الحكومة الليبية الجديدة بين التفاؤل والخوف منها... يمكن أن تخدم تركيا وأجنداتها!

في الوقت الذي يعبّر فيه بعض الليبيين عن تفاؤلهم بالحكومة الجديدة المشكلة، لا يخفي البعض الآخر تخوفهم من أن تعمل هذه الحكومة القريبة من الإخوان المسلمين على خدمة تركيا وأجنداتها داخل هذا البلد ونهب ثرواته، مستفيدة من الاتفاقات السابقة التي وقّعتها مع حكومة السراج.

الحكومة الليبية الجديدة بين التفاؤل والخوف منها... يمكن أن تخدم تركيا وأجنداتها!
الثلاثاء 16 آذار, 2021   00:28
مركز الأخبار – يارا محمد – أماني عزام

نالت تشكيلة رئيس الوزراء المكلف عبد الحميد الدبيبة، الأربعاء، ثقة البرلمان الليبي في إطار خطة تدعمها الأمم المتحدة لإنهاء عقد من الفوضى والعنف، وخوض تحدي إجراء الانتخابات في 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، إذ صوّت 121 نائبًا من بين 132 لصالح منح الثقة للحكومة، بعد تعديل على نسختها الأولى.

وجاء تشكيل الحكومة بعد صراعٍ مرير على السلطة، وسلسلة من المباحثات الطويلة، إذ أعلن منتدى الحوار السياسي الليبي في 5 فبراير/ شباط من العام الجاري، عن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا تتولى إدارة شؤون البلاد في مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في كانون الأول المقبل.

وأعلن فوز فريق "المنفي" في تصويت الجولة الثانية لمنتدى الحوار السياسي الليبي المنعقد في جنيف، بـ 39 صوتًا، مقابل 34 صوتًا للقائمة المنافسة بقيادة عقيلة صالح، وتكونت القائمة الرابحة من عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة الانتقالية، ومحمد المنفي في منصب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، بالإضافة إلى عضوي المجلس موسى الكوني وعبد الله حسين اللافي.

وتضم الحكومة المقترحة 27 حقيبة وزارية موزعة على المناطق الثلاث، قسمت إلى 3 فئات، 7 سيادية، و14 خدمية، و6 إنسانية، بالإضافة إلى 6 وزراء دولة، ولكن ما دار في أروقة المحادثات قبيل الإعلان عن تشكيل الحكومة كانت قد هددت السلطة التنفيذية.

وفي هذا السياق، يقول الباحث السياسي الليبي، سعد البدري: "بعد نيل حكومة الوحدة الوطنية الليبية الجديدة برئاسة عبد الحميد دبيبة ثقة مجلس النواب الليبي، ينقسم المتابعون بين متفائل ومتخوف، فمنهم من يرى أن الحكومة الجديدة هي بارقة أمل جديدة لنهاية الأزمة الليبية، والبعض الآخر يتخوف بسبب ما يتردد حول علاقات الدبيبة القوية بجماعة الإخوان المسلمين وتركيا التي تسعى إلى نهب ثروات الشعب الليبي".

من هم رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء وأعضاء الحكومة؟

عبد الحميد الدبيبة، الفائز بمنصب رئيس الحكومة، هو رجل أعمال وسياسي ليبي من مدينة مصراتة، ومعروف بقربه من جماعة الإخوان وولائه لتركيا.

واتهم الدبيبة بشراء أصوات لأعضاء مشاركين في ملتقى الحوار ودفع مبالغ ضخمة لشراء الأصوات، وفي حزيران/ يونيو 2017، أدرجه مجلس النواب الليبي في لائحة تضم العناصر والكيانات المتهمة بالإرهاب، باعتباره ممولًا للمجموعات المسلحة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين.

كما أن الدبيبة معروف عنه بقربه من الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، حيث أدار العديد من الشركات الكبرى.

بالإضافة إلى ذلك، يترأس عبد الحميد الدبيبة تيار "ليبيا المستقبل" المعروف بنشاطه السياسي، فقد شارك باسمه في ملتقى الحوار الليبي، وواجه اتهامات في الجولة الأولى من ملتقى الحوار السياسي الذي عقد بتونس في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020 بدفع رشاوى لشراء أصوات من خلال ابن عمه عضو الحوار علي الدبيبة، للظفر بمنصب رئيس الحكومة.

أما رئيس المجلس الرئاسي، محمد يونس بشير بوحويش المنفي، فينحدر من قبيلة المنفة العربية شرق ليبيا.

