شنكال من ألم الإبادة الى انتصار الإرادة- الجزء الثالث

بعد كل ما عاناه المجتمع الإيزيدي وأرضه من مجازر و دمار وتشريد عبر التاريخ، آخرها كان في هذا اليوم المشؤوم الذي خانه فيه جميع الأطراف، كان أمامهم احتمالين لا ثالث لهما وهو إما الانتحار، كديانة ومجتمع وثقافة وأرض، بالهجرة والتشتت والاستسلام، أو أن تقاوم وتبدأ بتغيير جذري لقضيته هذه عبر التاريخ. فاختار، وهو من على حافة الإبادة،  المضي بإرادته لنيل كرامته متمسكاً بكل ما يملكه و كل ما فقده في الفرمان، حينها أعلن الشعب من على جبالهم المقدسة الثورة الشاملة، لوضع حد لهذا القدر المنسوب إليهم..!

شنكال من ألم الإبادة الى انتصار الإرادة- الجزء الثالث
الخميس 2 آب, 2018   01:16

آلان روج/مركز الأخبار

إن أول انتصار أعلنه الشنكالي في الفرمان هو التكاتف والالتفاف حول قوات روجافا التي أنقذتهم من الإبادة، ليعلنوا في اليوم التالي من الفرمان تشكيل وحدات مقاومة شنكال مستنفراً مع شعب روجافا ووحداتها العسكرية وقوات الكيرلا  بعد تصريحات عضو القيادة المركزية لمنظومة المجتمع الكردستاني مراد قريلان الذي أعلن عن إرسال قواته إلى شنكال لإنقاذ الشعب من إبادة تاريخية.

خطوات تاريخية متسارعة من خضم المقاومة في الجبل

جبل شنكال الذي احتمى به  عشرات الآلاف من الفارين من جحيم داعش لم يكن له سند وحامي سوى 12 مناضلاً من حزب العمال الكردستاني ومتدربين من أعضاء حركة الحرية والديمقراطية الإيزيدية TEVDA الذين كانوا في المدينة منذ فترة، وبمقاومة أسطورية وحدث تاريخي، تمكنوا من إحكام السيطرة وإغلاق بوابتي الجبل الرئيسيتين ( باب كرسى – باب المدينة )، وتأخير تقدم المرتزقة بتفجير عدة عربات لهم ومنع وصولهم إلى الجبل.

في هذه الأثناء فتحت وحدات حماية الشعب والمرأة ممراً آمناً بين الجبل و أراضي روجافا من طرف بلدة جزعة الحدودية، وتخليص عشرات الآلاف من الإيزيديين ليصلوا إلى الجبل وينتشروا فيه  مع وحدات مقاومة شنكال و قوات الكيرلا، قبل أن يستقدم المرتزقة عناصر إضافية و يحاصر الجبل بأكمله و يحارب على جبهات روجافا الساخنة آنذاك.

حملة تحرير من جزعة نحو الجبل بمشاركة وحدات مقاومة شنكال

كان الجميع ينتظر ساعة الصفر وخاصة المتطوعين في وحدات مقاومة شنكال، لت-علن الوحدات في بداية شهر كانون الأول من عام 2014 عن حملة تمشيط وتحرير واسعة لكسر الحصار على الجبل وتقديم الدعم للعالقين فيه . وبمقاومة تاريخية و معارك أسطورية في كل من سنونى و خانه صور والبرية الفاصلة بين حدود روجافا والجبل وصلت الوحدات إلى الجبل و ضمنت حماية الطريق بالكامل لتبدأ معها خطوات الشعب التاريخية في تأسيس نفسه في الجبل والانتقام من الفرمان الذي حصل.

وضع التنظيم الاجتماعي كهدف أساسي لإنقاذ أنفسهم

إن اختيار الآلاف من الشعب البقاء في الجبل والمقاومة تطلب التنظيم للحماية وإنقاذ المجتمع من فرمان و إبادة بيضاء، كالضياع والاستسلام أو الهجرة والتشتت، لاسيما أن السبب الرئيسي في ارتكاب المجزرة هو الاتكاء على الغير في الحماية والتنظيم، لذلك كانت تجربة روجافا في التنظيم قد انتشرت وأرادوا الاستفادة منها كغيرهم، فتجمع الأهالي بتاريخ 14-1-2015 وناقشوا الوضع الاجتماعي والأمني والخدمي لقاطني الجبل ليتمخض عن نقاشاتهم إعلان المجلس التأسيسي لإيزيدي شنكال.

المرأة تبني نفسها وتحمل السلاح لأول مرة لتنتقم للمخطوفات

إن أكثر الخطوات التاريخية خلال مسيرة المقاومة في جبل شنكال، والتي أحدثت تغيرات جذرية متقدمة في المجتمع الإيزيدي، هي أن المرأة الإيزيدية، التي عانت من التسلط الذكوري المجحف ضمن مجتمعها المنغلق لدرجة ما، قد تلقت من نساء روجافا، وبالأخص وحدات حماية المرأة التي شاركت في عملية فتح الممر وإنقاذهم، دروساً في التنظيم والحماية والمقاومة.

لذلك أعلنت مجموعة من الشابات الإيزيديات، في شهر شباط من عام 2015، عن تشكيل وحدات حماية المرأة في شنكال، وبدأن بالمشاركة في المعارك ضد داعش شمالي الجبل و جنوبه  بشكل فعال، ليثأرنَ فيما بعد للمختطفات بمشاركتهن في حملة تحرير الرقة عاصمة داعش المزعومة.

