​​​​​​​هل أنّ دستور سوريا الجديد بعلاقة وهذه اللجنة الدستورية؟

​​​​​​​هل أنّ دستور سوريا الجديد بعلاقة وهذه اللجنة الدستورية؟
الأربعاء 9 كانون الأول, 2020   05:21
سيهانوك ديبو

قبل نحو أسبوعين، أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، أنه لا يجب أن يتم تعويل الآمال على اجتماع اللجنة الدستورية السورية القادم، أي (الذي انتهى جولته الرابعة الجمعة الماضية دون نتائج)، النتيجة الوحيدة التي حُقّقت وتكاد تكون لصالح المبعوث الأممي لحل الأزمة السورية؛ هي أن هذه الجولة حددت موعدًا لاحقًا لاجتماع جديد في نهاية يناير/ كانون الثاني من العام الجديد.

كيف استُبدلت العملية السياسية السورية بالدستورية فقط؟

يُذكَر أن نحو سبعين نزاعًا مسلحًا حدث في أصقاع العالم –بعضها مستمر إلى الآن- منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. سوى أن أيًّا منها لم يُحل عن طريق الحلول القانونية أو عبر آلية الدستور، وإذا أمعنا في حيثيات ومواد قرار مجلس الأمن رقم 2254 نجده يدعو إلى نظام سياسي سوري ديمقراطي غير طائفي، من خلال قيام عملية سياسية مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية: حكومة انتقالية، انتخابات حرة ونزيهة، ودستور سوري جديد.

 لكن ما حدث يُعدُّ بمثابة عملية تقنين كبيرة، إنْ لم نقل إقحامها في إنجاز الدستور السوري الجديد، والإيهام بأنه مفتاح الحل لتطبيق بيان جنيف 2012، وكذلك القرار 2254، حتى الأخيرة باتت منتقلة من دستور جديد إلى خانة الإصلاح الدستوري، ولا يمكن اعتبار الإصلاح الدستوري بأنه يُفضي بالضرورة إلى دستور جديد؛ ربما في أحسن الأحوال إلى تعديل في الدستور الجديد؛ أي دستور سنة 2012 والذي يعدّ شكلًا آخر عن سابقه.

الدساتير بقدر ما تحتويه من مواد قانونية عمياء يكتبها بشر يبصرون؛ لكلّ منهم عينه وعقله المشحوذ للقراءة المنفردة لها وكيفية تطبيقها، بقدر ما هي كذلك، لكنها يجب أن تكون في الحالة السورية بمثابة مخرجات تبحث في أسباب الحرب الأهلية السورية- الانفجار السوري- الأزمة السورية- الصراع على سوريا؛ أيًّا منها وغيرها؛ تبحث في الأسباب وتحل دوافع الأزمة بدلًا من إعادة تدويرها، بدلًا من إعادة تدوير نظام الاستبداد المركزي؛ كما يحدث في المسمى بهيئة التفاوض السورية، وبشكل أخص في اللجنة الدستورية المصغرة، وهي التي يؤخذ عليها الكثير من النواقص بشكل لا يؤهلها أن تكون المفتاحية التي يتشكل على يدها الحل الديمقراطي السوري، لكن كيف؟

- لا اختلاف كبير بين من يجتمع اللحظة في جنيف الدستورية السورية، إذْ يمكن القول إن الخلاف بين وفدي النظام – المعارضة يكمن في ظاهر الشكل أكثر بكثير من تحديد المضمون وتوصيف آليات التغيير الديمقراطي الجذري الشامل. أي يمكن القول بأنه تنافس على مكاسب السلطة.

- الوفد الذي يمثل السلطة السورية يسمى حتى اللحظة بالمدعوم منها، ولا يمثلها، كما أن الوفد الذي يمثل (المعارضة السورية) فبتأثير محدود وخِلاف غير محدود بين أعضائه؛ ربما هو الخلاف بسبب كيفية تجميع أغلبيتهم، أما آخر هذه الخلافات فأدت في اجتماع هيئة التفاوض الأخير إلى انقسام بينهم؛ ناهيكم عن الخلافات المستشرية بين أعضاء أغلب المنصات على حدة؛ وهذا ليس بالاكتشاف؛ إنما بالمرصود المعلن.

- كلا الوفدين منفصلان عن شعب سوريا والتغيير الذي يحتاجه.