ويعد المنفي متحالفًا موضوعيًّا مع الإخوان المسلمين، رغم أنه من أبناء شرق ليبيا، وذلك بعد أن شغل منصب سفير حكومة الوفاق لدى اليونان، قبل طرده منها بعد توقيع اتفاق الحدود البحرية بين الوفاق وتركيا.

أما عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، فينحدر من قبائل الطوارق الأمازيغية، وولد في مدينة غدامس جنوب غرب طرابلس.

وكان الكوني يشغل منصب سفير ليبيا في مالي، من عام 2005 حتى عام 2011، إبان حكم معمر القذافي الراحل، قبل أن يعلن انشقاقه عن النظام على خلفية أحداث 2011، كما شغل منصب عضو مجلس النواب الليبي، وعضو في المؤتمر الوطني العام.

وبحسب الآلية التي اتفق عليها أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي، فقد عاد منصب النائب الثاني لرئيس المجلس الرئاسي لإقليم طرابلس، ابن مدينة الزاوية، عبد الله حسين اللافي، في شغل هذا المنصب.

بينما اختيرت نجلاء المنقوش، وهي أول امرأة في ليبيا تشغل منصب وزارة الخارجية، وإلى جانب نجلاء المنقوش، اختيرت أربع نساء أخريات لشغل حقائب وزارية.

نجلاء المنقوش، وهي أستاذة قانون، ومحامية في القانون الجنائي، وتركز في بحوثها وعملها على عملية الانتقال من الحرب إلى السلم وبناء السلم، وفقًا لما جاء في سيرتها الذاتية المنشورة على موقع مركز الأديان العالمية والدبلوماسية وحل النزاعات (CRDC).

بينما احتفظ الدبيبة لنفسه بمنصب وزير الدفاع، على غرار ما كان عليه الأمر في الحكومة السابقة، المنتهية ولايتها برئاسة فائز السراج.

شراء أصوات!

وهددت أزمة جديدة السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، بعد تسريب تقارير أممية تفيد بتلقي بعض الأشخاص المشاركين في الحوار رشاوى للتصويت لصالح رئيس الحكومة الجديدة، عبد الحميد الدبيبة.

وذكر خبراء في الأمم المتحدة في تقرير رفع إلى مجلس الأمن، أنه "تم شراء أصوات ثلاثة مشاركين على الأقل" في محادثات السلام الليبية التي ترعاها الهيئة الدولية، وفق وكالة فرانس برس.

ووجد خبراء الأمم المتحدة أنه خلال محادثات تونس عرض اثنان من المشاركين "رشاوى تراوح بين 150 ألف دولار و200 ألف دولار لثلاثة أعضاء على الأقل في منتدى الحوار السياسي الليبي إذا التزموا بالتصويت للدبيبة كرئيس للوزراء".

وقبل أشهر، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، إن هناك مزاعم جادة حول وجود ممارسات فساد واستخدام للمال السياسي فيما يتعلق بعملية الترشيح لمنصب رئيس الوزراء.

وأكدت أن هناك تحقيقًا يجري في هذا الصدد لكشف ملابسات الموضوع، وبأنه في حال إدانة أطراف معينة، فإنها ستتعرض لعقوبات دولية.

ويعكس فوز المنفي والدبيبة شكل الثقل السياسي في السلطة التنفيذية الجديدة، التي يُهيمن عليها الإخوان، إما مباشرة عبر رئيس الحكومة، أو عبر رئيس المجلس الرئاسي الجديد، بالتحالف.

'ارتباط تركي بالحكومة الجديدة'

ويربط الفريق الحكومي الجديد علاقات واسعة مع تركيا والإخوان المسلمين، وتجلى هذا عقب أول تصريح للدبيبة عقب انتخابه رئيسًا للحكومة الانتقالية، إذ قال إنه "سيكون هناك تضامن بين تركيا وليبيا"، وأضاف: "تركيا حليفة وصديقة وشقيقة، وعندها من الإمكانات الكثير لمساعدة الليبيين في الوصول إلى أهدافهم الحقيقية. وتركيا تعتبر من الشركاء الحقيقيين لنا".

وفي السياق ذاته، كان أردوغان من الأوائل الذين بادروا إلى الاتصال بالفائزين في إدارة الحكومة الانتقالية، في مشهد يعكس حجم الارتياح التركي تجاه السلطة الليبية الجديدة، وأعرب في 6 شباط / فبراير عن تمنياته بالنجاح لكل من "المنفي" و"دبيبة" في مهامهما الجديدة.

