مسرحية جديدة بطلها أردوغان

اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حتى عندما كان رئيساً للوزراء، على إحداث الضجة كالمسدس المحشو برصاص خلّبي، من خلال مهاجمة إسرائيل الحليف الأكبر له في المنطقة، بهدف دغدغة مشاعر العرب والمسلمين بمسرحياته، ومستخدماً إياها لدعايته الشخصية بهدف تنصيب نفسه خليفة على المسلمين.

مسرحية جديدة بطلها أردوغان
الثلاثاء 22 مايو, 2018   01:35

مركز الأخبار

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل مطلع كانون الأول 2017، بدأ الرئيس التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، باستغلال القضية الفلسطينية للترويج لنفسه في العالم العربي والإسلامي بعد أن اهتزت صورته نتيجة دعمه للمجموعات الإرهابية والإخوان المسلمين وكذلك دعمه لقطر وتعاونه مع إيران.

وأطلق أردوغان رئيس تركيا العضوة في حلف الناتو إلى جانب أمريكا التي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، التصريحات الرنانة بهدف لفت انتباه المسلمين ودعا منظمة التعاون الإسلامي لعقد قمة خرجت بقرارات لم تتجاوز التنديد ورفض القرار، دون أن تصاحبها قرارات فعلية أو مقاطعة لإسرائيل. كما تبادل الجانبان التركي والإسرائيلي تصريحات دبلوماسية متبادلة دون أن يؤثر ذلك على العلاقات بينهما.

تصريحات دبلوماسية متبادلة بين تركيا وإسرائيل

إن التصريحات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل ليست جديدة، ففي شباط عام 2009 أدلى قائد القوات البرية الإسرائيلية "آفي مزراحي" بتصريحات خاطب فيها أردوغان وأشار إلى أن الأتراك "نفذوا مجازر ضد الأرمن والكرد، وإلى احتلال شمال قبرص"، ودعا أردوغان بأن "ينظر إلى نفسه في المرآة أولاً"، ما أدى إلى أزمة في العلاقات بين البلدين.

وعقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصف أردوغان إسرائيل بدولة الاحتلال والإرهاب في نيسان 2018، ووصف قادتها بالدموية.

فيما رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تصريحات أردوغان بالقول إنه لن يتلقى درساً في الأخلاق من رئيس دولة يقصف قرى الكرد داخل دولته ويحبس الصحفيين ويساعد إيران على خرق العقوبات الدولية.

الرد الإسرائيلي استفز أردوغان، الذي عاد لمهاجمة نتنياهو، قائلاً "ليس هناك من يحبك بصدق في هذا العالم، والرد الدولي في الأمم المتحدة على خطوتك بشأن القدس واضح، ولا تغرك أسلحتك النووية، فهي قد لا تعمل عندما تحتاج إليها، لذلك دعك من مناكفتنا وكن صادقاً، فأنت لن تتلقى منا أي رد إيجابي".

ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي عاد ليستفز أردوغان، بتغريدة جديدة، قال فيها "أردوغان غير معتاد على أن يتم الرد عليه… يجب أن يبدأ بالاعتياد على الردود… فمن يحتل شمالي قبرص، ويغزو المناطق الكردية ويذبح المدنيين في عفرين، لا يحق له أن يعظنا بالقيم والأخلاق".

ومؤخراً، وبعد الأحداث التي شهدها قطاع غزة في الذكرى الـ 70 للنكبة، وفقدان 62 فلسطينياً لحياتهم، أعلنت تركيا طرد السفير والقنصل العام الإسرائيليين لكن "لفترة مؤقتة"، محتفظاً بذلك بخط للعودة إلى فتح العلاقات مجدداً خصوصاً أنه أعاد عام 2016 تطبيع العلاقات بعد حادثة سفينة "مافي مرمرة" دون أن يتم رفع الحصار عن غزة وهو الشرط الذي وضعه أمام إسرائيل لتطبيع العلاقات.

ومؤخراً دعا أردوغان لقمة استثنائية لمجلس التعاون الإسلامي، والتي صدر منها بيان فقط يطالب بتحقيق دولي وإرسال قوات دولية إلى فلسطين للحفاظ على حياة الفلسطينيين، لكن دون أن تكون مقترنة بقرارات مقاطعة لإسرائيل رغم دعوة رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله إلى المقاطعة.