- وفدا السلطة والائتلاف يمثلان أو مرتبطان أو مقحمان في توافقات الدول المنخرطة في الصراع السوري وتباعداتها، وفي الوقت نفسه مع الإيقاع الذي يأتي عن وجود هذه الدول في أماكن أخرى من المشرق الأوسط إلى شرق المتوسط إلى وسط آسيا، وهذا يأتي بدوره عن حجم ربط الملف السوري بالملفات الأخرى؛ اللحظة بكشمير.

- لا يتمتع وفد المعارضة؛ أقلّه وهو المحسوب على المعارضة؛ بالإرادة الكافية لاتخاذ قرار وضع الإصبع على الجرح السوري، كيف يُستطاع وقف النزيف السوري؟ ما هي أسباب الأزمة وأين تكمن؟ كيف يتحقق الاجتماع السوري العادل، ويتحقق عقده الاجتماعي العصري المُنبئ بعهد سوري جديد، أي قيم الجمهورية السورية الثالثة؟ وأيّها الصيغ/ المبادئ الأساسية/ المواد الدستورية الصماء التي تضمن منع الانزلاق مرة أخرى، وتجعل سوريا وطنًا حقيقيًّا لكل السوريين؟ ما هي سبل مشاركة السلطة عبر آليات الديمقراطيتين التشاركية والتمثيلية؟ وعن اللامركزية التي تضمن ممارسة حقيقية لسلطة الشعب في المناطق وتحقيق إرادته في المركز؟

- يمارس وفد الائتلاف عملية تسويف متقدمة، في الوقت الذي يمارس وفد السلطة عملية مماطلة ممنهجة، ولأن الوفدين لا يحظيان بالتوازن المطلوب؛ إنْ من حيث التمثيل أو التأثير، فإن عملية الإتيان بنتائج ناضجة تكاد تكون فرصها معدومة الحصول، لذا من المهم فرض عملية تفاوض بين المعارضة نفسها قبل تفاوضها مع النظام؛ وهذا يلزم ويفضي بالنتيجة إلى إعادة هيكلة لهيئة التفاوض ولعموم اللجنة الدستورية السورية.

من المؤكد أن أسباب أخرى وربما كثيرة يمكن تناولها في هذا المضمار، ربما تم ذكر المفصلي منها، أو التي تمنع أو تحد من أن تتحول الدستورية ولجنتها إلى أداة تضمن الانخراطين الإقليمي والدولي بدلًا من تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة السورية، الأزمة التي تشهد أخطر مراحلها بعد محاولة إخراجها من باب جزئية الإصلاح الدستوري كأحد المقومات الجوهرية في مذكرة دانانغ المشتركة بين الرئيسين بوتين وترامب في نهاية عام 2017.

بالطبع كان ذلك طرح موسكو من محور النقاشات التي دارت بينها وواشنطن في آذار/ مارس 2015، الذي جاء بعدها بشهرين تقديم موسكو المسودة الأولى من الدستور؛ التي رفضتها المعارضة قبل السلطة، كمثلها نصيب المسودة الروسية الثانية قبل نحو ثلاث أعوام من الآن، علمًا أنه يمكن اعتبار تلك المسودتين بالجديدة وبالمهمة وتحظى بإمكانية متقدمة على ملامسة التغيير الحقيقي في سوريا، لم يتم إلقاء الضوء عليها كثيرًا، ولم تحظَ بالاهتمام المناسب.

وعلى الرغم من قبول البُلدان السبعة في المجموعة المصغرة (أمريكا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، السعودية، مصر، والأردن) لفكرة ثلاثي آستانه (روسيا، إيران، وتركيا) القاضية بتشكيل لجنة دستورية في نهاية كانون الثاني/يناير 2018 (تحديدًا في اليوم العاشر من هجوم تركيا الأردوغانية على عفرين)؛ القبول بشرط ألا يكون مسار سوتشي بديلًا عن مسار جنيف إنما بالمكمِّل له، سوى أنه يمكن القول إن اقتراح اللجنة الدستورية كان بمثابة هدف كبير للثلاثي على شباك سباعي المجموعة المصغرة، وليس له علاقة حاسمة في أن انخراط دمشق بالعملية السياسية يأتي فقط عن طريق هذه اللجنة التي افتقرت إلى قوة الميكانزيم، وبالأهداف الباهتة، وهذا ما أدى إلى تدني فرص أن تكون سوريا أمام حل فعلي وواقعي وحقيقي.

