​​​​​​​

قال الباحث أحمد بلدا: إنّ احتجاجات جنوب كردستان لا تتعلّق فقط بالوضع الاقتصادي، بل تتعلق أيضاً بالنّظام الحاكم، فالإدارة تتستر على ميزانية جنوب كردستان، كما أنّ الاتفاقيات السرية مع تركيا لا تنحصر بموضوع النفط فقط، بل هناك أشياء أخرى، والمخابرات الأمريكية هي التي تدير هذه الاتفاقيات".

​​​​​​​
الخميس 17 كانون الأول, 2020   23:22
مركز الأخبار- جيهان بلكين

تتصاعد يوماً بعد يوم الاحتجاجات في جنوب كردستان على خلفية عدم دفع رواتب الموظفين، وخرج المحتجون في العديد من مدن جنوب كردستان، مثل السليمانية ورانيا وكرميان وكلار وحلبجة ودهوك وشارزور، وأحرق المحتجون مقرات الأحزاب السياسية الرئيسية، فيما لجأت إدارة جنوب كردستان إلى العنف في مواجهة الاحتجاجات، ممّا أسفر عن فقدان 8 أشخاص بينهم 3 أطفال وإصابة عشرات آخرين، كما اعتُقل العديد من المدنيين بينهم صحفيون.

وللحديث حول الأزمة الاقتصادية في جنوب كردستان، والاحتجاجات الشعبية أجرينا لقاءً مع الكاتب والمختص في الشؤون الاقتصادية أحمد بلدا.

"أزمة اجتماعية خلف الستار"

بلدا أشار إلى أن هناك أزمة اجتماعية خلف ستار الاحتجاجات الشعبية، وأضاف: "القضية تتعلّق بالأزمة الاجتماعية والسياسية، وكذلك بالفن والصناعة، وبجميع هياكل هذا النظام، ففي جنوب كردستان يتغيّر التعداد السكّاني، والأهالي يبقون عاطلين عن العمل، والمجتمعات المتقدّمة تطوّرت في الصناعة، وبسبب ضعف النظام التعليمي في جنوب كردستان، فإن هذا ما يحدث مع الشباب، لقد تم إخراج الأهالي من القرى، وتم فصلهم عن الطبيعة، وإسكانهم في المدن، ومنحوهم الرواتب، والآن لا يستطيعون دفع الرواتب، كما أنّ إدارة باشور أنشأت نظام حكم عائلي لا يرغبون  بانهياره، وعليه فإنّ رفض الشّعب يتصاعد ضد هذا الوضع يوماً بعد يومٍ، وإدارة الإقليم لا تتفاوض مع أحد، ولقد حدثت احتجاجات عدة مرات في بغداد، وكانت الحكومة تتفاوض مع المحتجّين، واستجابت لمطالب المحتجّين، وأجرت الانتخابات، حيث تم انتخاب الكاظمي، وجنوب كردستان يتبع لهذه الدولة، ولكنّه لا يتبع نفس النموذج، بل إنّه يتعامل مع الاحتجاجات بالسلاح، ويسعى إلى القضاء على الاحتجاجات، وهذا التصرُّف لا يجلب الحل بل على العكس يفاقم الأزمة".

"البذور التي تزرع اليوم ستثمر غداً"

بلدا نوّه إلى أنّ الشّعب يحتجّ على موضوع المعاشات، ولكن وراء الستار هنالك مطالب واستياء شعبي من الأزمة، ويجب أن تستند هذه الاحتجاجات إلى عقليّة تنظيميّة، فإذا لم تلتزم بذلك، فإنّها سوف تتبدّد بعد فترة، فغالباً ما تحدث مثل هذه الاحتجاجات بسبب المعاشات أو لأسبابٍ أخرى تتعلق بالاستقرار، وفيما بعد فإنّ المحتجّين يبدؤون ببناء توجّههم السياسي والتنظيمي في هذه الاحتجاجات، وسوف يؤسّس الشعب تنظيمهم، ويجبرون الإدارة على التّغيير، وعلى الانسحاب، فالتغيير أمر ضروري وسوف يتم على أولئك الذين يقاومون الآن، واليوم يتم زرع البذور ولكن غداً سوف تثمر هذه البذو، ولم تكن هناك مشكلة اقتصادية في جنوب كردستان أثناء هجوم داعش حيث  طالب جنوب كردستان دول العالم بمدّه بالسلاح، إلّا أنّ بعض المسؤولين الدوليين قالوا لمسرور بارزاني بأن يبيع عدداً من شققه في أمريكا ويشتري بثمنها السلاح، والأمر كذلك فيما يتعلق بالرواتب".

