"صفقة القرن" تقترب؛ واقعية التطبيق وما تحمله للفلسطينيين ؟

يوماً بعد آخر، يزداد الحديث حول ما يسمى "صفقة القرن"، المصطلح الذي برز منذ أن تولى دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية، وبشكل لافت عقب إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما أشار إليه مراقبون، على أنه الخطوة الأولى من الصفقة المزعومة، التي تحوي مضامين خفية حتى اللحظة، إلا من التسريبات التي سمح لها صناعها بالظهور، لتكون بمثابة "بالون اختبار" يقيس ردة فعل الشعب الفلسطيني.

"صفقة القرن" تقترب؛ واقعية التطبيق وما تحمله للفلسطينيين ؟
الجمعة 6 تموز, 2018   03:01

عمر موسى/غزة

بعد نحو قرن من الزمن على "وعد بلفور"، الذي منح أرض فلسطين لليهود، تنهمك الإدارة الأمريكية الحالية والحكومة الإسرائيلية، وبالتنسيق مع أطراف دولية وعربية، على سوغ رؤية جديدة للصراع "الإسرائيلي - الفلسطيني"، نجومها: جاريد كوشنر صهر ومستشار ترامب وهو ما تطلق عليه وسائل الإعلام "عراب صفقة القرن"، و فريقه الذي يضم عدداً محدوداً من الأعضاء، من بينهم جيسون غرينبلات (المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط)،  ومستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، تعمل على إنهاء حالة الصراع القائمة، تمهيداً للخطوة القادمة، كما قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني في مقابلة مع تلفزيون فلسطين (يناير/كانون الثاني 2018) إن المقترحات الأميركية الأولية،  نقلت إلى الفلسطينيين عن طريق الجانب السعودي، مضيفاً "أن الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإنشاء حلف إقليمي ضد إيران في المنطقة تكون إسرائيل جزءاً منه".

 لم يعلن عن الصفقة بشكل رسمي؛ لكن العديد من تفاصيلها تسربت خلال الأيام الماضية عبر وسائل إعلام مختلفة، وعلى لسان أكثر من مسؤول من دائرة التخطيط لهذه الصفقة، خصوصاً، بعد الزيارات السرية والمعلنة التي قام بها "كوشنر" وفريقه إلى عواصم إقليمية تعتبرها واشنطن أهم مفاتيح القرار الفلسطيني، والتي لم تنقطع، وهو الأمر الذي علق عليه محللون سياسيون في حديثهم لـوكالة أنباء "هاوار" قائلين بأن "محاولات فريق صفقة القرن، هي لتليين المنطقة، وتهيئة البيئة الدولية والعربية، لتعمل بدورها على التأثير على الفلسطينيين".

المضامين المرجحة للصفقة حتى اللحظة

مسؤولون أميركيون قالوا، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكشف قريباً خطته. وكشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، عما قال إنها تفاصيل حصل عليها حصراً لمضمون خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو ما تعرف بصفقة.

وبحسب ما كشفه الموقع - نقلا عن مسؤول غربي مطلع-، إن الصفقة تتضمن، إقامة دولة فلسطينية تشتمل أراضيها على قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية، وقيام الدول المانحة بتوفير عشرة مليارات دولار لإقامة الدولة التي ستشتمل بنيتها التحتية على مطار وميناء في غزة، ومساكن ومشاريع زراعية ومناطق صناعية ومدن جديدة في سيناء.

وبيّن الموقع، أن الإدارة الأمريكية تعتبر أنها أغلقت أخيراً ملف القدس بعد الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وسحبته من طاولة المفاوضات، كذلك الحل  سيكون مع قضية اللاجئين، إذ يعمل فريق الصفقة على تصفية قضية اللاجئين، وهو الواضح في الضغوطات الأمريكية والدولية، وحجب الدعم عن  وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تمر بضائقة مالية حادة، دفعت على إثرها على تقليص نشاط خدماتها وعدد موظفيها، تمهيداً لإنهاء عملها، إذ تعتبرها إسرائيل وأمريكا "شاهد حي على مأساة الشعب الفلسطيني، ومن الضروري، إنهاء وجودها".

وبحسب ما ذكره الموقع، ترفض إسرائيل وأمريكا، أي سيادة على المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط ونهر الأردن سوى السيادة الإسرائيلية، وهو ما تعمل على ترسيخه في صفقتها المثيرة.

وتابع الموقع، وفق مصدره "ستشمل الخطة لدى الإعلان عنها محفزات اقتصادية للفلسطينيين وتخفيف القيود المفروضة على حرية التنقل والاستثمار لصالح المواطنين الفلسطينيين، كما تشمل رفع الكثير من القيود المفروضة على قطاع غزة لتفادي كارثة إنسانية تلوح في الأفق وتوسيع الملاحة وفتح المعابر مع مصر مقابل نزع السلاح من غزة (سلاح الفصائل الفلسطينية) وترتيبات أخرى أمنية طويلة الأمد".

كما تشمل الخطة ضرورة ربط المواطنين الإسرائيليين الذين يقيمون في المستوطنات المتناثرة في الضفة الغربية مع إسرائيل بشكل دائم وبدون عراقيل، ما يعني ضم الكتل "الاستيطانية" الكبرى إلى جانب حق الجيش الإسرائيلي في السيطرة على الأمن في تلك الأراضي حتى نهر الأردن.