ويرى البعض أن هذه القمة الاستثنائية التي عقدت يوم الجمعة المنصرم، تأتي في سياق البروباغندا، وهي غير بعيدة عن الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الذي تنتظره تركيا في حزيران/يونيو المقبل.

هل أردوغان جاد بتصريحاته أم يستخدمها للترويج لنفسه ؟

من السهل جداً معرفة أن تصريحات أردوغان ضد إسرائيل تأتي في سياق الدعاية ومحاولة تلميع صورته أمام العالم العربي والإسلامي خصوصاً بعد أن فشلت الجماعات التي دعمها في الوصول إلى السلطة في البلدان التي شهدت ربيعاً مثل تونس ومصر والآن في سوريا. يكفي فقط العودة إلى تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية في عهد رجب طيب أردوغان عندما كان رئيساً للوزراء وبعدما أصبح رئيساً حتى نعرف مدى العلاقة المتينة التي تربط الطرفين.

بدايات العلاقات التركية الإسرائيلية

إن العلاقات بين تركيا وإسرائيل قديمة، إذ لعبت الدولة العثمانية أجداد الأتراك الدور الأبرز لفتح باب هجرة اليهود نحو فلسطين منذ أعوام 1800، وذلك عبر تسهيل شراء اليهود للأراضي تحت اسم "الأراضي البور"، ما شجع اليهود على السفر إلى فلسطين.

ومع إقرار الأمم المتحدة إقامة دولة يهودية ودولة فلسطينية على أرض فلسطين عام 1947، عارضت تركيا بشدة كما الآن، هذا القرار، وكعادتهم، استغل الحكام الأتراك هذا الإعلان، من أجل الدعاية لأنفسهم في العالم العربي والإسلامي، وإظهار أنفسهم كحماة للمسلمين والدين الإسلامي. ولكن سرعان ما انكشفت النية التركية وزيف ادعاءاتها، عندما اعترفت كأول دولة مسلمة بإسرائيل بداية عام 1949 وبدأت منذ عام 1950 بإقامة علاقات دبلوماسية معها.

وفي الفترة بين أواخر الستينيات وأواخر السبعينيات توترت العلاقات بين البلدين، ولكنها سرعان ما عادت للتطور مع بداية الثمانينيات. وتطورت العلاقات مع بداية التسعينيات وصولاً إلى عهد رجب طيب أردوغان عندما كان رئيساً للوزراء اعتباراً من عام 2002 وكذلك بعدما أصبح رئيساً للجمهورية.

وعلى الرغم من التصريحات السياسية اللاذعة وهجومه على إسرائيل، إلا أن أردوغان يستمر في الوقت ذاته بتطوير العلاقات مع إسرائيل، وخصوصاً الأمنية، والعسكرية والتجارية والسياحية.

التعاون الأمني والعسكري

مع بداية تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الوزراء في تركيا، توجه رئيس الأركان التركي الجنرال حلمي أزكوك، إلى إسرائيل في تموز/يوليو 2002، والتقى بنظيره الإسرائيلي موشيه يعلون. وفي تشرين الثاني من نفس العام أجرى رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع  الإسرائيلية اللواء احتياط عاموس جلعاد نقاشاً دورياً حول العلاقات الأمنية بين إسرائيل وتركيا، وفي تشرين الثاني عام 2003 جرى نقاش في وزارة الدفاع بأنقرة بمشاركة كبار مسؤولي قسم التكنولوجيا في الجيش الإسرائيلي، وحينها قال عاموس جلعاد إن النشاط المشترك بين الجيشين التركي والإسرائيلي ارتفع سنة 2003 بنسبة 40 % قياساً بالنشاط سنة 2002.

وفي نيسان 2005 اشترت تركيا 3 طائرات دون طيار من نظام UAV واشترت نظم محطات أرضية من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بتكلفة 183 مليون دولار. واستمرت العلاقات بالتطور بين نظام رجب طيب أردوغان وإسرائيل لدرجة أن أردوغان استعان عام 2008 بإسرائيل لتزويده بطائرات دون طيار ومناظير ليلية ومعلومات استخباراتية في حربه على الشعب الكردي.

وخلال زيارة أردوغان في أيار/مايو عام 2005 لإسرائيل ولقائه الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريل شارون، اتفق الطرفان على مواصلة التعاون المشترك خصوصاً في المجال العسكري وأكدوا على تطوير 17 مشروعاً مشتركاً بين تركيا وإسرائيل في المجال العسكري تقوم بموجبها تركيا بشراء معدات عسكرية إسرائيلية مقابل أن تزود تركيا إسرائيل بالمياه.

