وجهة نظر سياسية

وجهة نظر سياسية
الخميس 12 آب, 2021   02:00

علي ولات

إننا نمر بعملية صعبة ومهمة للغاية. بالطبع لا تختلف التطورات التي حدثت في هذه المرحلة عن تلك التي حدثت في الماضي. بمعنى أنها استمرار للمراحل السابقة وتحمل معها أحداثًا جديدة.

 في هذه المرحلة، أصبح من الواضح أن من لديه أفكار وفلسفات وتكتيكات إبداعية ومبتكرة سيحقق المزيد من النتائج الإيجابية وسيكون فعالاً أكثر. هذا هو السبب في أن جميع القوى بدأت بالتحرك وفقًا لمصالحها الخاصة.

إن الأمر الأهم والأكثر تأكيدًا في هذه الفترة، هو أنه سيتم حل المشاكل الحالية، وسيتم تجاوز هذا النظام الذي تحول إلى وبال على الإنسانية والطبيعة منذ خمسة آلاف عام. والقوى التي تهيمن على هذا النظام تدرك جيدًا هذا الخطر وتعيشه في الوقت نفسه؛ لأن هذا النظام هو من إنتاجها. لقد تم انتهاك القيم الإنسانية، وتم تهميش البشر وعزلهم عن الحياة، وفي الوقت نفسه تم تدمير جوهر الطبيعة ونهبها.

ما هو الشيء الأكثر أهمية؟

لقد تغيّرت الظروف، وعلى الرغم من كل الشرور التي ارتكبوها، إلا أن التقدم الحاصل في كل المجالات، وما أتاحه هذا التقدم من الفرص في مجال المعلومات والعلوم، فإن البشر وكذلك الطبيعة لم يعد بإمكانهم التسامح وتحمّل هذه الممارسات اللاإنسانية. بالإضافة إلى ذلك فإنهم يدركون أمرًا آخر وبشكل جيد وهو أنه "لم يعد أحد يصدقهم؛ لأن كل أكاذيبهم انكشفت". دعونا نتذكر مقولة شعبية تقول "العارفون ليسوا بحاجة إلى تعريف". الآن، انظروا إلى المرحلة التي نعيشها. إلى أين وصلت حال الإنسانية؟ إنهم يفتعلون حربًا لا سبب لها بين الدول والقبائل والمعتقدات، فقط من أجل مصالحهم القذرة، ولبيع أسلحتهم وتقنياتهم؛ أليس لهذا السبب يهاجر الملايين من الناس من أماكنهم وديارهم، ويهيمون على وجوههم على الدروب عطشى وجائعون، ويفقدون حياتهم. ما يقرب من 100 مليون شخص يعيشون حياة الهجرة، كالعبيد على أبواب الأجانب. هناك الكثير من الخير والبركة في هذه الطبيعة، إلا أن البشر يتضورون جوعاً في مسقط رأسهم ومكان ولادتهم.

يقول العلماء "إن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات عالية في الكرة الأرضية، يمهد الطريق لحرائق غير محدودة في جميع أنحاء العالم". والآن نرى أن جغرافية العالم تحترق، ونحن نعلم أن بعض الحرائق مفتعلة من أجل مصالحهم الخاصة والبعض الآخر تفتعل لأسباب عدائية.

في روسيا، تم حرق 1.3 مليون هكتار في 144 منطقة، وهناك مخاطر حريق في العديد من الأماكن، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية، تمتد الحرائق في 13 ولاية، 82 منها حرائق كبيرة. هذه الحرائق أسفرت عن احتراق 1.7 مليون هكتار من الأراضي بكل ما فيها، وهناك خطر في بعض الولايات أيضًا. لقد انخفض طعامنا وشرابنا وباتت كلها مصنوعة من الهرمونات، وأصبحت مياه الينابيع (الينابيع الطبيعية) شحيحة، وبات الهواء سامًّا وفاسداً. بهذه الطريقة تتدهور كيمياء الطبيعة وفي نفس الوقت كيمياء الكائنات الحية والبشر، وقد أدى ذلك إلى انتشار العديد من الأمراض ولا يزال يتسبب بظهور أمراض غير معروفة مثل السكري، والإيدز، وانفلونزا الطيور، وانفلونزا الخنازير، وكوفيد 19 ... إلخ.

هذه الحالة لم تعد تطاق. يجب إيجاد حل لها. هناك قول شعبي مأثور "لم يعد الكيس يستوعب الرمح". فخلال الأشهر الماضية، انعقدت قمة الناتو في 14 حزيران 2021 في بروكسل. بعد الاجتماع ، التقى بايدن وبوتين في جنيف بسويسرا. وعقدت مرة أخرى اجتماعات علنية وسرية بين قوى الاستعمار العالمي. طبعًا وبحسب متابعتنا، فقد خرجت هذه الاجتماعات بخطة عمل. وتتضمن الخطة أولًا؛ ماهية التصميم (الترتيب الجديد)، والثاني هو كيف ستحمي هذا القوى مصالحها في هذا التصميم الجديد. ثالثًا، هذه المرة من سيكون العدو الجديد، ورابعًا، كيفية الحد من تنامي حركات الحرية، وتدجينها ووضعها تحت سيطرتهم؟

ومما لا شك فيه أن لديهم خبرة في هذا المجال وهناك العديد من الأمثلة على ذلك في التاريخ.

