​​​​​​​تشدد وفوضى واستقرار.. أي الخيارات أفضل للسوريين؟

على الرغم من إنهاء الأزمة السورية عقدها الأول إلا أنه لا آمال بإنهاء هذه الحرب التي قسمت السوريين وأثارت أحقاداً وضغائن. وفي ظل حالة اليأس وما خلفته سنوات الحرب من انقسام وانعدام للثقة فهل بات من الضروري صياغة عقد اجتماعي جديد يكون فيه نموذج الإدارة الذاتية خياراً وحيداً لعموم سوريا؟

​​​​​​​تشدد وفوضى واستقرار.. أي الخيارات أفضل للسوريين؟
الخميس 12 آب, 2021   02:33
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

تستمر الأزمة السورية دون أي حلول متوقعة خلال المستقبل المنظور وسط فشل حكومة دمشق المركزية وما تسمى المعارضة بحسم الصراع لصالح أحدهما.

أعوام من الصراع غيّرت مسار ومضمون الوطن السوري الذي بات من المستحيل أن يعود إلى ما قبل 2011 وذلك بسبب عدد ضحايا الحرب والتي حصدت قرابة 400 ألف شخص، وتسببت بتهجير ونزوح الملايين من السوريين.

المرصد السوري لحقوق الإنسان وفي آخر إحصائية له، وثّق مقتل 389 ألف شخص، منهم 117 ألف مدني، من بينهم 22 ألف طفل، و14 ألف امرأة، و81 ألفاً من الرجال.

وشكّلت بداية الاحتجاجات في سوريا، والتي بدأت من درعا في الـ 15 من آذار/مارس من عام 2011، نقطة تحول في البلاد التي تقاسمت فيها الدول المتدخلة مناطق النفوذ.

مناطق حكومة دمشق.. تقاسم نفوذ وشحن طائفي

ومع بداية الأزمة السورية، كان هدف حكومة دمشق هو المحافظة على ما سمي بسوريا المفيدة إلا أنه وبعد التدخل الروسي والإيراني بشكل كامل بدأ بإعادة السيطرة على المناطق التي خسرها.

المساعدة الروسية – الإيرانية لدمشق لم تكن عبارة عن تبرعات خيرية، إنما عززت هاتان الدولتان وجودهما في سوريا عبر تقاسم مناطق حكومة دمشق.

وأدى التدخل الإيراني واستقدام الفصائل الشيعية من العراق ولبنان وأفغانستان إلى تنامي الخلاف الطائفي في سوريا، وقابله بذلك وبحجة مواجهة ما أسموه التمدد الشيعي هيمنة الجماعات السنية المتطرفة والمتشددة على ما يسمى بالمعارضة السورية حتى لم يعد هناك معارضة وكل ما هناك مجموعات مرتزقة تعمل لصالح تركيا ومن وراءها قطر أكبر الداعمين لجماعات الإسلام السياسي.

هذه الحرب بين الطرفين أدت لتدمير الدولة السورية، حيث تقبع مناطق حكومة دمشق تحت حكمين الأول حكم الفصائل الشيعية وتتركز في مناطق العاصمة السورية دمشق وحمص والساحل السوري ودير الزور، والحكم الثاني هو حكم القوات الروسية وتتركز في مناطق الساحل ومناطق في العاصمة دمشق.

المناطق المحتلة تركياً.. بؤر للإرهاب وجرائم واسعة النطاق

ومع مرور الوقت، انحصر وجود ما تسمى المعارضة السورية وبتوجيه من الاحتلال التركي في مناطق إدلب وأرياف حلب واللاذقية وحماة.

وتسيطر على هذه المناطق مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) والمصنفة على لوائح الإرهاب الدولية.

وتشهد هذه المناطق جرائم واسعة ضد المدنيين، وفي عام 2019 تحدث تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" عن ممارسات تعذيب، قام بها مرتزقة هيئة تحرير الشام، في مناطق إدلب بالشمال السوري.

وقالت المنظمة الدولية إن أحد المعتقلين "عُلِّق من عمود رأساً على عقب لساعات، أثناء الاستجواب. ووصف آخر تم وضعه في غرفة فولاذية ضيقة جداً تشبه التابوت لثلاث ساعات".

وقال آخر: "إن المحققين ضغطوا جسده كله داخل إطار مركبة وضربوه باستمرار" وهو أسلوب تستخدمه أيضاً أجهزة الأمن لدى حكومة دمشق، بحسب المنظمة.