وكانت أبرز صفقة عسكرية يصل حجمها إلى نصف مليار دولار، تقوم إسرائيل بموجبها بتطوير حوالي 30 طائرة حربية تركية من طراز أف 4 فانتوم.

ويقول الكاتب أحمد خالد الزعتري في كتابه "العلاقات  التركية الإسرائيلية 2002 – 2016"، أنه على الرغم مما قام به أردوغان من توقيع اتفاقيات متعددة مع إسرائيل، إلا أن حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، استطاع أن يكسب الرأي العام التركي من خلال تصريحاته السياسية المناهضة للمواقف والممارسات الإسرائيلية في فلسطين".  ويتابع قائلاً "أما على صعيد الممارسات الفعلية ضمن استراتيجيته ... فقد وثق علاقته مع إسرائيل في المجال الأمني والعسكري لكسب إسرائيل في تحقيق الأهداف التي ترنو إليها السياسة التركية لحزب العدالة والتنمية الحاكم...".

ويقول المتحدث باسم صناعة الطائرات الإسرائيلية، دورون سوليك، إن تركيا هي ثاني أكبر زبون عسكري بعد الهند.

إسرائيل تستخدم الأجواء التركية لقصف دير الزور السورية

في 6 أيلول عام 2007، شنت طائرات إسرائيلية غارة على منشأة في دير الزور، قالت إسرائيل إنها نووية ولكن دون أن يكون هناك دليل على ذلك. المعلومات رشحت أن الطائرات الإسرائيلية عبرت الأجواء التركية أثناء قدومها إلى سوريا من جهة الغرب فوق لواء الاسكندون المحتل من قبل تركيا، ثم ألقت الطائرات الإسرائيلية خزاني وقود داخل الأراضي التركية ما سبب إحراجاً لتركيا.

التعاون الاقتصادي

على الرغم من الادعاء بتوتر العلاقات السياسية بين تركيا وإسرائيل في بعض الأحيان نتيجة التصريحات التي يدلي بها أردوغان ويحاول بها خداع العالم الإسلامي والعربي خصوصاً، إلا أن الميزان التجاري بين تركيا وإسرائيل حافظ على مستوى نموه وتطوره حتى في الفترات التي شهدت توتراً شديداً في العلاقات السياسية، وهذا يعد مؤشراً على طبيعة السياسة الخارجية التي يتبعها حزب العدالة والتنمية التركي في المنطقة.

أردوغان الذي يحاول إظهار نفسه كخليفة للمسلمين ويتحدث عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ويتباكى عليهم، لم تتجه دولته منذ اعترافها بإسرائيل نحو الأسواق العربية لتطوير العلاقات معها، بل توجهت ناحية السوق الإسرائيلية، وما ذكره وزير التجارة والاقتصاد التركي جميل بارلاس عام 1949 بعد زيارة وفد إسرائيلي إلى تركيا خير دليل، إذ قال الوزير التركي: إن تركيا وإسرائيل تتمم إحداهما الأخرى من وجهة النظر التجارية. فبينما تستورد تركيا المنتجات الصناعية من إسرائيل على نطاق واسع تقوم الأخيرة باستيراد المواد الخام من تركيا، وما زال أردوغان يسير على خطا سابقيه من حكام تركيا.

أردوغان يدعي دعم جهود السلام ولكنه اصطحب رجال الأعمال إلى إسرائيل

ويحاول رجب طيب أردوغان من خلال تصريحاته إظهار نفسه بأنه داعٍ إلى السلام، ولكن أفعاله تثبت عكس ذلك، فخلال أول زيارة له إلى إسرائيل في الأول من أيار عام 2005، قال بأنه توجه إلى إسرائيل لأنه يرغب في المشاركة بجهود السلام التي تشهدها المنطقة، ولكن في حقيقة الأمر، اصطحب أردوغان معه أكثر من  100 من رجال الأعمال الأتراك.

والتأكيد على التعاون التجاري الوثيق، هي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عام 2007 عندما قال بأن عشرات الشركات الإسرائيلية تعمل في تركيا وتضخ المليارات للناتج القومي التركي، ودعا أولمرت إلى زيادة عدد السائحين الأتراك إلى إسرائيل.