وفقًا لهذه الخطة، يتذكر الإنسان تجاربه وتجارب التاريخ، وبالتالي يستطيع الاستنتاج كيف تم تقسيم العالم وتجزئته وتوزيع الحصص فيما بينهم.

الآن، لا أجد ضرورة لسرد التطورات السياسية التي حدثت في الأشهر الأخيرة واحدة تلو الأخرى. أريد فقط أن أبدي بعض الملاحظات الموجزة. الأحداث التي تجري في كردستان وتركيا وتونس وأفغانستان والعراق وسوريا ولبنان ومناطق أخرى كثيرة من العالم ليست بمعزل عن هذه الخطة.

بعد فترة وجيزة من الربيع العربي، وكما فعلوا مع تركيا، منحوا دورًا مماثلًا لتونس أيضًا، ولكن إلى أي حد أدت تونس هذا الدور، هذا موضوع للنقاش. لقد تم تكليفها واستخدامها فترة معينة، ولكنهم وجدوا أن تونس لم تتجاوز حدودها كما حدث مع مرسي مصر والإخوان المسلمين. طبعًا خلال هذه الفترة مارست ما يكفي من نهب وسلب القيم الإنسانية من أجل مصالحها. فكما أن أتاتورك كان بمثابة المعلم لهتلر، فإن معلم الإخوان المسلمين الآن هو رجب طيب أردوغان. يقول المثل "قل لي من تصاحب أقل لك من أنت". طبعًا من المؤكد أنه سيتم إعادة النظر في وضع تونس. أي يجب أن يتم إعادة ترتيبها بما يتناسب مع الرأسمال المتدفق. من اللافت معرفة من هي الجهة التي لم تكن راضية عن هذا الأمر. إنهما رجب طيب أردوغان وقطر. لأن دورهما قد جاء. كما أن الحلقة المحيطة بأردوغان باتت تضيق يومًا بعد يوم، إلا أن لتونس مكانة استراتيجية.

الوضع في أفغانستان مختلف جدًّا. فنظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي والجيوسياسي، ستظل مدرجة في جدول الأعمال العالمي كثيرًا. عندما غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979، دخلت البلاد في جدول الأعمال العالمي. حتى ذلك الحين، لم يقبل القائد عبدالله أوجلان دخول السوفييت إلى أفغانستان وانتقده بشدة، وتبع ذلك الحرب الروسية مع القوات المسماة طالبان- أسامة بن لادن- (بتحريض من الولايات المتحدة)، وتبع ذلك الحرب بين الناتو وطالبان، والآن تتجه الأنظار حول كيف ستدخل أفغانستان وبشكل غير مباشر وبشكل دقيق، في خدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

 كيف ستستغل الإمبريالية أردوغان وهذا الوضع (العلاقة بين أردوغان وطالبان)، ستجمع الجهاديين (داعش، القاعدة، جبهة النصرة، والعصابات التي تطلق على نفسها اسم الجيش الحر...) طبعًا تم إرسال البعض بالفعل حتى الآن ويتم تدريب البعض الآخر في قواعد الناتو في تركيا لإرسالهم في الخريف.

المشكلة الكبرى

كيف سيتم استخدام التصميم الجديد ضد الأعداء الجدد المتمثلين بالصين وإيران وروسيا وأوراسيا؟ كيف سيتم استخدام الأويغور الذين تعرضوا لضغوط من الصين، ضد الصين؟ يقال إن هؤلاء من التركمان، وقد تم إرسالهم كمهاجرين إلى كل من كردستان وأفغانستان. الآن الكثير من الأوساط بدأت بالتحرك. الولايات المتحدة، والبريطانيون، والألمان، والروس، والصينيون ... يجتمعون حول هذه القضية، ويقدمون الوعود لبعضهم البعض، ويوجهون التحذيرات والرسائل لبعضهم البعض بلغة دبلوماسية، وما أود قوله هو أن هذه العجينة لا زالت بحاجة إلى الكثير من الماء.  

عندما نتحدث عن التصميم الجديد، فمن المؤكد أن حركة حرية الشعب الكردي ليست بمعزل عن هذا الأمر. هذه التطورات تهم الشعب الكردي وتؤثر عليه بشكل مباشر سواء سلبًا أو إيجابًا، لأن حركة حرية الشعب الكردي (وبالتالي الشعب الكردي) فاعل على الأرض من خلال نموذجهم الجديد، وفي الوقت نفسه لديهم مشروع وخطة، والسبب في ذلك أننا الشعب الكردي وحركة الحرية لدينا نموذج وذهنية تؤثر بشكل سلبي للغاية على هذا النظام المتعطش للدماء؛ لأن هذه الذهنية (الديمقراطي الإيكولوجي والتحرر النسوي)، هو مناهض لهذا النظام، كما أنه يعتبر بمثابة مصدر إلهام وأمل للشعوب والنساء والشباب، من أجل حياة حرة وحقيقية في المستقبل. ومن جهة أخرى فقد أثبت على أرض الواقع كيفية تطبيق نموذج أخوة الشعوب. هذا النموذج وهذه الذهنية تمثل الشعوب المتضررة من هذا النظام المهيمن والظالم، كما أنه يحمي الطبيعة.  