ونقلت المنظمة شهادة أحد المعتقلين، الذي قال: "أكثر ما يمكنك فعله هو تحريك كتفيك قليلاً والصراخ طالباً المساعدة. لكنهم لمرات عدة، قاموا بحشو الأشياء في فمي حتى لا أتمكن من الصراخ، مثل كرة"، مضيفاً: "كنت أفقد وعيي كثيراً".

وكان سبعة من المعتقلين "ناشطين إعلاميين أو صحافيين شاركوا في المظاهرات أو غطّوها، أو كانوا يعملون مع وسائل إعلام أجنبية".

شمال وشرق سوريا.. مسار مختلف وآمال بالنجاة

الوضع في شمال وشرق سوريا كان مختلفاً، حيث تشكلت إدارة ذاتية وقوات سوريا الديمقراطية حاربت الإرهاب.

وتدير الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مناطقها عبر هيئات تنفيذية تطبق عقد اجتماعي شارك بمناقشته ممثلون عن مختلف مكونات المنطقة.

عضو مجلس الشعب السوري السابق والداعية الإسلامي محمد حبش تحدث حول ذلك قائلًا: "ولدت الإدارة الذاتية في إطار مشروع سوريا الديمقراطية، وقد قدمت قراءة واضحة للمشهد السوري، وأسست لإدارة ذاتية في إقليم عزيز من سوريا، وذلك بعد عقود طويلة من التهميش للعرب والكرد، حتى صار النظام نفسه يطلق على المنطقة تسمية المحافظات النامية وهو تعبير ملطف لوصفها بالمحافظات المهملة والمتخلفة، وعلى رغم كل التحولات السياسية في العقود الأخيرة فإن الثابت الوحيد ظل إهمال هذه المناطق وتهميشها على الرغم من كونها مخزن خيرات وبركات".

وتابع: "إلى جانب ضعف الخدمات والواقع المعيشي السائد في كل سوريا فإن معاناة الكرد في مناطقهم بشكل خاص في مسألة الجنسية والإقامة كان أمراً رهيباً، ولقد خضت سلسلة حوارات في البرلمان السوري ومع أصحاب القرار لمساعدة الكرد على تحصيل الجنسية السورية دون جدوى، وكانت أعذار البعثيين صادمة ومقلقة ومتعصبة ومنافية للمسؤولية الوطنية والإنسانية تجاه جزء عزيز من السوريين".

وأضاف: "لذلك فإنني أعتقد أن نموذج الإدارة الذاتية كان ضرورة إنسانية للحفاظ على قدر معقول من الحياة الكريمة لأبناء المنطقة في إطار سوريا الموحدة والديمقراطية".

درعا والسويداء.. أصوات تطالب بالإدارة الذاتية

أما في السويداء فهناك حديث عن نواة لإدارة ذاتية، وتشكلت هناك فصائل تمكنت من تحجيم مؤسسات الحكومة المركزية الأمنية والعسكرية، كما تمكنت من مواجهة هجمات داعش.

وفي درعا أيضاً، وفي ظل استمرار التصعيد المتكرر بين قوات حكومة دمشق المدعومة إيرانياً والفصائل التي رفضت مغادرة درعا إلى الشمال السوري، وعدم قيام الضامن الروسي بدوره، تعالت الأصوات الداعية إلى إقامة إدارة في درعا والجنوب السوري.

وأصدر "مجلس عشائر حوران" بياناً تناول تطورات الأحداث الأخيرة في محافظة درعا، واستنكر استقدام دمشق لحشود عسكرية متزايدة إلى أرض حوران، والحصار المطبق على أهالي درعا البلد، وندّد بالتهديدات التي يطلقها ضباط دمشق بالقتل والاقتحام والتهجير بحق أهاليها.

واعتبر البيان أن "نظام دمشق الذي كان من المفترض أن يثبت قدرته على إدارة البلاد بعد تسوية 2018، عمل على عكس ذلك، وأن أهالي درعا أحسنوا إدارة مناطقهم قبل عودة سيطرة نظام دمشق".

وأضاف أنه "بناءً على ذلك فإن زمن المركزية في سوريا قد ولى إلى غير رجعة"، مطالباً أن يكون نظام الحكم "لامركزي" بحيث تختار المحافظات والبلديات ممثليها وتحاسبهم من خلال الشفافية والعمل المؤسساتي الصحيح.

منسق تجمع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء، سمير عزام، تحدث حول ذلك قائلًا: "نحن في السويداء ننظر للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا كنموذج صالح للحل النهائي للأزمة السورية إذا ما تعمم هذا النموذج بكافة أنحاء سوريا وهذا لن يحدث إلا من خلال الحل النهائي للأزمة السورية".

