعوب ولقمةِ عيشها، ففي دولة البعث بشقيها العراقي والسوري خُصِّصتْ ميزانية البلدين لوزارة الدفاع من أجل شراءِ الأسلحة والتدريب العسكري، لكنّ هذا الناتج لم يدخل في خدمة الشعب بحجّة أنّها دولة "مواجهة" مع إسرائيل.

أي مجتمع يريد أن يحمي نفسه، عليه أن يبني قدراته الدفاعية بالاعتماد على الشعب والمجتمع، وألا يعتمد على الجيش أو الدولة، لأنه من المعلوم أن سياق تشكيل الجيش والدولة قد جاء لحماية الطبقات العليا "ذات العدد القليل" من عامة الشعب القابع في الطبقات الدنيا، وكل من يروج للدولة والجيش هو خداع وانحراف عن المسار الطبيعي للبشرية، وشكل من أشكال العبودية (عبودية الدولة أو عبودية المحتل).

الدفاع الذاتي في وجه الصهر والإبادة

ويقول القائد عبد الله أوجلان في معرض تعريفه للصهر بأنه "يعبر عن العلاقة الأحادية الجانب التي تلجأ إليها احتكارات السلطة وتطبقها على المجموعات الاجتماعية التي أخضعتها لنير العبودية بغرض إسقاطها إلى مستوى امتداد لها أو ملحق بها، أي تكوين عبيد بأقل التكاليف من أجل آلية السلطة والاستغلال".

وانطلاقاً من ذلك وعبر الضربات المكثفة ضد ثقافة وأخلاق الشعوب من خلال وسائل الحرب الخاصة والحرب النفسية "ضمنياً"، تسعى الرأسمالية إلى التأثير على الذهنية ودفعها إلى أوضاع تتلاءم مع توجهات القوى المعادية وإرضاخ الشعوب لإرادة الاستعمار طوعاً وليس بالقوة وبالتالي يتخلى المغلوب عن ثقافته ويتقيد بثقافة المحتل وأسلوب حياته، وكذلك تكريس الفردية والحياد والتي تؤدي إلى انعدام التزامه بأي قضية اجتماعية جماعية ووطنية أو أخلاقية.

فالحداثة الرأسمالية لا تهاجم بالسلاح فقط، لها أشكال متنوعة، تستهدف الشعوب ثقافياً. مقابل كل هذا، يجب بناء نظام دفاعي. يجب بناء نظام حماية ثقافي وإيديولوجي ولغوي في آن واحد، لتفادي الوقوع في قبضة الحداثة الرأسمالية، ولذلك سمى القائد  كتابه الأخير "دفاعاً عن الكرد المحصورين بين فكي الإبادة الثقافية".

ولا يتحقق جوهر الإنسان وحقيقته إلا عبر الدفاع عن مجتمعه وبذاته بطبيعة الحال، ولذلك تحاول الدول القومية وبشتى الوسائل تكثيف هجماتها على الإنسان بهدف إبادته "مادياً" والتي تهدف إلى تصفيته التامة جسدياً وثقافياً، وهذا ما رأيناه من خلال الأرمن واليهود الذين يتميزون "بالثقافة المعنوية القوية" وكيف أنه مورست بحقهم شتى أنواع التطهير العرقي.

المال والسلاح المتطور لا يبنيان الدفاع الذاتي

تحدث تقرير مطول أجرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية مؤخراً عن أسباب هزيمة الجيش الأفغاني- الذي يمتلك حوالي 300 ألف جندي ومعدات عسكرية متطورة- مقابل حركة طالبان القليلة العدد، وكذلك أسباب هزيمة الجيش العراقي المدجج بالسلاح أمام مرتزقة داعش في الموصل وكذلك هروب قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني من شنكال مع سماعهم باقتراب داعش من هذه المدينة.

ويقول  التقرير: "يتساءل الكثير من المسؤولين لماذا استسلم الجيش الوطني الأفغاني بهذه السرعة، هذا الجيش الذي طالما درّبه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وأنفق عليه مليارات الدولارات، وتخلى عن أسلحته المتطورة التي قدمتها واشنطن والتي كان ينبغي أن تكون كافية للانتصار؟"، حتى أن بايدن تنصل من مسؤولية بلاده عما جرى في هذا البلد قائلاً، بأنهم أمدوا الجيش الأفغاني بكل ما يحتاجه، ما ذنبنا إذا لم يقاتلوا؟

ومن هنا نستنتج أنه لا قيمة للمال والسلاح وحتى العدد إذا غابت الإرادة والروح الوطنية والانتماء، ولطالما تحلى الدفاع الذاتي بأهمية كبيرة بالنسبة لشعوب المنطقة عامة والكرد خاصة، كونهم، بحسب القائد أوجلان، الوارثين الأوائل للمجموعات التي شهدت النيوليتية بأعمق حالاتها وأطولها أجلاً، ففوائض الانتاج الناجمة عن الثورة الزراعية المندلعة في الهلال الخصيب، كانت تفتح شهية المغيرين.

حزب العمال الكردستاني قوة دفاعية

ويقول القائد أوجلان: "لو امتلكنا قوة العالم كله لن نهاجم أحد، ولو هاجمنا العالم كله سندافع عن أنفسنا"، هذه المقولة التي تدل على الرفعة والنبل لهي أكبر دليل على أن حزب العمال الكردستاني، كان ولا يزال قوة دفاعية (مادياً وأيديولوجياً) عن السياق الطبيعي للبشرية، وما تبنيه لفكر الأمة الديمقراطية إلا هي من جهة دعوة للسلام والتآخي بين شعوب المنطقة، ومن جهة أخرى هي الدعوة للوقوف بكل صرامة في وجه فكر الدولة القومية.

فحزب العمال الكردستاني كان ردة فعل على وحشية الأنظمة الدولتية الرأسمالية، ولا يتوانى عن تحقيق ذلك إلى أن يتحقق الاعتراف بالهوية والحياة شبه المستقلة، عبر مجتمع أخلاقي سياسي يثأر لأسلافنا (الكلانات) لكي يعيد المسار الطبيعي للتاريخ البشري.