إلى جانب ذلك نظمن أنفسهن ضمن مجلس خاص معني بشؤنهن الاجتماعية والنفسية والخدمية والتأهيلية، ليفضي فيما بعد إلى تشكيل حركة حرية المرأة في إيزيدخان في 25 أيلول من سنة 2016، بهدف تعزيز وتوحيد إرادة المرأة وتأهيلها لتنقذ مجتمعها وتلعب دورها في الإدارة.

التعليم والخدمات أول خطوات المجالس رغم الحصار المحكم عليهم

لم تتوقف صعوبات الحياة في الجبل على جانب خطر هجمات داعش عليهم، بل كانت نواحي التعليم والخدمات والصحة أكثر محنة وصعوبة أمام المجلس في ظل الحصار المحكم من كافة الجهات عليهم، ويسعى الأخير تجاوزه بعزيمة وإمكانات ذاتية.

فبدأ بحفر آبار لمياه الشرب والسقي لتحويل معظم مناطق الجبل إلى أراضي زراعية لتلبية احتياجات الشعب، من ثم أرسل مؤسسة اللغة والتدريب الكردية في روجافا كوادر تعليمية بطلب من مجلس شنكال، ليفتتحوا مدارس على طول الجبل من أجل مساعدة أطفالهم نفسياً وفكرياً ويحموهم من الضياع، بالإضافة إلى تشكيل بلدية شعب ومؤسسات خدمية وصحية تابعة لها بدعم من الإدارة الذاتية في روجافا حينذاك.

أما الآن فإن كافة الخطوات قد أصبحت قاعدة رصينة ليتشكل في الجبل والمدينة عشرات المدارس ومعاهد تأهيل المعلمين، إلى جانب 3 مستشفيات أساسية بكامل الطواقم الطبية والمستلزمات اللازمة في خدمة مواطنيها سواء في الجبل أو في المدينة ونواحيها ومركز ثقافي في سفح الجبل، ناهيك عن فتح المجال للتجارة وتقوية الاقتصاد الذاتي للأهالي بفتح معابر وطرق تجارية بينها وبين روجافا والإقليم والموصل بعد التحرير.

توسيع مشروع الإدارة في شنكال بعد جاهزية القاعدة الاجتماعية  

بعد سلسلة الانتصارات على الصعيد الاجتماعي والتنظيمي والحماية والخدمي، بدأ الشعب بخطوات سياسية لتتوسع أكثر وتؤثر على محيطها سواء في الداخل أو الخارج، لذلك أعلنت حركة الحرية والديمقراطية الإيزيدية في مؤتمرها السادس، المنعقد ب 24 حزيران 2016، عن توسيع نشاطها و تحويل نفسها إلى حزب سياسي باسم حزب الحرية والديمقراطية الإيزيدية PADÊ يمثل الإيزيديين في المحافل السياسية والانتخابات البرلمانية وغيرها كحزب رسمي داخل العراق.

وفي خطوة بالغة الأهمية، بالنسبة لوضع الأقليات المتضررة في العراق والحل الأمثل لقضاياهم العالقة، قدم مجلس الإدارة الذاتية في شنكال، منتصف شهر آبأغسطس من عام 2017، مشروعاً باسم " إدارة إيزيدخان الذاتية الديمقراطية" يحمل 23 بنداً يركز على تشكيل مجلس شعبي تحت مراقبة دولية والقوى الكردية والعراقية المعنية بهم، ويحتضن كافة الجهات الإيزيدية والمجتمعات الغير الإيزيدية والتي تعيش في جغرافية شنكال، وأن تكون وحداتها العسكرية وأساييش إيزيدخان قوات أساسية تحميهم.

 بالإضافة إلى تقديم حل لضمان حقوق الشيعة والسريان والآشور في تلعفر وسهل نينوى المجاورتان لشنكال، كما تركز البنود الأخرى على أمور تنظيمية وخدمية وأخرى دبلوماسية تتعلق بالحكومة المركزية وإقليم كردستان بشأن الاعتراف بالإرادة الشعبية لشنكال في تمثيل وإدارة أنفسهم وفق المواد الدستورية للنظام الفدرالي في العراق.

إدارة شنكال: نسعى لتشكيل أكبر أتفاق بين مكونات شنكال والجهات الحكومية تتشبث بعقلية السلطة

وفي سياق التطور التنظيمي والسياسي في شنكال أشارت ريهام حجو الإدارية في مجلس الإدارة الذاتية بشنكال في إجابتها على أسئلة الوكالة بهذا الصدد بأن "المجتمع الإيزيدي تجاوز محناً صعبة للغاية خلال مسيرة 4 سنوات من المقاومة والتحرير والعمل التنظيمي، وبالرغم من أننا طورنا إدارتنا الذاتية بمشروع حل يضمن حقوقنا وحقوق الأقليات الأخرى وشكلنا مجالسنا في كل قرية و ناحية وحي في المدينة، إلا أننا نسعى للوصول إلى كل تجمع ومنظمة في المنطقة لتقوية الاتفاق والتكاتف فيما بينهم لنحقق الحياة الحرة الكريمة معاً".

أما عن وضع العلاقات بين بغداد وإدارة شنكال فأوضحت حجو إلى أن " التواصل خجول للغاية بالرغم من أن المجلس يتحرك وفق الدستور العراقي، وأن وحداتهم ومجلسهم قد خففت الكثير من الأعباء على كاهل الحكومة في أمور الخدمات والحماية، ونحن نفسر هذه التقربات بأنها تقربات التشبث بمفهوم وعقلية السلطة وكبح إرادة شعوبها، ونرغب في المزيد من التقرب من أجل الحل".

ANHA