مخاوف من تصاعد العنف في سوريا وسط استمرار الانتهاكات وتعثر عودة المهجّرين

تثير الاعتداءات وحوادث القتل في مناطق مختلفة من سوريا، مخاوف من أن يؤدي استمرار المظالم والتهجير، وغياب المساءلة الفعلية، وتصاعد التحريض، إلى إعادة إنتاج أنماط من العنف الذي عانت منه البلاد خلال سنوات الحرب.

مخاوف من تصاعد العنف في سوريا وسط استمرار الانتهاكات وتعثر عودة المهجّرين
الأربعاء 28 تشرين الأول, 2026   05:48
مركز الأخبار

تتزايد المؤشرات التي تثير تساؤلات حول قدرة سوريا على تجنب دورة جديدة من العنف، مع استمرار الحوادث الأمنية والانتهاكات الحقوقية، وتصاعد التوترات المجتمعية، وبطء معالجة ملفات العدالة الانتقالية وعودة المهجّرين.

وخلال تشرين الأول الجاري، برزت تطورات متزامنة، من بينها التوترات التي شهدتها محافظة الحسكة، والاعتداءات التي استهدفت مهجّرين كرداً خلال محاولتهم العودة إلى كري سبي/ تل أبيض، فضلاً عن استمرار العوائق التي تحول دون عودة سكان سري كانيه إلى منازلهم، بالتزامن مع استمرار حوادث القتل والاستهداف في مناطق سورية عدة.

وتعيد هذه الوقائع ملف حماية المدنيين وحق العودة والسلم الأهلي إلى واجهة المشهد، في ظل استمرار الحوادث الأمنية وتزايد المخاوف من اتساع نطاق التوترات المجتمعية.

شهدت مدينة الحسكة منذ مطلع تشرين الأول الجاري عدة محاولات لزعزعة الأمن والاستقرار، ففي الثامن والتاسع من تشرين الأول، شهدت المدينة توترات أمنية على خلفية اعتداءات على رموز كردية، تخللتها تجمعات واحتجاجات، وأدت إلى إصابة عدد من المدنيين وتضرر ممتلكات، بالتزامن مع انتشار أمني وإطلاق نار في بعض المناطق.

وعقب الاعتداءات التي طالت عائلات كردية عائدة إلى كري سبي، 26 تشرين الأول، سعت بعض الجهات للتأجيج ضمن مدينة الحسكة. وحاولت مجموعات تقل دراجات نارية مهاجمة مبنى المحافظة، مرددة هتافات طائفية ضد الكرد، إلى جانب وقوع احتكاكات في محيط دوار الصناعة وكراج البولمان ودوار مرشو.

وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، بعد ساعات، أن الوضع تحت السيطرة، مشيرة إلى توقيف عدد من المشتبه بتورطهم في أعمال تخريبية واستمرار التحقيقات، دون معرفة أي معلومات إضافية حول المعتقلين.

وتأتي هذه التطورات في مرحلة تشهد فيها المحافظة تحركات مرتبطة بمسار الاندماج بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومية، عبر إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والإدارية، إلى جانب عودة المهجّرين من مناطق عدة، بينها سري كانيه ومحيطها.

وفي ظل هذه الأحداث، تبرز مخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية أو الاحتجاجات والمطالب المحلية إلى احتكاكات ذات طابع قومي، خصوصاً عندما تترافق مع خطاب تحريضي أو اعتداءات على المدنيين والممتلكات.

وتطالب الأحزاب السياسية والأعيان العربية والكردية بمعالجة هذه التوترات، والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حق المواطنين في التعبير والاحتجاج السلمي، ومنع أي جهة من استغلالها.

كري سبي.. الاعتداء على العائدين يهدد السلم الأهلي

في 26 تشرين الأول الجاري، تعرض مهجّرون كرد لاعتداءات أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم في كري سبي، في حادثة أعادت المخاوف من تجدد الانتهاكات التي تطال المهجّرين خلال محاولاتهم استعادة منازلهم وممتلكاتهم.

