سدّ النّهضة.. عشرة أعوام من التّفاوض فأين يكمن الخلاف؟    

يوماً بعد يوم تتزايد حدّة أزمة سدّ النهضة في ظلّ عدم وجود توافق نهائي بين أطراف الأزمة الثلاثة (مصر – السودان – إثيوبيا) وذلك على الرّغم من جولات عديدة من المفاوضات على مدار 10 أعوام.

سدّ النّهضة.. عشرة أعوام من التّفاوض فأين يكمن الخلاف؟    
الخميس 14 مايو, 2020   23:04
القاهرة- أماني عزام

يرى مراقبون دوليّون أنّ سدّ النهضة سيؤثّر سلباً على حصة مصر والسودان من مياه نهر النيل، ومن المتوقّع أن تنخفض حصّة مصر البالغة حالياً 55 مليار متر مكعّب سنوياً من المياه، ويقدّر مقدار النقص بفعل السدّ ما بين 5 إلى 15 مليار متر مكعّب، حسب كمّية التبخّر والتسرب والفيضان والتدفّق السنوي من مياه الأمطار التي تتدفّق على النيل الأزرق.

وتقدّمت مصر بعرض أن يكون الملء للسدّ في حدود 7 سنوات، حتّى تستطيع تفادي الخسائر المتوقّعة، بينما تصرّ إثيوبيا على أن يكون الملء خلال 3 سنوات، هادفة من ذلك لسرعة توليد الكهرباء، وهو ما سيؤدّي بلا شكّ لخفض منسوب المياه، ونقص حصّة مصر المائية التي تعتمد في الكثير من دخلها على الزّراعة.

ورغم فشل اللجان الفنّية من الدول الثلاث في تحقيق تقدّم ملموس نحو اتفاق شامل في المفاوضات، إلّا أنّ إثيوبيا تؤكّد إصرارها على ملء السد في يوليو المقبل، وقد رفضت السودان توقيع اتفاق جزئي مع إثيوبيا حول «سد النهضة»، مؤكّدة على ضرورة التوصّل لاتفاق ثلاثي بين السودان وإثيوبيا ومصر قبل بدء ملء السدّ.

كيف بدأت الأزمة؟

وتعود بداية الأزمة إلى شهر أيار عام 2010 حيث تمّ توقيع اتفاقية "عنتيبي" بين ستّ دول لحوض النيل، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، ولكنّها قوبلت برفض شديد من مصر والسودان، لأنّ الاتفاقية تنتهك الحصص التاريخية للأخيرتين وفقاً لاتفاقيات عامي 1929 و1959.

وفي نيسان عام 2011 استغلّت إثيوبيا حالة الفوضى التي عمّت مصر بفعل تداعيات ثورة 25 كانون الثاني / يناير في العام نفسه، وأعلنت عن عزمها على تدشين مشروع سدّ النهضة، وفي سبتمبر من العام ذاته اتّفقت السلطات المصرية والإثيوبية على تشكيل لجنة دولية، تدرس آثار بناء سدّ النهضة على دول الجوار المتمثّلة في مصر والسودان.

بدأت اللجنة عملها فعلياً في أيار 2012، وأصدرت تقريرها في أيار عام 2013 الذي يقضي بضرورة إجراء دراسات تقييم لآثار السد على دولتي المصبّ، وقد توقّفت المفاوضات بعدما رفضت مصر تشكيل لجنة فنّية دون خبراء أجانب.

استئناف المفاوضات وتوقيع وثيقة إعلان مبادئ

وفي يونيو/ حزيران عام 2014 اتفقت السلطات في مصر وإثيوبيا على استئناف المفاوضات مرّة أخرى، وعُقد الاجتماع الأول للجنة ثلاثية تضمّ مصر وإثيوبيا والسودان، في سبتمبر من ذات العام للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنّية وقواعدها الإجرائية، والاتفاق على دورية عقد الاجتماعات، وفي أكتوبر اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على اختيار مكتبين استشاريين، أحدهما هولندي والثاني فرنسي لعمل الدراسات المطلوبة بشأن السد.

