منبج .. نقطة توازن القوى الإقليمية والدولية -4

سعت تركيا دائماً لإبقاء مدينة منبج تحت سيطرة مرتزقة داعش الذين حولوها إلى عاصمتهم العسكرية وفيها كانوا يخططون لشن الهجمات في سوريا والعراق وفي أوروبا أيضاً. إلا أن أبناء الشمال السوري حرروا هذه المدينة التي باتت الآن نموذجاً متقدماً للحرية والديمقراطية والإدارة السياسية السليمة، ولتتحول بذلك إلى نقطة توازن لكافة القوى الإقليمية والدولية.

منبج .. نقطة توازن القوى الإقليمية والدولية -4
منبج .. نقطة توازن القوى الإقليمية والدولية -4
السبت 11 آب, 2018   01:15

جمعة محمد / منبج

في عامي 2015 و 2016 كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبعضٌ من المسؤولين في حكومته يحذرون وحدات حماية الشعب والمرأة ثم قوات سوريا الديمقراطية بعد تشكيلها من تجاوز نهر الفرات والوصول إلى ضفته الغربية. ذلك التحذير كان بمثابة رسالة يعبر فيها القادة الأتراك عن رفضهم توجه القوات الآنفة الذكر لتحرير مدن منبج وجرابلس التي تقع غربي الفرات.

أردوغان قال في تصريح له يوم الـ11 من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015 عقب مشاركته في قمة G20 بأن تركيا ستمنع "أية جهة" تعبر نهر الفرات إلى الغرب، وادعى بأن بلاده سترد على أية محاولة من ذلك القبيل.

حينها كان داعش ما يزال مسيطراً على تلك المنطقة، وسيطرته تلك لم تكن عادية، لذا تصريحات القادة الأتراك أيضاً كانت تحمل في مضمونها توجهات السياسة التركية. لأن تركيا لم تكن تريد لداعش أن ينتهي، داعش الذي كان السبب في تفشي ظاهرة الإرهاب والتوحش في المنطقة، كانت تركيا الداعم الرئيسي له.

مناطق غربي الفرات وخاصة مدينة منبج كانت من أهم المراكز بالنسبة لداعش، فمنبج كانت عاصمة المرتزقة الأجانب، فيها كان الوافدون من أوروبا عبر تركيا يجتمعون ويتوزعون على مناطق سوريا والعراق لينفذوا عملياتهم الإرهابية، كما كانوا ينطلقون منها لتنفيذ العمليات الإرهابية في أوروبا.

في الـ11 من كانون الثاني عام 2016 نشرت صحيفة التلغراف البريطانية مقالاً بعنوان "منبج لندن المصغرة"، نظراً لكثرة البريطانيين المنتسبين إلى صفوف داعش فيها، إضافة إلى نسبة كبيرة من الألمان والفرنسيين والسعوديين والجزائريين. شكلت منبج نقطة عبور لهم من وإلى أوروبا.

مكانة منبج الجيوسياسية هذه ليست بجديدة، لأن منبج ومنذ قديم الزمان كانت دائماً ذات موقع هام بالنسبة لكل القوى التي تسيطر على المنطقة، ففي القِدم كانت منبج نقطةً تربط غرب سوريا بشرقها، ولهذا السبب بنيت فيها قلعة نجم التي كانت محرس هذا الطريق، ومنها كان طريق الحرير القديم يمر إضافة إلى أهمية مماثلة في عهد العثمانيين وصولاً إلى يومنا هذا.

السياسة التركية لم تكن رافضة لتوجه القوات التي حاربت داعش في سوريا لمناطق غرب الفرات فقط، بل رفضت فيما بعد التوجه إلى مدينة الرقة وهي المدينة التي أعلنها داعش عاصمةً لخلافته المزعومة، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مساعي تركيا للإبقاء على داعش في المنطقة لغايات تخص تركيا الداعمة لهكذا جماعات.

فداعش لطالما كان ورقة بيد تركيا التي استخدمتهم في محاربة أبناء مناطق الشمال السوري، إضافة إلى أن تركيا استخدمت داعش كذريعة لشن العدوان على سوريا في إطار ما يسمى "درع الفرات" والتي احتلت بموجبها أراضي من شمال سوريا.