ليس هذا فحسب، بل أثناء عمليات الخصخصة التي أجريت سنة 2008 في تركيا، دخلت إسرائيل على خط شراء بعض المؤسسات التركية، كما أن هناك 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية وأكثر من 580 شركة تركية في إسرائيل.

وعندما تولى أردوغان رئاسة الوزراء في تركيا بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل 1.405 مليار دولار، في حين بلغ حجم التبادل عام 2016 بعد أن أصبح أردوغان رئيساً لتركيا 4.341 مليار دولار وفق الإحصاءات التركية.

وبلغ حجم التبادل التجاري في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2017، 3.2 مليار دولار، ليس هذا وحسب، بل أن حجم التبادل التجاري بين البلدين حتى عند حادثة سفينة "مافي مرمرة" عام 2009، بلغ 2.6 مليار دولار، وهذه الأرقام والإحصاءات تؤكد على استمرار العلاقات بين أردوغان وإسرائيل حتى في أشد الفترات توتراً.

قطاع السياحة

من الناحية السياحية أيضاً ازدهرت العلاقات بين تركيا وإسرائيل. فقد اعتُبرت تركيا هدفاً شعبياً جداً لدى السياح الإسرائيليين، وكانت تنطلق كل أسبوع عشرات الرحلات الجوية من مطار بن غوريون في تل أبيب إلى المدن التركية. في فترة الصيف والأعياد، كان يمكن أن يصل عدد الرحلات الجوية إلى العشرات يومياً.

وبلغ عدد السيّاح الإسرائيليين الذين سافروا إلى تركيا عام 2007 نحو 400 ألف، شكلوا نحو 2% من مجموع السياح القادمين إلى الدولة. وبلغت الأعداد ذروتها سنة 2008، فقد تجاوز عدد السياح الإسرائيليين النصف مليون زائر.

وتعد السمة الأبرز للعلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل هي التطور والازدهار إبان حكم حزب العدالة والتنمية على عكس العلاقات الدبلوماسية. لذلك تعد العلاقات الاقتصادية بينهما هي من أهم العوامل التي تحافظ على العلاقة بينهما، وتبقي تركيا وإسرائيل أمام ضرورة الحفاظ  على مصالحهما التجارية، وبالتالي يعتبر العامل الاقتصادي هو العامل القوي الذي ما زال يشكل الرابط المحافظ على العلاقة بين البلدين.

وهذا ما يفسر رفض حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، التصويت على مشروع قرار ينهي التطبيع السياسي والاقتصادي مع إسرائيل كان تقدم به حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض، الأسبوع المنصرم، الأمر الذي وصفه مراقبون بـ ”الازدواجية” في الموقف التركي.

سفير مصري: الاتهامات بين أردوغان ونتنياهو هي مسائل دعائية لا تؤثر على جوهر العلاقات

ويصف السفير عاصم مجاهد، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الاتهامات المتبادلة التي وقعت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنها مسائل دعائية لا تؤثر على جوهر العلاقات بين أنقرة وتل أبيب.

وأوضح مجاهد في تصريحات خاصة "للبوابة نيوز "، أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا أقوى مما يتصور البعض، فهي ترقى حتى إلى مستوى التعاون الأمني وتبادل المعلومات حول الدول العربية، فضلاً عن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، وليست هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها أردوغان إسرائيل ويتبادل الاتهامات مع الحكومة الإسرائيلية مع كل أزمة جديدة تقع في فلسطين وهي أمور متفق عليها بين الطرفين فإسرائيل ترفض تصريحات أردوغان في العلن وتقبلها في الخفاء وكذلك أردوغان وهذا جزء من علاقات الجانبين مع بعضهم متفق عليه.

وأشار مجاهد إلى أن كلاً من تركيا وإسرائيل لها موقف من المنطقة العربية، فتركيا تسعى إلى تفتيت الدول العربية خصوصاً المجاورة لها في محاولة لاستعادة النفوذ العثماني في المنطقة وإسرائيل لها مطامع في الأراضي العربية، فكلاهما مشترك في أن له مواقف مناوئة للعرب. وأكد أن كل الخلافات الطافية على السطح بين تركيا وإسرائيل هي خلافات شكلية أشبه بالتمثيلية ولا تؤثر على العلاقة بين الطرفين.

(ح)

ANHA