وأثارت الحادثة ردود فعل واسعة في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث شهدت مدن الدرباسية والحسكة وقامشلو وتل تمر وقفات احتجاجية تنديداً بالاعتداءات، ومطالبات بضمان حق المهجّرين في العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم بأمان وكرامة، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.

وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة الانتهاكات التي طالت مهجّرين كرداً في مناطق أخرى، ولا سيما سري كانيه، حيث واجهت عائلات عائدة في آب الماضي اعتداءات خلال محاولتها استعادة منازلها وممتلكاتها.

ولا تقتصر تداعيات هذه الاعتداءات على الأضرار التي تلحق بالمدنيين وممتلكاتهم، بل تمتد إلى السلم الأهلي، خصوصاً عندما تتحول قضية العودة إلى مصدر للتوتر والاحتقان، أو يجري توظيفها في خلافات سياسية ومجتمعية.

تتزامن أحداث كري سبي مع استمرار العقبات أمام مساعي إعادة المهجّرين إلى سري كانيه وريفها، بعد سنوات من التهجير. حيث تواجه قوافل العودة إلى سري كانيه عوائق متعددة، أبرزها استمرار وجود القوات التركية في عدد من القرى والنقاط العسكرية، وإغلاق طرق تحول دون وصول بعض العائلات إلى مناطقها، إلى جانب استمرار إشغال منازل مهجّرين في مركز المدينة.

وكان من المقرر أن تنطلق القافلة السابعة أمس الثلاثاء 27 تشرين الأول إلا أنه تم إرجاؤها إلى موعد غير مسمى.

أرقام القتل والجرائم.. نزيف مستمر خلال عام 2026

بالتزامن مع التوترات الأمنية والاعتداءات التي شهدتها مناطق سورية عدة خلال تشرين الأول الجاري، تكشف الإحصائيات المنشورة عن اتساع نطاق الجرائم في البلاد.

ووفق إحصائية نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان في 11 تشرين الأول 2026، سُجلت منذ بداية العام 410 جرائم قتل، أسفرت عن مقتل 454 شخصاً، بينهم 355 رجلاً و61 امرأة و38 طفلاً.

وتصدرت حلب قائمة المحافظات من حيث عدد الجرائم والضحايا، مع تسجيل 77 جريمة أسفرت عن مقتل 89 شخصاً، تلتها ريف دمشق بـ 59 جريمة أودت بحياة 71 شخصاً، ثم دير الزور بـ 50 جريمة خلّفت 51 قتيلاً.

كما سجلت الحسكة 30 جريمة أسفرت عن مقتل 31 شخصاً، والرقة 29 جريمة أدت إلى مقتل 30 شخصاً.

ومن أبرز الحوادث التي شهدها مطلع تشرين الأول 2026، هجوم مسلح استهدف حافلة تابعة لشركة خاصة للصناعات البلاستيكية، كانت تقل مهندسين وعمالاً قرب جسر مصياف في محيط منطقة الحولة بريف حمص الغربي، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين.

وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الخسائر البشرية واتساع نطاق الجرائم في مناطق متعددة، إلا أنها لا تعني أن جميع الحوادث ذات دوافع سياسية أو قومية أو طائفية، إذ تتنوع أسبابها بين الاقتتالات المحلية وحوادث أخرى مرتبطة بالنزاع.

هل تتجه سوريا نحو دورة جديدة من العنف؟

وتبقى ملفات حماية المدنيين، وعودة المهجّرين، والتحقيق في الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، من أبرز القضايا المطروحة، وفق مراقبين في ظل استمرار الحوادث الأمنية وتصاعد التوترات المجتمعية، بالتوازي مع بطء معالجة ملفات العدالة الانتقالية.

ومع استمرار هذه التطورات، تتزايد المخاوف لدى السورين من أن يؤدي تراكم المظالم والانتهاكات، وغياب المساءلة الفعلية، وتصاعد الخطاب التحريضي، إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وتهديد السلم الأهلي، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات أمنية وحقوقية متعددة.

(أم)

ANHA