الذهب الأبيض في الرقة بين الماضي والحاضر

يعدّ القطن من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية في سوريا نظراً للأهمية التي يحظى بها عالمياً والتي جعلته يكسب لقب "الذهب الأبيض" وعلى الرغم من الاهتمام الذي حظيت به زراعة القطن في سوريا إلا أن كميات الإنتاج شهدت تراجعاً كبيراً بعد بدء الأزمة.

الذهب الأبيض في الرقة بين الماضي والحاضر
الجمعة 15 مايو, 2020   00:33
الرقة - خالد الجمعة

عاماً بعد عام تنخفض المساحات المزروعة بمحصول القطن في الرقة حيث بلغت نسبة الزراعة هذا العام 20%، بعد أن كانت تشكل أكثر من 60% من المساحات المزروعة، وأكد المزارعون أن سبب التراجع هو غلاء مستلزمات زراعته وأهمها الأسمدة.

وتحتل محافظة الرقة المرتبة الأولى محلياً في زراعة القطن والإنتاج حيث كانت تنتج  قبيل بدء الأزمة السورية 250 ألف طن من القطن سنوياً في حين كان الإنتاج الكلي لسوريا في ذلك الوقت 750 ألف طن، ما يؤكد أن محافظة الرقة كانت تنتج ثلث كمية القطن السوري بشكل عام، وفي عام 2011 أي مع بدء الأزمة السورية انخفض الإنتاج في الرقة ووصل إلى 120 ألف طن وبدأت زراعته تنحسر تدريجياً.

وبلغت المساحة المزروعة بالقطن  في محافظة الرقة عام 2018 ما يقارب الـ 45 ألف هكتار، وهذه المساحة تشكل نسبة 88% من المساحات المزروعة وسطياً في الأعوام الماضية، والمقاربة لـ 50 ألف هكتار، بينما كانت المحافظة تزرع في 2011 حوالي 134 ألف هكتار وفق أرقام المجموعة الإحصائية الزراعية السورية.

أسباب عديدة جعلت من زراعة القطن في الرقة تتراجع بعد عام 2011 وأهمها الخراب الذي خلفته الفصائل المرتزقة في مضخات مياه الري والقنوات إبان سيطرتها على الرقة عام 2013، حيث انقطعت مياه الري عن بعض المناطق في الرقة لمدة تجاوزت العام، إلى أن تمكن الأهالي من إصلاح الأعطال التي خلفتها الفصائل، وتشغيل مياه الري بعد معاناة كبيرة.

وأثناء سيطرة مرتزقة داعش على مدينة الرقة لمدة 4 أعوام متتالية فرض المرتزقة حصاراً خانقاً على الأهالي ومنعوهم من السفر، ومنعوا تصدير واستيراد الموارد الزراعية من خارج المنطقة، إلا عن طريق المرتزقة أنفسهم وبأسعار مرتفعة جداً لا تتناسب مع مردود الموسم.

البذور والأدوية التركية من أسباب تراجع إنتاج القطن في الرقة

إبان سيطرة مرتزقة داعش على مدينة الرقة كان المرتزقة يستوردون بذور القطن والمبيدات الحشرية من تركيا، وبحسب ما أفاد المزارعون فإن البذور والمبيدات كانت سيئة للغاية، وأثرت سلباً في كميات الإنتاج، ولم تقضِ المبيدات على الآفات الحشرية، حيث كان ينتج القطن في الدونم الواحد قبل عام 2011 من 450 إلى 650 كغ في الدونم الواحد، بينما انخفض الإنتاج طيلة الأعوام الأربعة في الرقة إلى أقل من 200 كغ في الدونم الواحد.

وأدى ارتفاع أسعار المحروقات إلى توقف المئات من المزارعين الذين تبعد أراضيهم عن نهر الفرات وأقنية الري عن زراعة القطن في أراضيهم، وذلك لأنهم يحتاجون إلى تشغيل محركات المياه التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود.

وبعد تحرير المنطقة من مرتزقة داعش على يد مقاتلي ومقاتلات قوات سورية الديمقراطية باشر مجلس الرقة المدني ولجنة الزراعة المنبثقة عنه بوضع خطط لدعم الواقع الزراعي، وباشر المجلس بالعمل على تأهيل مضخات مياه الري التي قامت مرتزقة داعش بتدميرها في وقت سابق من احتلالهم للمنطقة ووضعها في الخدمة.