‘أوضح تجربة للمعارضة الواعية’

وحول مهاجمة البعض لنظام الإدارة الذاتية قال عضو مجلس الشعب السوري السابق محمد حبش: "أعتقد اننا نستطيع أن نقول بحياد إن ما تحقق في الشرق السوري كان أوضح تجربة للمعارضة الواعية والمسؤولة، وقد نجحت الإدارة في بناء قوة عسكرية ضرورية لمواجهة داعش وكانت على رأس الكتائب التي واجهت التنظيم المتطرف بعد أن تخلت الدولة عن مسؤوليتها وواجه الناس أفظع الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية دون أن تقوم الدولة بواجبها في الدفاع عن حياة الناس وأرزاقهم".

وبحسب محمد حبش فإن "المخاوف التي يثيرها كثير من السوريين ضد الإدارة الذاتية فهناك بالطبع أعداء النجاح، وهناك أصحاب الميول القومية المتعصبة، ولكن يجب الاعتراف أن منها ما هو مخاوف مبررة ينبغي الانتباه إليها، وربما ممارسات أيضاً، ولكن في الأحوال جميعاً فإن المراجعة المستمرة للفكرة والأداء هي مطلب حيوي في أي حراك ناجح، وعلينا أن نراقب أداءنا بدقة وحزم، فكما نعترض على وجود تعصب قومي عربي ضد الكرد فعلينا أيضاً أن ننتبه من التعصب القومي الكردي ضد العرب، وعلينا خلق برامج مستمرة لمنع ظهور هذه النزعات، ومحاسبة من يذكي هذا اللون من الصراعات بكل حزم".

وأضاف: "أنا شخصياً مؤمن للغاية بمشروع الوطن الكردي حلماً حقيقياً وكريماً لأبناء هذه الأمة، على أرض كردستان التاريخية، في مواجهة البغي الظالم ضد هذه الأمة الذي بدا منذ حرمها سايكس بيكو وطنها الحقيقي، ووعدها بالوطن الديمقراطي الذي يتساوى فيه الناس بقومياتهم ولا يبغي أحد على أحد".

وتابع: "لكن المفاجأة كانت أن الكرد وجدوا أنفسهم في أرضهم التاريخية في أتون ثلاث قوميات في غاية التعصب البعث العربي القومي في العراق وسوريا والقومية الفارسية في إيران والتتريك في تركيا، ولم يجد شيئاً مما وعدوه به من المواطنة المثالية والمساواة والترحيب بلغته وتراثه وأمانيه، ولا شك أن هذا ظلم وبغي، ومن واجب كل حر وشريف أن يقف مع هذا الشعب المظلوم في رد الظلم عنه".

وتساءل عضو البرلمان السابق "ببساطة لماذا يكون للبحرين أو لقطر أو لجيبوتي مثلاً دولة واستقلال ولا يكون للكرد دولة واستقلال؟ بكل أمانة فإن مسؤولية كل حر أن يسعى في رفع الظلم عن الشعوب المقهورة بغض النظر عن الواقع السياسي".

وأردف قائلًا: "لكنني على ذلك لا أرضى قيام هذا الوطن المأمول بالحرب والقتال، ولا بانتزاع جزء من سوريا العزيزة لهذا التصور في إطار انفصال ذاتي، بل هو أمل بعيد يجب أن ينشأ في إطار وعي ديمقراطي في البلدان الأربعة التي يتوزع فيها الكرد، ويجب أن يكون مطلباً حقيقياً يتنامى مع السنين في برلمانات هذه الدول ويتم التصويت عليه وإنجازه على وجه من السلم والتعاون والديمقراطية، ولو استغرق ذلك عقوداً طويلاً يتوفر فيها نضج حقيقي في الديمقراطية وحقوق الإنسان".

‘الإدارة الذاتية هي أنسب نظام يحفظ الحد الأدنى من الحقوق’

وأكد محمد حبش أنه "خلال هذه الفترة فإن أنسب نظام يمكن أن يحفظ الحد الأدنى من الحقوق هو نظام الإدارة الذاتية القائم على شراكة حقيقية مع الوطن السوري وحفاظ دقيق على وحدته ونسيجه الوطني".

وحول إمكانية عودة الوضع السوري إلى ما قبل عام 2011 قال البرلماني السابق: "أعتقد إن برنامج الإدارة الذي استمر عشرة أعوام يحافظ على حياة الناس ويوفر لهم عيشاً كريماً بمستوى لا يقل عن العاصمة هو نظام جيد، وقد قام في أعقاب واقع متفجر تسبب في ولادة التطرف والإرهاب، ومن الواقعي تماماً أن نحافظ على تجربة اجتماعية وسياسية بهذا الحضور والأداء".

