منبج...فجر الـ12 من آب تاريخ لن ينساه أبناء المنطقة- 4

شهدت منبج على مر عصور متعددة من تاريخ نشأتها تحولات مهمة ألقت بظلالها على المنطقة عامة لموقعها الاستراتيجي المهم، فمن إحدى هذه التحولات كان يوم الـ12 من آب عام 2016 حيث تحررت المدينة وقراها من مرتزقة داعش .

منبج...فجر الـ12 من آب تاريخ لن ينساه أبناء المنطقة- 4
السبت 2 حزيران, 2018   01:15

أكرم بركات / منبج

على الرغم من ممارسات داعش الترهيبية والحصار الخانق، لم تنكسر شوكة أبناء منبج، فظل متمرداً على الواقع الذي صنعه داعش، وصل الحال بأهالي مدينة منبج لاتباع طريقين فقط، إما الموت خنقاً أو الموت بشرف، وما كان لأهالي منبج سوى الاستنجاد بمجلس منبج العسكري الذي تأسس في2 نيسان 2016 من أبناء وبنات منبج، لتخليصهم من ظلم وبطش المرتزقة.

وفي 1 حزيران 2016، أطلق مجلس منبج العسكري الذي يتألف من ”كتائب شمس الشمال، ثوار منبج، تجمع ألوية الفرات، لواء جند الحرمين، تجمع كتائب شهداء الفرات، لواء القوصي، كتيبة تركمان منبج” حملة باسم حملة تحرير مدينة منبج وريفها من مرتزقة داعش، وفي 5 حزيران 2016، الحملة انطلاقاً من جبهتين (جبهة جسر قرقوازق وجبهة سد تشرين) وأربعة محاور.

الحملة تمت على شكل مرحلتين، الأولى لتحرير قرى وريف منبج من المرتزقة والثانية لتحرير كامل المدينة.

المرحلة الأولى

الحملة تقدمت بشكل منتظم، واتخذ مجلس منبج العسكري تحرير المدنيين من ظلم وبطش داعش من أولويات حملته، لذلك شكل المجلس فرق خاصة مهامها انقاذ المدنيين، وفرق خاصة لكسر دفاعات مرتزقة داعش.

وفي 5 حزيران 2016 وأثناء تقدم قوات مجلس منبج العسكري صوب معاقل مرتزقة داعش شرقي منبج، وإبان استشهاد القائد العام لكتائب شمس الشمال فيصل أبو ليلى، تمت تسمية الحملة باسم حملة القائد الشهيد فيصل أبو ليلى لتحرير منبج وريفها وفاءً لذكراه واحتراماً لبطولاته خلال ثورة روج آفا وشمال سوريا.

وبروح الانتقام استمرت الحملة وباشر مقاتلو مجلس منبج العسكري بتحرير كامل القرى التابعة والمحيطة بمدينة منبج من يد مرتزقة داعش، من الجهات الأربعة الشرقية، الغربية، الجنوبية والشمالية، وخلال فترة زمنية تقدر بشهر تمكن مقاتلو مجلس منبج العسكري من تحرير أكثر من 200 قرية في الجهات الأربعة. وقتل خلالها ألفي مرتزق جثث أكثر من 1600 وقعت بيد مقاتلي مجلس منبج العسكري. كما حرر مقاتلو مجلس منبج العسكري أكثر من 75 ألف مدني من ظلم وبطش المرتزقة، وتم تأمينهم في أمكان وقرى تحت سيطرة المجلس.

استطاعت قوات المجلس خلال في مدة زمنية قصيرة، تحرير العشرات من القرى والمزارع في الريف، وقتل العشرات داعش وتدمير مقارهم وآلياتهم، مدعومة بطائرات التحالف الدولي، ضمن تنسيق سهل ودقيق وعلى مدار الساعة بين الطرفين. وتمكن مقاتلو المجلس خلال شهر من انطلاق الحملة من تحرير مساحة 1200 كيلو متر مربع، بدءً من جسر قره قوزاق وانتهاء بمشارف منطقة الباب.

 وبعد تحرير كامل القرى المحيط بمدينة منبج وقطع مقاتلو مجلس منبج العسكري كافة طرق الإمدادات القادمة لمرتزقة داعش من منطقي الباب وجرابلس، باشر مقاتلو مجلس منبج العسكري بالمرحلة الثانية من الحملة.

المرحلة الثانية لحملة تحرير منبج

بعد إطلاق قوات مجلس منبج العسكري المرحلة الثانية لحملة تحرير المدينة في 1 تموز 2016، التقدم الميداني أصبح أكثر بطئا نظراً للتحصينات الكثيرة التي وضعها داعش في مداخل الأحياء السكنية، مع منعه المدنيين من مغادرة المدينة، واستخدامه إياهم كدروع بشرية، تفاديا للقصف الجوي للتحالف، والقصف بالأسلحة الثقيلة من جانب قوات مجلس منبج العسكري.

وكانت هجمات القوات المهاجمة تقتصر على عمليات خاصة ودقيقة من جانب الوحدات الخاصة (الفرق الخاصة بتحرير المدنيين وفرق كسر خطوط دفاعات المرتزقة) واقتحمت تلك القوات خطوط داعش بشكل مباغت وإصابة عناصره بشكل فردي، وغالبا ما كانت تستخدم الوحدات المهاجمة الأسلحة الخفيفة والقناصات، تفاديا لإلحاق الضرر بالمدنيين.