وفي شهر مارس/ آذار 2015 وقّع الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي ونظيره السوداني، عمر البشير آنذاك، ورئيس وزراء إثيوبيا هايلى ديسالين في العاصمة السودانية الخرطوم وثيقة "إعلان مبادئ سدّ النهضة"، التي تضمّنت  10 مبادئ أساسية، تتسق مع القواعد العامة في مبادئ القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية، وفي سبتمبر من العام ذاته انسحب المكتبان الاستشاريّان لـ"عدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات بحيادية"، وفي شهر كانون الأول وقّع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم، التي تضمّنت التأكيد على اتفاق إعلان المبادئ الموقّع من قيادات الدول الثلاث، وتضمّن ذلك تكليف مكتبين فرنسيين بتنفيذ الدراسات الفنّية الخاصّة بالمشروع.

الخلاف يتجدّد

وفي مايو/ أيار  2016 أعلنت إثيوبيا أنّها على وشك إكمال 70% من بناء السدّ، وفي مايو/ أيار عام 2017 اندلع خلاف حادّ بين الدول الثلاث بسبب نتيجة التقرير المبدئيّ لسدّ النهضة واندلاع خلاف بين الدول الثلاث على التقرير، وفي نوفمبر من العام ذاته أكّدت مصر على لسان وزير الرأي أنّها ستتّخذ ما يلزم لحفظ "حقوقها المائية".

ورغم أنّ مصر سلكت كل السبل لاستكمال المفاوضات بطرق نزيهة وشفّافة تضمن حقوقها وحقوق الآخرين إلّا أنّ وبحسب المصريين، التّعنّت الإثيوبي ما يزال سيّد الموقف، ففي ديسمبر/كانون الأول 2017, اقترحت مصر على إثيوبيا مشاركة البنك الدولي في أعمال اللجنة الثلاثية، التي تبحث في تأثير إنشاء سدّ النهضة على دولتي المصبّ مصر والسودان، إلّا أنّ رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريم ديسالين آنذاك، أعلن رفض بلاده دعوة مصر.

واستمرّت المفاوضات دون جدوى، إلى أن تعهّد رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، شفهياً في مؤتمر صحفي عُقد بالقاهرة مع الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في يونيو/حزيران 2018 بأنّ بلاده لن تلحق ضرراً بالشعب المصريّ، بسبب سدّ النهضة.

واصلت الدول الثلاث مفاوضاتها وفي أغسطس/ آب 2019 سلمت مصر  إثيوبيا رؤيتها بشأن قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة، وفي سبتمبر من العام ذاته أعلنت وزارة الرّي المصرية عن تعثّر مفاوضات وزراء الرّي بين الدول الثلاث بالقاهرة، والفشل في الوصول إلى اتفاق لـ"عدم تطرّق الاجتماع للجوانب الفنّية"، وفي أكتوبر من نفس العام أكّد الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي أنّ الدولة المصرية بكل مؤسساتها ملتزمة، بحماية الحقوق المائية المصرية في مياه النيل، ومستمرّة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي، وفى إطار محددات القانون الدولي لحماية هذه الحقوق.

وفي 22 تشرين الأول / أكتوبر من عام 2019 أعربت وزارة الخارجية المصرية عن صدمتها، إزاء تصريحات إعلامية منسوبة لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أمام البرلمان الإثيوبي، بأنّه "يستطيع حشد الملايين على الحدود، في حالة حدوث حرب... وأنّه لا توجد قوّة تستطيع منع بلاده من بناء سد النهضة"، وفي نوفمبر من العام ذاته دخلت واشنطن على خط الأزمة، واستضافت الأطراف الثلاثة، بوجود وزير الخزانة الأمريكية، ورئيس البنك الدولي للمرّة الأولي، وصدر بيان مشترك جاء فيه أنّه "تقرّر عقد أربعة اجتماعات عاجلة للدول الثلاث، على مستوى وزراء الموارد المائية وبمشاركة ممثّلي الولايات المتحدة والبنك الدوليّ.

وتغيّبت إثيوبيا عن الاجتماع الذي كان مقرّراً في الولايات المتحدة، يومي 27 و28 شباط 2020 لاستكمال المفاوضات بشأن سدّ النهضة، وأعلنت إثيوبيا عن عزمها على ملء السد في موسم الأمطار القادم المقرّر له في شهر يوليو المقبل دون الاتفاق مع مصر والسودان.

(ي ح)