وأضاف: "بالطبع ليس هذا تكريساً للواقع الحالي، فنحن اليوم في حكم ضرورة تفرضها الأحداث الرهيبة والفوضى الأمنية والمجتمعية، ولكن المطلوب هو مزيد من التطوير في الجانب الدستوري والقانوني، وبناء علاقة صحيحة مع المجتمع السوري في النظام والمعارضة، والاستجابة لمطالب كثيرة قد لا تكون في هوى الإدارة الذاتية ولكنها في عمق الشرط الوطني لبقاء سوريا موحدة وحرة".

وحول التهم التي توجهها بعض الجهات لنظام الإدارة الذاتية قال محمد حبش: "ما قام به أهل الجزيرة السورية هو الواجب الذي فرضته عليهم الأحداث الرهيبة في المنطقة، والمشروع لم يولد إلا بعد انهيار النظام الحاكم وعجزه عن توفير الأمن والحياة للناس، وبهذا السياق فإنه لا يسع أي عاقل إلا تحية هذه القلوب الطيبة التي اختارت هذه الثنائية الناجحة من عرب وكرد لإدارة الشرق السوري بما يتيسر من وسائل وطاقات".

وأضاف: "على أني لا أكتم النصح لهذه التجربة الفريدة، وهو الحاجة إلى مزيد من المبادرات مع الضفتين الشريكتين في سوريا النظام في العاصمة والمعارضة في الشمال السوري، فيكون العلاقة مع النظام في إطار تأكيد وحدة سوريا وترابها الوطني، ولكن على أساس تبادل الخدمات والمسؤوليات وتوفير حقوق الإنسان وليس على أساس العودة إلى قطيع البعث الذي تسبب في خنق الحياة السياسية والاجتماعية في كافة أنحاء سوريا، وتدمير سوريا بشكل متوحش".

وتابع: "كما أنني ألوم الإدارة الذاتية في قصور برامجها ومبادراتها عن بناء ثقة حقيقية مع فصائل المعارضة السورية، ولا نذيع سراً إذا قلنا إن فصائل المعارضة السورية لا زالت تنظر إلى مشروع الإدارة الذاتية على أنه مشروع تغول كردي على الوجود العربي وتدعم هذه النظرة بكل تأكيد الرواية الرسمية للدولة التركية، ما يزيد في تعقيد الموقف".

وقال محمد حبش في هذا السياق: "لو كنت صاحب قرار في الإدارة الذاتية لقمت بإعداد لجنة رفيعة المستوى تطرح مبادرات خلاقة للقاء والتعاون والزيارة مع جهات المعارضة المعتدلة وبناء مشاريع مشتركة في التعليم والزراعة والخدمات فالمناطق متداخلة، وكذلك في التعاون في إدارة المناطق المختلف عليها في محيط حلب ولا شك أن بقاء النزاعات مع فصائل المعارضة الرئيسية يؤدي إلى إضعاف الفريقين ويمنح أعداء سوريا مزيداً من الأطماع في شتاتها وفرقتها".

‘الإدارة الذاتية.. تجربة ملهمة’

وحول إمكانية تطبيق تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا كحل للأزمة السورية قال محمد حبش: "نجاح الإدارة الذاتية في الشرق السوري هو تجربة ملهمة وليس بالضرورة نسخة صالحة للتقليد في كل مكان في سوريا، فهناك خصائص ديمغرافية مختلفة تتطلب وعياً آخر، ولكنه على كل حال صورة تجربة كريمة ورائعة".

وأضاف: "بالتالي فإن المطلوب أيضاً الاستفادة من الأخطاء وعدم المجاملة في الفساد والفشل الإداري فالمنطقة لا تحتمل مزيداً من الفشل وكلنا مسؤول".

‘ننظر بأمل وتفاؤل’

وفي ختام حديثه قال الداعية الإسلامي محمد حبش: "إننا في الشارع الإسلامي ننظر إلى تجربة الإدارة الذاتية بأمل وتفاؤل، وأجد الفرصة مناسبة لأشيد بدور فريق من القادة الدينين الذين يعملون في مؤسسات الإدارة الذاتية في الشمال السوري في برامج الإسلام الديمقراطي، على هدي الإمام الشهيد معشوق الخزنوي، وأنا سعيد بأن كتبي تشارك في برامج هذه المؤسسة الرائدة، فنحن جميعاً شركاء في بناء مجتمع ديمقراطي يعتز بالإسلام ولا يتحنط في خيارات السلف".

(ح)

ANHA