وكانت صحيفة بريطانية، قد كشفت في تقرير لها في كانون الثاني/ يناير الماضي أن عائلة "الدبيبة" التي تنشط في مجالات البناء، وتتولى إدارة مرافق حيوية في غرب ليبيا، منحت نحو 19 مليار دولار من عقود البناء الليبية لشركات تركية.

ويرى مراقبون أن الدعم التركي للحكومة الانتقالية الجديدة في ليبيا قد ساهمت في تقليص دور الشخصيات التي تعارض تدخلها بشكل صريح في الداخل الليبي، وهو ما يمثل خطوة نحو تهميش خصوم أنقرة في الداخل الليبي، خاصة أن تركيا ترى أن أحد التحديات الرئيسة أمام استمرار تغلغلها في ليبيا لا يرتبط فقط بمعارضة إقليمية ودولية، قدر ما يرتبط بتصاعد حالة رفض قطاعات ليبية شعبية وسياسية واسعة ضد الانخراط التركي في الداخل الليبي.

'ملفات عالقة'

وبينما لا يزال ملف الاتفاقات التي وقعتها حكومة فايز السراج في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، لترسيم الحدود البحرية في البحر الأبيض المتوسط مع تركيا، بالإضافة إلى اتفاق حول التعاون الأمني والعسكري الموسع، وبموجبه أرسلت أنقرة نحو 20 ألف مرتزق سوري و10 آلاف متطرف من جنسيات أخرى إلى طرابلس، عالقًا.

ودعت كل من مصر وقبرص واليونان، الجمعة، الحكومة الليبية الجديدة إلى إلغاء كافة مذكرات التفاهم الموقعة من قبل تركيا ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج، وشددت في الوقت نفسه على ضرورة خروج المرتزقة من البلاد.

وفي هذا السياق، يرى الباحث الليبي، سعد البدري، أنه من السابق الحكم على انتماءات الدبيبة السياسية، موضحًا أن الاتفاقات البحرية التي أبرمتها الحكومة السابقة مع تركيا هي من أصعب الملفات التي تواجه الحكومة الجديدة والمجلس الرئاسي.

وأضاف: "أعتقد أن هذه الاتفاقات محل رفض دولي وإقليمي ومحلي، خاصة من قبل مجلس النواب والقيادة العامة للقوات المسلحة".

وأكد البدري أن هناك جانب تشريعي يقف أمام هذه الاتفاقات كونها اختصاص أصيل لمجلس النواب للمصادقة عليها؛ بحسب الإعلان الدستوري، معتبرًا هذه الاتفاقات من أصعب الملفات التي ستواجه الحكومة الجديدة.

وتعليقًا على ملف المرتزقة والمجموعات الأجنبية على الأراضي الليبية، قال البدري: "تطرق رئيس الحكومة الجديدة إلى ملف المرتزقة وتعهد أمام جلسة مجلس النواب قبل نيل الثقة بإخراج كافة المرتزقة من ليبيا، وكذلك طالبت كلًّا من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بضرورة إخراجهم، ووقف كافة التدخلات السلبية بالملف الليبي".

وتابع: "لكن التزام هذه الأطراف من عدمه يتوقف على مدى جدية المجتمع الدولي للتعاون مع الحكومة الجديدة لاستقرار ليبيا، والتمهيد لانتخابات كانون الأول/ ديسمبر المقبل"، مؤكدًا أن التدخلات الخارجية منذ 2011 هي من أوصلت ليبيا إلى هذا الوضع.

وفيما يخص موقف اللجنة العسكرية (5+5) من الحكومة الجديدة، أكد البدري أن موقفها مرتبط بالمواقف السياسية لكل جهة، و "هنا أعني معسكر الكرامة، ومعسكر الغرب الليبي".

إلى ذلك، أشار البدري إلى أن الانتخابات المزمع إجراؤها، أواخر العام الجاري، ستكون إما باكورة الحل والانطلاق نحو مرحلة دائمة مستقرة، أو أنها ستخضع لإملاءات خارجية وتزيد الوضع سوءًا وتتجه بالبلاد نحو نفقٍ مظلم حقيقي.

وبحسب البدري، فإنه "من المفترض أن تكون من أولوياتها (الحكومة) توحيد المؤسسات، ومعالجة المختنقات الأساسية للمواطنين"، مشيرًا إلى أن عملهما سيكون صعبًا في هذا الاتجاه بسبب الانقسام المؤسسي والميليشيات المسلحة التي تفرض هيمنتها على مؤسسات الدولة في الغرب الليبي.

(ح)

ANHA