'مصير اللجنة الدستورية الحالية'

إن الميل نحو منطق إدارة الأزمة السورية بدلًا من حلها سيؤدي إلى الكارثة الكبيرة من بعد انهيار كامل في البنية السورية، وبالتالي المزيد من الاستثمار في اللجنة الدستورية الحالية، وسيكون هذا الاستثمار خارج إرادة أعضاء اللجنة بشقيها: السلطة ومعارضيها، كما أن إعادة التوازن بين المجموعة السباعية المصغرة وثلاثي آستانه؛ إن لم نقل بين راعيي حل الأزمة السورية الأساسيين: أمريكا وروسيا؛ فإنه على الأغلب سينتج عن إعادة التوازن تأثير ملموس يؤدي –ربما- إلى إنهاء عمل هذه اللجنة، أو إطلاق نقطة بداية جديدة يتحدد من خلالها انطلاق مسار أكثر إيجابية للعملية السياسية السورية برمتها، وربما سيكون ذلك أيضًا بمثابة طرق حقيقي على باب حل الأزمة السورية، وإلجام تركيا الأردوغانية من تهورها ووضع حد لشهيتها المفتوحة بالمزيد من الاحتلالات، وبالتالي رفع هيمنتها على مقاليد هيئة التفاوض من خلال الجسم المتداعي بالأساس (الائتلاف) وجماعاته المسلحة المحسوبة عليه ظاهريًّا، أما فعليًّا فإنها تتحرك وفق أوامر ورغبة أنقرة فقط.

أما إذا لم تحل مسألة مشاركة مجلس سوريا الديمقراطية كممثل عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية في العملية السياسية السورية، وأيضًا مشاركة قوى وشخصيات سياسية فاعلة، فإنه ينبغي على السباعية في المجموعة المصغرة أن تطالب بوقف عمل هيئة التفاوض وحل اللجنة الدستورية، والدعوة إلى عقد اجتماع الرياض3 –إحدى تداعيات القرار 2254- يخرج عنه انتخاب هيئة تفاوض جديدة ولجنة دستورية جديدة دون وصاية أو فيتو تركي. من الممكن جدًّا أن تحتوي موسكو هذا الموقف وتتفهم وفقًا لما حققته من مكاسب منذ انخراطها في سوريا من سبتمبر/أيلول 2015، على عكس نظام أنقرة الذي حان أنْ يتفرغ لأزماته الداخلية ولتداعيات سياساته المتهورة كدولة غير طبيعية، وربما طهران التي سيكون أغلب اهتماماتها في إيجاد تسوية للملف النووي ورفع العقوبات عنها.

'خلاصة'

لو قدِّر قيامٌ مؤقتٌ لمن عرف باكرًا التشريع والأعراف والقوانين كما أهل بابل وميديا والإغريق وصولًا إلى فرنسا الروسوية/ جاك روسو، وإلى آباء أمريكا المؤسسين؛ فإنهم سيؤكدون بأن دستورًا ما؛ مهما بلغ من قوة؛ لن يحل أزمة سوريا في عامها العاشر كمثال عن أزمة/ ات المشرق الأوسط، ربما يقتنعون بإجراء محاكمة براديغما عادلة؛ يخلصوا منها؛ بأن سوريا كما المشرق الأوسط مجموع من القوميات والأديان والطوائف وعموم ثقافات تتكامل؛ كأجزاء من كلية يشتركون فيها عبر صيغ وقيم الديمقراطية، ديمقراطية القبول، الكل يقبل الكل، والكل يتمم الكل.

ولا يبدو بالمفاجأة في أن الانعطاف الحقيقي صعب المراد، بخاصة حين تكون وسيلة تحقيقه منوطة بالدستورية؛ خصيصًا الدستورية السورية الحالية، ومع ذلك، فإن كل مقاربة من شأنها أن تمنع زيف العملية السياسية وتسويفها، وكل خطوة تمنع تضليل الرأي العام السوري، وكل حركة وحراك نحو عملية سياسية حقيقية ولجنة دستورية متوازنة يمكن أن تشكل بارقة أمل يحتاجها شعب سوريا بجميع مكوناته، فنكون أكثر اقترابًا على حل القضية التي نحتاجها كبشر: القضية الديمقراطية.