وتعرض موسم القطن في الرقة عام 2018 للهجوم من قبل آفات حشرية منها الدودة الشوكية أو ما تسمى علمياً "دودة اللوز" وجرب الأهالي العديد من المبيدات الحشرية لكنها لم تجدِ نفعاً وأثّرت في الإنتاج حيث لم يتجاوز إنتاج الدونم 200 كغ، علماً أنه كان من المتوقع أن يبلغ إنتاج الدونم من 300 إلى 400 كغ.

وفي موسم الـ 2019انتعشت زراعة القطن على الرغم من انخفاض المساحات المزروعة، حيث بلغ إنتاج الدونم الواحد من القطن ما يقارب الـ400 كغ في الرقة وحدها، وبلغت كميات القطن المسلمة إلى الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية في العام نفسه 43800 طن من كافة المناطق.

وكانت الإدارة الذاتية قد افتتحت 5 مراكز على مستوى شمال وشرق سوريا في بداية استلامها للقطن من المزارعين في الـ 25 من شهر أيلول من عام 2019، وهي كل من مركز المحلج في الحسكة، المبروكة في رأس العين، الـ 10 كم في دير الزور، السلحبية في الرقة، مركز الجلبية في كوباني.

ولجأ مزارعو الرقة هذا العام إلى زراعة القمح بكميات كبيرة تجاوزت الـ80%من الأراضي الزراعية، وذلك بسبب غلاء أسعار السماد في ظل ارتفاع أسعار الدولار الأمريكي، وانهيار العملة السورية، ولم يتبق سوى 20% من الأراضي الزراعية في الرقة التي تمت زراعتها بمحصول القطن.

غلاء الأسعار من أسباب العزوف عن زراعة القطن

وكالتنا التقت بعدد من المزارعين لمعرفة أسباب انخفاض مساحات الأراضي المزروعة بالقطن، حيث أكد المزارعون أنهم عزفوا عن زراعة القطن لهذا العام لأسباب عديدة أهمها غلاء أسعار السماد، حيث يزيد سعر كيس السماد في السوق السوداء عن (30) ألف ليرة سورية، كما أن ثمن الكيلو الواحد من البذار يزيد عن (800) ليرة سورية، ويحتاج الدونم الواحد إلى أكثر من (10) كغ من البذار لزراعته في الوقت الحالي.

المزارع إبراهيم الجاسم قال:" لم أزرع القطن هذا العام لعدم قدرتي على دفع تكاليف زراعته، وغلاء أسعار السماد جعلنا عاجزين عن زراعة القطن بالإضافة إلى الأيدي العاملة التي أصبحت غالية جداً، وسعر القطن لا يسدّ كل هذه التكاليف إذا استمرت أسعار المواد الزراعية بالارتفاع".

ومن جانبه أوضح المزارع محمد الفارس من قرية حزيمة في ريف الرقة الشمالي أنهم يشترون الأسمدة والأدوية وبذور القطن بالدولار، وعندما يتم تسويق محصولهم يتم شراؤه بالليرة السورية، مما يزيد من خسائر المزارع، وأضاف "يجب تحسين سعر القطن هذا العام كي لا نخسر في زراعتنا، لأننا نعتمد عليها في المعيشة.

وأشار محمد الفارس خلال حديثه إلى أن سبب انخفاض مساحات زراعة القطن هذا العام ليس خوفاً من قلة الإنتاج، إنما من ارتفاع أسعار المواد الأساسية للزراعة، وتابع حديثه بالقول "الإنتاج في العام الماضي كان جيدًا وسعره كان جيداً، كون المواد كانت بسعر يتناسب مع المصاريف التي تكلف بها المزارع، لكن هذا العام الأسعار غالية جدًا".

فيما طالب المزارع أحمد الجدوع بتقديم الدعم للجمعيات الفلاحية من بذور وأسمدة وأدوية ليستطيع الفلاح أن يزرع القطن وغيره من المحاصيل الزراعية، ويدفع الفلاح ثمنها أثناء جنيه محصوله أياً كان نوعه مثلما كانوا يفعلون قبل بدء الأزمة السورية.

وعند السؤال عن مياه الري أكد المزارعون أن مياه الري هذا العام متوفرة بشكل جيد، وطالبوا بتكثيف عمليات الصيانة في قنوات الري الرئيسة والفرعية بالإضافة إلى تعزيل المصارف الزراعية.

وتجدر الإشارة إلى أن كميات القطن هذا العام ستكون قليلة، وذلك بسبب الغزو التركي على مناطق شمال وشرق سورية، وسيطرته على العديد من المناطق مثل سري كانية وكري سبي وغيرها من المناطق الزراعية.

(م)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/KcZyMnfK9Ag" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>