’المشكلة في النظام نفسه‘

وأضاف بلدا: "إذا قاموا بنقل أموالهم الموجودة في أمريكا ولندن وأوروبا، وبشكل خاص أموالهم الموجودة في تركيا، إلى جنوب كردستان، فلن تبقى هناك أيّة مشاكل، لكن قضية الشعب لا تتعلّق بالرواتب فقط، بل القضية تتعلق بالنظام نفسه، و بإمكان جنوب كردستان التواصل مع دول الخليج، وتطوير العلاقات معها، والحصول على الأموال، فلماذا لا تحسن دولة جنوب كردستان علاقاتها مع دول الخليج؟ وسبق أن قدّمت السعودية عدة مليارات من الدولارات إلى الإقليم، فلماذا لا تعزّز إدارة جنوب كردستان هذه العلاقات وتعمل على حل هذه المشكلة؟ والجواب هو أنّ هناك ترجيح سياسي، فحكومة جنوب كردستان لا تستطيع التعامل مع أي طرف سوى تركيا ،وعلاقة تركيا ليست جيدة مع دول الخليج ،ومع السعودية، لذلك لا يستطيع جنوب كردستان تطوير العلاقات معها، لذا نجد أنّ إدارة باشور ارتبطت مع تركيا، لدرجة أنّها لا تستطيع تطوير أيّة علاقات مع أمريكا وإيران والدول الأخرى أيضاً. ولا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة بدون تركيا، لماذا ارتبطت بتركيا لهذه الدرجة؟ لأن هذا هو الخيار الاقتصادي لتركيا."

"بإمكان المحتجّين تحقيق العديد من التغييرات"

ونوّه بلدا إلى أنّ الاستياء الشعبي لا يتعلق فقط بالوضع الاقتصادي، بل إنّ هناك رفضاً لسياسات إدارة جنوب كردستان، وسياسات الدولة التركية، وأضاف أيضاً: "إنّ هذه الاحتجاجات هي مطالب الشعب بالحرية والاستقلال، والشعب خرج إلى الميادين من أجل تحقيق إرادته، وهذه الطليعة تستطيع أيضاً حل القضية الكردية بشكل عام، وأن تكون بمثابة مثال يُحتذى به في الشرق الأوسط، كما فعلت مقاومة كوباني في عام 2014، وكيف حقّقت تغيّيرات كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، وعليه فإنّ الاحتجاجات في جنوب كردستان أيضاً من شأنها تغيير أمور كثيرة، فشعب الإقليم يطالب بأن تكون إرادته في يده، والمعركة إذاً معركة إرادة."

"يتم تقاسم ميزانية الإقليم في الخفاء"

بلدا أشار أيضاً إلى أنّ إدارة إقليم جنوب كردستان لا ترغب في حل هذه الأزمة، بل إنّها تعمل على استغلال هذه الأزمة: "فإدارة إقليم جنوب كردستان هي التي تفتعل هذه الأزمة، ولقد خصّصت لنفسها ميزانية تعتمد على جزء ضئيل منها على أموال النفط وعلى أموال بغداد، ولا يوجد لديها رصيد من الإنتاج الصناعي أو الزراعي، كما أنّهم لا يكشفون عن جميع عائدات الجمارك، حيث يتم رصد جزء ضئيل منها في الميزانية، أمّا ما تبقى فإنه يذهب إلى جيوب الأحزاب التي تتقاسمها فيما بينها، وهذه الميزانية الضئيلة لا تكفي الشعب، لذا يجب أن يتم الكشف عن جميع مصادر الأموال،  وأن تكون أموال عائدات المعابر وأموال النفط معروفة ومكشوفة، وعندها لن تكون هناك أيّة حاجة لا إلى بغداد ولا إلى أمريكا ولا إلى هذه السياسة المتأزّمة، و بهذا الشكل يمكنها تغيير طبيعة سياستها، وتستطيع أن تطلب من تركيا بأن تقف عند حدها، وبإمكان باشور تجاوز تركيا والتوجُّه عبر بغداد إلى الأردن وإلى مصر أيضاً. وعبر روج آفا بإمكانها الوصول إلى سوريا، والوصول إلى البحر المتوسط، وفتح طرق بديلة عن تركيا، وقتها لن تكون بحاجة إلى تركيا، وتستطيع اتباع سياسة مختلفة، لدى جنوب كردستان مثل هذه الفرص والإمكانيات، ولكن حكومة الإقليم لا تفعل ذلك عن قصد، ولذلك فإن لا أحد يعلم ما هي مصادر الأموال وكيف يتم تقاسمها".