في اجتماع  المجلس الفلسطيني الذي عُقد يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني الماضي بمقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، قدم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات تقريراً  حول خطط الإدارة الأمريكية التي يجري العمل عليها.

وأورد عريقات في تقريره بنوداً، تحمل الخطوط العريضة للخطة الأميركية، أولها "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها" وهي خطوة جرى فعلها.

إعلان قيام دولة فلسطينية في أراضي قطاع غزة والضفة، منزوعة السلاح، وإبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل عليها، إلى جانب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، مع انسحابات خفيفة لإسرائيل من مناطق داخل الضفة المحتلة.

وبحسب عريقات، "تعمل  إدارة الرئيس ترامب  على اختراع عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس خارج إطار ستة كيلومترات عن حدود عام 1967"، تتمثل في بلدة أبو ديس القديمة، هذا الأمر كشف عنه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قائلاً إنه تلقى عروضًا بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها  بلدة "أبو ديس".

فيما قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، وقد نقلت عن مصادر وصفتها بالمطلعة، أن ولي العهد السعودي​ محمد بن سلمان اقترح على الرئيس ​محمود عباس​ أن تكون بلدة أبو ديس عاصمة لفلسطين.

ويذكر عريقات أن الخطة تنص على اعتراف دول العالم بدولة إسرائيل "كوطن قومي للشعب اليهودي،  تسيطر على المقدسات فيها، على  أن تضمن إسرائيل إلى الحد الذي تستطيع، حرية العبادة في الأماكن المُقدسة للجميع".

ويعقب عريقات في التقرير على الخطة بقوله "هذه هي معالم الصفقة التاريخية التي سوف تسعى إدارة الرئيس ترامب لفرضها على الجانب الفلسطيني".

خطة قديمة

في عام 2010 كتب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا أيلاند مقترحاً بأحد حلَّين لتسوية القضية الفلسطينية: أحدهما فدرالية أردنية- فلسطينية؛ من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاث ولايات: الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

والثاني تبادل المناطق: وهو مبني على أساس أن تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، بإضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24 كيلومترا وعرضه ثلاثون كيلومتراً.

ومع أن مقترحات أيلاند لم تترجم إلى خطة رسمية معلنة؛ فقد كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 19 فبراير/شباط 2017 عن لقاء سري عقد بالعقبة (الأردن) أيام إدارة باراك أوباما، وتحديداً في 21 فبراير/شباط 2016، وتم بحضور بنيامين نتنياهو وجون كيري وعبد الفتاح السيسي وعبد الله الثاني، ونوقشت خلاله أفكار "جديدة" للحل "النهائي، وطُرحت خطة إعطاء أراضٍ من سيناء للفلسطينيين، وهو المقترح الذي لا زال يروج له، رغم الموقف  المصري المعلن بالرفض.

الموقف الفلسطيني

في غضون ما تعده أطراف عربية ودولية، لإقناع الفلسطينيين بخطة ترامب، أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها الكامل للصفقة، ووصفها الرئيس محمود عباس "بصفعة القرن"، وقال في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية،  إن مشروع الرئيس ترامب لحل القضية الفلسطينية مرفوض، وأكد أن إسرائيل أنهت مسار أوسلو -اتفاقية السلام- وأنه لا مجال للتنازل عن القدس عاصمة لدولة فلسطين. وهو الموقف ذاته الذي عبرت عنه كافة الأطراف الفلسطينية الأخرى بصيغ مختلفة، وأجمعت كلها على رفض الخطة ودعت لمواجهتها وإسقاطها.

غير أن المسؤولين الأميركيين يواصلون المحاولات في حشد التأييد لها إقليمياً ودولياً، وسط تضاءل فرص نجاح المروجين للصفقة في تحقيق اختراق جدي في القرار الفلسطيني يسمح بتمريرها.

المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط جايسون غرينبلات يعاود في كل ظهور إعلامي على التأكيد، أن صفقة القرن التي تسعى واشنطن لتنفيذها في المنطقة باتت في مراحلها الأخيرة، ويفصل الإعلان عنها أسابيع أو أشهر، وأكد في إحدى اللقاءات على أن الفلسطينيين أحد أطراف الصفقة، لكنهم ليسوا الطرف المقـرِّر فيها أبداً.

فرص النجاح

يلخص محللون سياسيون لـ"هاوار" أن  فرص نجاح ما تعرف "بصفقة القرن" تتراجع، خصوصاً  في ظل غياب الأفق السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتشديد الفلسطينيين على موقفهم الرافض لصفقة لا تلبي أدنى طموحاتهم.

إذ ذلك، يستمر الضغط على القرار الفلسطيني إقليمياً وعربياً، وكذلك محاولات اجتراح قبول مبدأي، لكن وعلى الرغم من أن الموقف الفلسطيني لا يقارع الفرق المعد للصفقة، إلا أن أمر تطبيق الصفقة غير مقبول فلسطينياً أبداً.

وكانت صحيفة "يسرائيل هيوم" قد ذكرت قبل يومين، أن كوشنر وغرينبلات خفّضا مستوى توقعاتهما في شأن نجاح "صفقتهما"، بعد المشاورات التي أجرياها في المنطقة العربية الأسبوع الماضي.

(ح)

ANHA