من ناحية أخرى، يتعرض مهندس حركة الحرية والإنسان الحر لضغوط شديدة لا إنسانية متمثلة بـ "العزلة المشددة". كما أن هناك الكثير من الضغط والقمع على الشعب الكردي وكردستان وأصدقاء الشعب الكردي في جميع أجزاء كردستان وخارج كردستان، ويتم تنفيذ هجوم شرس على مقاتلي الحرية. كما أن الهجمات التي تستهدف القيم المادية والروحية لشعبنا وطبيعتنا ومقابر شهدائنا ليست بمعزل عن إطار خطة قوى الاستعمار العالمي. وليس مهماً من هم اللاعبون الذين يقومون بهذه الأعمال اللاإنسانية على الأرض، سواء كان حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو الدولة التركية المحتلة والفاشية أو الحزب الديمقراطي، بغض النظر عن أسمائهم، فإنهم جميعًا يتبنون الرؤية نفسها.  

مما لا شك فيه أن الشعب الكردي وكردستان وأصدقاء الشعب الكردي في خضم مقاومة تاريخية غير مسبوقة ضد هذه الأيديولوجية اللاإنسانية، بما في ذلك القائد آبو وأسرى الحرية والمقاتلون الأبطال الذين يسطرون ملاحم البطولة. هذه المرحلة هي التي ستحدد مصير وجودنا وفنائنا، وفي الجوهر فإنها ستحدد أيضًا مصير شعوب العالم. هذه المرحلة مهمة جدًّا وتاريخية.

حقيقة سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني

وضع دولة الاحتلال التركية الفاشية حرج للغاية، وتتوجه نحو الفشل، لذلك فإنها تتبع كل الأساليب الفاشية واللاإنسانية ضد القائد آبو والكريلا وأسرى الحرية والشعب الكردي وقيم الشعب الكردي وطبيعة كردستان وأصدقاء الشعب الكردي.

طبعًا، الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تغلغلت الخيانة والتبعية في نخاعه أصبح شريكًا للدولة التركية، وفي الوقت نفسه يتلقى الدعم من "أشقائه – أسياده الكبار". إنهم يقتلون الكرد ويطردونهم من ديارهم ومناطقهم ويفجرون المؤسسات الكردية. إنهم ينهبون قيم الشعب الكردي، ويحرقون ويدمرون طبيعة كردستان ... وكذلك الحرب التي يتم اتباعها بشكل وحشي وغير مباشر وبشكل موسع، ألا وهي الحرب الخاصة.  

هناك مقولة شعبية مأثورة تقول "الحقيقة مثل الشمس، لا يمكن إخفاؤها". إن من وجّه أكبر الضربات إلى نظام الاحتلال التركي والحزب الديمقراطي الكردستاني، هو مهندس هذه الحركة. هذه القوة هي التي تدفع الكريلا إلى تسطير ملاحم البطولة، وتصعّد من مقاومة أسرى الحرية، وتدفع مؤسسات وأحزاب الشعب الكردي إلى عدم الاستسلام في مواجهة كل هذه الهجمات الفاشية والوحشية، وتمنح الروح المعنوية والعزم للشعب الكردي، وتحثه على تصعيد النضال.  

الأمر المهم الآخر، هو المجزرة التي تعرض لها الإيزيديون في شنكال، والتي تعتبر إبادة جماعية نفذتها بعض الدول. وتكمن أهمية هذا الموضوع في أنه إذا خاض الشعب الكردي من الآن فصاعدًا نضالًا جيدًا في كل مجال، فقد تكون هناك فرصة مهمة لنيل الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية في شنكال.

لقد حان الوقت لكي يضمن الشعب الكردي هذه القيم والمكاسب التي كلفت تضحيات جسيمة، ووضعها في إطار السيادة القانونية والسياسية، وعليه، يتم حاليًّا تصعيد النضال من أجل نيل الاعتراف الرسمي بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والاعتراف بالإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، وكذلك الاعتراف بالإدارة الذاتية في شنكال. كما تتواصل المساعي والجهود لإزالة حزب العمال الكردستاني من "قائمة الإرهاب".

سيكون لهذا النضال تأثير إيجابي على وضع القائد آبو، وفي الوقت نفسه سيسطّر تاريخًا جديدًا. كما ستستمر حملة "حان وقت الحرية" بشكل مؤثر وفعال. إننا نستمد كل هذا العزم وهذه القوة من القائد ومن الشهداء والشعب ومن القيم الإنسانية، وهذا هو النهج الصحيح.