وكان داعش طيلة السنوات الثالثة لاحتلالها منبج قد بنى القواعد العسكرية والتحصينات في المدينة، وأنشأ فيها معسكرات تدريب الأطفال واليافعين الذين ساقهم إلى التجنيد وإلى "الدورات الشرعية"، وجلب الكثير منهم من المناطق التي احتلها وارتكب فيها المجازر المروعة، مثل قضاء شنكال، الذي هاجمه مرتزقة داعش 3 في آب/أغسطس 2014  م، كما جلب داعش الصغار الإيزيديين بغية إخضاعهم للتجنيد في "الدورات الشرعية"، إضافة للفتيات الإيزيديات اللواتي سباهن، للبيع والاسترقاق في المدينة.

استمرت الحملة بهذه الوتيرة حتى 2 آب، حيث كسرت قوات مجلس منبج العسكري كامل الخطوط الدفاعية والأمامية لمرتزقة داعش ونقاط تمركزهم في المدينة، وحررت 80 % من المدينة، وتم تشتيت قوات داعش ونظامهم ضمن المدينة.

مجلس منبج المدني رديفاً للمجلس العسكري

وحررت قوات المجلس العسكري خلال شهر من المرحلة الثانية للحملة 50 ألف مدني من المدينة. وتم إخراجهم من المدينة وتسليمهم إلى مجلس منبج المدني الذي شُكل في 5 نيسان2016 م، خلال اجتماع جماهيري كبير في ناحية صرين، حضره العشرات من أهالي منبج. وتم خلاله انتخاب 43 عضوا في المجلس يمثلون مختلف مكونات المنطقة الأثنية والدينية.

ولعب المجلس خلال الحملة دوراً مهماً في تنظيم الأهالي والقرى وإيجاد ملاجئ للذين كان يتم تحريرهم من خطوط الجبهات، تقديم الغذاء، الخدمات الطبية وتكفل بأمور تنظيمهم على أكمل وجه إلى حين انتهاء الحملة.

حيث قام المجلس بمؤازرة مقاطعة كوباني بافتتاح 3 مخيمات للنازحين، الذين تجاوزت أعدادهم الـ 150 ألف، أشرفت الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة كوباني على رعايتهم بشكل مباشر وقدمت الدعم اللازم لهم.

خلع السواء وإشراق نور الحرية

وبعد 73 يوما من التقدم المستمر وتدمير تحصينات داعش واقتحام صفوفه، وبتمام الساعة الـ 12.00 من يوم الـ12 من آب قام مقاتلو مجلس منبج العسكري بالهجوم الأخير على فلول مرتزقة داعش المتواجدين في شوارع حي السرب، الذين كانوا يستخدمون المدنيين الذين تم اسرهم كدروع بشرية، وفي تمام الساعة الـ 17.05، تمكن مقاتلي المجلس من كسر خطوط المرتزقة الأمامية وتحرير كامل المدنيين، والقضاء على المرتزقة.

عم الفرح أرجاء منبج بتخليصهم من ظلم داعش، حيث شوهدت النسوة وهن ينزعن النقاب الأسود ويضرمن فيه النيران، والرجال وهم يحلقون ذقونهم، والتعبيرات المختلفة عن الفرحة والسعادة بالتخلص من نير السوّاد والظلام، على يد قوات مجلس منبج العسكري حيث الحرية في القول والعيش.

وفور سماع الخبر بدأ نازحو منبج بالعودة إلى مناطقهم وتفقد دورهم، بينما عادت الحياة إلى بعض أحياء المدينة وفتحت المتاجر أبوابها.

قصم ظهر داعش

بتحرير منطقة منبج قصمت قوات سوريا الديمقراطية ظهر مرتزقة داعش وكانت بداية انهياره في سوريا، وبتحرير منبج تم تحقيق انتصار كبير على داعش، حيث حرٌرت المدينة التي كانت إحدى قلاعه في سوريا والمعقل الرئيسي للمرتزقة الأجانب وطريق إمداداتها اللوجستي من تركيا، وأثبت قوات سوريا الديمقراطية بأنها الشريك والحليف الأقوى والأكثر تنظيما للتحالف الدولي لمناهضة "داعش"، وإنها منضبطة وملتزمة بالمعاهدات الدولية في حماية المدنيين وأسرى الحرب. وأثبتت بأنها تراعي أمن الأهالي ولا تعرض حياتهم للخطر حتى ولو أدى ذلك إلى تأخر النصر والتضحية بالمزيد من مقاتليها.

والخطوة الأهم خلال عملية تحرير منبج كان تهاوي مخطط الدولة التركية في بناء "المنطقة العازلة"، وسقوط الخطوط الحمر، وتضعضع داعش وتقهقره، وهو كان الرهان الأقوى والأخير لحزب العدالة والتنمية ضمن مخططه الاستراتيجي في تصفية الكرد في شمال سوريا والنيل من فيدرالية الشمال وتأليب المكونات ضد بعضها البعض.

ANHA