"المخابرات الأمريكية تشرف على الاتفاقيات"

وأظهرت معلومات متداولة أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني أبرم اتفاقية سريّة مع الدولة التركية، حول بترول جنوب كردستان وحول حيثيات الاتفاقية قال بلدا: إنّ المسؤولين في جنوب كردستان لم ينكروا هذه المعلومات المتعلّقة بالاتفاقية، وأضاف بهذا الصدد: "قبل أيام تحدّث أحد المسؤولين وقال إنّهم لا يبيعون البترول إلى تركيا، بل يتم تصديره عبر الأراضي التركية، في محاولةٍ للتغطية على الموضوع، طبعاً هناك أمور سرية وخفية في تلك الاتفاقية لا نعلم عنها شيئاً، وجنوب كردستان تحول إلى جزء من تركيا، ليس من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والتجارية، بل من الناحية السياسية أيضاً، ولا تستطيع أن تتصرّف في أي شيء دون الرجوع إلى تركيا، ولا بدّ من أن تلك الأمور سوف تنكشف، لأن التوازنات والإدارات تتغيّر، وسوف تنكشف هذه الأمور قريباً، لأن الإدارة التركية الحالية لا تستطيع الاستمرار، ولا بد أنها سوف تتغير، ولقد تم تحويل موضوع اتفاقيات البترول إلى موضوع استخباراتي. رئيس وزراء جنوب كردستان كان سابقاً مسؤول المخابرات في الحزب الديمقراطي الكردستاني، والسؤال هو؛ هل هذه الاتفاقية محصورة فقط بموضوع البترول؟ أنا أشك في ذلك، فأنا أعتقد أنّ هناك مواضيع سياسية واستخباراتية في هذه الاتفاقية، وجميع هذه الأمور خفية وسرية، وعائلة بارزاني، هي التي تتحكّم بجميع مفاصل الإدارة من الرئاسة إلى رئاسة الوزراء، والوزراء والقوات العسكرية، وعليه فإنّ عائلة ،بارزاني، لم تعد مجرّد عائلة بل أصبحت قوة، ولذلك لا يُعرف ما هي الاتفاقيات التي أبرمتها هذه القوّة، وما هي مقدار ثروتها، ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة لعائلة ،أردوغان، وكذلك عائلة ،حيدر علييف، في أذربيجان، ليست لديهم علاقات مع الدول المتقدّمة التي تعتمد على الاقتصاد المفتوح، بل إنّ هناك دائرة خاصة بهم، والمخابرات الأمريكية هي التي تدير هذه الدائرة، والاتفاقيات السريّة تتم على يد المخابرات الأمريكية، و أمريكا تقول إنّ هذه القوى ستبقى مرتبطة بها بقدر ما تنجز من الأمور والاتفاقيات السرية، وإذا رغبت أمريكا يوماً بتغيير هذه الإدارات فإنّ عليها أن تكشف عن الوثائق السرية، ولكن أمريكا تستخدم تلك الاتفاقيات كورقة ابتزاز ضد هذه الإدارات وتحصل منها على تنازلات".

"ربما يتم تقسيم جنوب كردستان"

وحول توقعاته بشأن الأزمة في جنوب كردستان قال بلدا: "ربّما يتم حل مشكلة الرواتب قريباً، سواء بالحصول على الأموال من بغداد أو من تركيا أو من جيب أحد ما، وإخماد هذه الاحتجاجات بطريقة ما، ولكن هذا الأمر لن يحل المشكلة، وسوف ينتفض الشعب مرة أخرى بعد فترة، لن يتم حل هذه المشكلة ما لم يتغيّر هذا النظام، وسوف تستمر هذه الأزمة إلى أن يشارك الشعب في الإدارة. وكما هو معلوم أيضاً فإنّ هناك انتخابات ستجري في العراق، وهناك موضوع كركوك السياسي، وكذلك قضية شنكال، والهجمات التركية، وبالنظر إلى كل هذه العوامل فإنّه من الواضح أنّها ستكون سبباً في عدم الاستقرار في جنوب كردستان، وإدارة جنوب كردستان لم تجرِ أيّة استعدادات لهذا الأمر، بل إنّ استراتيجيتها الأساسية قائمة على الحفاظ على سلطتها، وإذا لم تتدخل القوى الخارجية، فمن الممكن أن يتم تقسيم جنوب كردستان داخلياً إلى جزأين، ومن ثم إلى ثلاثة، وبالتالي نسيان موضوع المناطق المتنازع عليها، وعليه فإن هناك احتمال أن يخسر جنوب كردستان وضعه الإداري الحالي، مثل هذا الخطر ماثل أيضاً".

(ك)

ANHA

<iframe width="1280" height="720" src="https://www.youtube.com/embed/db1Bl2HSpSQ" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>