لكن بالرغم من ذلك، بدأ أبناء هذه المنطقة وبدعم من قوات سوريا الديمقراطية بحملة عسكرية لتحريرها من داعش في الأول من حزيران عام 2016 وانتهت في الثاني عشر من آب/أغسطس من نفس العام بتحريرها. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الواقع يتغير في هذه المدينة حتى بدأت تشكل نقطة توازن للقوى في الشرق الأوسط.

منبج التي باتت الآن تدار سياسياً بأيادي أبنائها ويحميها أبناؤها عسكرياً، باتت تحت مرمى التهديدات التركية التي أرادت من منبج مدينة عثمانية كما جرابلس والباب وليس مدينة سورية يسكنها أهلها الأصليون ويديرون فيها شؤونهم.

تركيا تريد منبج بل كل مناطق الشمال السوري كمناطق عثمانية تخضع للسيطرة التركية كما كان الحال قبل أكثر من مئة عام. تركيا دخلت أراضي سوريا بجيشها ورفعت فيها أعلام دولتها وعلقت صور أردوغان في شوارع مدنها، وكتبت لوحات تعريفية داخلها باللغة التركية كما وشجعت أبناء هذه المناطق لإطلاق دعوى "حق تقرير المصير والانضمام إلى تركيا"، كل هذه الأمور وغيرها دليل على أن تركيا هنا دولة احتلال وليست غير ذلك.

ويأتي ذلك في حين تتهم جهات كثيرة تركيا باستعمال "معارضي النظام" في مناطق حلب ودمشق ودرعا لمقايضتها بمناطق في الشمال السوري على غرار إدلب وجرابلس التي تم مقايضتها بحلب، وعفرين التي تم مقايضتها بالغوطة في مسعى لإنشاء منطقة احتلال تركية تمهد الطريق أمام تحقق الحلم العثماني.

والآن تريد تركيا تمرير كل ذلك إلى منبج، لكن الأخيرة أصبحت أقوى من أن تنالها يد دولة الاحتلال التركي، فتلاحم الشعب بداخلها يشكل أكبر رادع أمام أية قوة محتلة، كما أن أعين القوى العالمية والإقليمية جميعها باتت مصوبة عليها، فإلى جانب تركيا كان للنظام ومن خلفه روسيا أيضاً مساعٍ للتقدم صوبها، والأمريكيون الذين ساهموا بتحالفهم في تحريرها لم يشاؤوا التفريط بها، وهنا أصبحت المدينة العريقة تاريخياً والهامة حاضراً نقطة خلاف وأيضاً باتت نقطة توازن.

فتركيا وقفت على حدودها الشمالية، بينما تتمركز فيها قوات مجلس منبج العسكري إلى جانب قوات أمريكية، وإلى الغرب والجنوب يوجد النظام والجماعات المساندة له، لتتحول منبج إلى مفتاح ونقطة رادع لنشوب حرب ربما تتطور لتشمل دولاً إقليمية وعالمية، لأنه سابقاً وحتى الآن لو حدث تقدم لتركيا صوب منبج كان ذلك ليهدد مناطق الشمال والعمق السوري ويقوي يد تركيا في هذا البلد.

والآن وكما كان تحرير منبج ضربة قاضية لداعش وهزيمة كبيرة للإرهاب الذي بات على مشارف الانتهاء في سوريا، من الممكن أن يصبح النموذج الإداري الحالي داخل منبج نموذجاً لكامل المناطق السورية يدير من خلاله أبناء الأرض مناطقهم ويحمونها ذاتياً.

فمنبج في الوقت الحالي باتت من أكثر المناطق استقراراً وأماناً بفضل جهود أبنائها العسكريين المرابطين في الجبهات، إضافة إلى أنها باتت نموذجاً متقدماً للحرية والديمقراطية والإدارة السياسية السليمة بفضل تشارك جميع مكونات وشرائح المجتمع في إدارة المدينة وهي سابقة أولى من نوعها تعيشها منبج.

ANHA