ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟

ارتفعت أسعار المواد التموينية بشكل مفاجئ في الأسواق السورية، مع زيادات تتراوح بين 20 و30 بالمئة، وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، فيما تشير بيانات أممية إلى أن 7.2 ملايين شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن الأجور لا تزال دون مستوى تغطية الاحتياجات الأساسية.

ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟
ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟
ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟
ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟
ارتفاع أسعار المواد التموينية يضع السوريين أمام سؤال يومي: ماذا نأكل؟
السبت 17 تشرين الأول, 2026   03:20
دمشق

تواجه الأسر السورية موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد التموينية، طالت مختلف السلع الأساسية، من السكر والزيوت النباتية والأرز إلى البقوليات والشاي والقهوة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات وتقلبات سعر الصرف، ما يزيد صعوبة تأمين الاحتياجات الغذائية اليومية، ولا سيما لدى ذوي الدخل المحدود.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) من ارتفاع أسعار المواد الغذائية العالمية، فيما سجل سعر طن السكر بالجملة في سوريا نحو 750 دولاراً أمريكياً، وفق ما رصده مراسلو وكالتنا ANHA في الأسواق السورية.

وسجلت الليرة السورية تراجعاً في السوق الموازية، حيث بلغ سعر الدولار نحو 142 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 14,200 ليرة قديمة، حتى تاريخ اعداد التقرير.

وبحسب رصد مراسلينا في أسواق الجملة والمفرق بالعاصمة دمشق، طال الارتفاع مختلف المواد التموينية، إذ ارتفع سعر ليتر الزيت النباتي إلى 35 ألف ليرة سورية قديمة، وسعر كيلو السمنة المباعة بالفرط إلى 40 ألف ليرة.

فيما زادت أسعار الأرز بأنواعه الـ 15 المتوفرة في الأسواق، وفق الباعة، بنسبة 10 بالمئة، وأسعار البرغل بنوعيه الخشن والناعم بنسبة 8 بالمئة، ووصل سعر كيلو الحمص الحب إلى 25 ألف ليرة.

وتشهد الأسواق فروقات كبيرة في أسعار المنتجات بين الشركات العاملة في التعبئة والتغليف، تبعاً للعلامة التجارية وسمعة الشركة، في ظل مطالبات بتشديد الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار.

كما طالت الارتفاعات البهارات والسمسم والمعكرونة والمعلبات وغيرها من المواد التموينية، إلى جانب المتة التي ارتفع سعرها بنسبة 5 بالمئة، والشاي بنسبة 7 بالمئة، والقهوة بنسبة 10 بالمئة، فضلاً عن مختلف أنواع البسكويت والسلع الأساسية التي تحتاج إليها الأسر السورية.

من شراء المؤونة إلى تقليص الكميات

وفي سوق مساكن برزة بدمشق، رصد مراسلو الوكالة مشهداً يلخص جانباً من معاناة المواطنين مع ارتفاع الأسعار؛ إذ وقفت السيدة المسنة، أم سامي، تحمل بعض الأوراق النقدية من العملة السورية الجديدة، وطلبت من تاجر الجملة ربع كيلو من السمنة وعلبة زيت وكيلوغراماً من الأرز.

وعندما أخبرها التاجر أن ثمن مشترياتها يبلغ 70 ألف ليرة، فتحت يدها لتجد أن المبلغ الذي تحمله لا يكفي، فارتبكت وشعرت بإحراج شديد، وطلبت تقليص كمية الأرز إلى نصف كيلو، قائلة: "البارحة اشتريت هل أغراض بالسعر نفسه، بس اليوم ما بتكفي المصاري".

وقدمت ام سامي، اعتذارها للتاجر، الذي أبدى تفهماً لوضعها، واعتذر بدوره عن ارتفاع الأسعار، عارضاً عليها فواتير الشراء التي تصله لتوضيح الزيادات في التكاليف.

وقال البائع، أبو رياض صاحب المحل ذاته، إن الارتفاعات تضعهم أنفسهم أمام مخاطر الخسارة والإغلاق، مضيفاً: "لا ذنبي ولا ذنبك، إنه الارتفاع العالمي من جهة، وخسارة الليرة قيمتها من جهة أخرى، وارتفاع أسعار المحروقات وتوصيل البضائع من جهة ثالثة".

وأشار إلى أن إيجار محله ارتفع منذ بداية الشهر الجاري بنسبة 30 بالمئة دفعة واحدة، في حين يطالب العمال بزيادة أجورهم أو ترك العمل، مؤكداً أن الباعة والتجار ليسوا سعداء بهذه الزيادات، قبل أن يختتم حديثه بالقول: "الله يفرّج عليكم وعلينا".

وفي سوق شارع الثورة بدمشق، رصد مراسلونا تاجر الجملة، عبد الرحمن قولي، يعيد تسعير منتجاته، ويطلب من عماله إيقاف جميع الطلبات والتواصل مع الموزعين لوقف التوزيع والعودة إلى المحل.

وأوضح التاجر أن بيع البضائع بالأسعار القديمة لا يتيح له شراء الكميات نفسها مجدداً بالأسعار الجديدة، ما يدفعه إلى تعليق المبيعات مؤقتاً تفادياً لتكبد خسائر إضافية.

ولفت إلى أن المستوردين يعدّلون نشرات الأسعار بصورة متكررة مع كل ارتفاع في سعر الصرف، ويضيفون هوامش احتياطية تحسباً للتقلبات المفاجئة في الأسواق، الأمر الذي ينعكس على أسعار البيع ويزيد صعوبة استقرارها.

ارتفاعات تتجاوز 30 بالمئة وفق خبير اقتصادي

وفي تصريح لوكالتنا، بيّن الخبير الاقتصادي عصام أنس، أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار المواد التموينية تتراوح بين 20 و30 بالمئة، عازياً ذلك إلى مجموعة من العوامل، بينها حالة عدم اليقين وتعثر التجارة العالمية، إلى جانب عوامل محلية تشمل رسم الإنفاق الاستهلاكي المفروض على المستوردات، وارتفاع تكاليف العمل والمحروقات والضرائب والرسوم.

وأوضح الخبير أن المواطنين هم الطرف الأكثر تضرراً من هذه الزيادات، مشيراً إلى أن الشريحة الهشة، التي قدّر أنها تشكل 60 بالمئة، تواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

وتوقع استمرار الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع العالمية، ولا سيما المواد الغذائية والتموينية، مشيراً إلى أن أسعار القمح العالمية سجلت ارتفاعاً بنسبة 5.8 بالمئة على أساس سنوي، وفق الأرقام التي استند إليها، في حين أن الارتفاعات داخل سوريا أعلى بكثير، بحسب تقديره.

وأضاف أن راتب الموظف السوري، حتى من الموظفين القدامى الذين يتقاضون نحو 100 دولار أمريكي، لم يعد يكفي لشراء مؤونة المنزل من المواد التموينية لمدة أسبوع، فضلاً عن الالتزامات الأخرى، من أقساط وأجور المنازل وغيرها من المصاريف اليومية.

وفرة الموارد الزراعية لا تعني ضمان الأمن الغذائي

وحول ما يتداول بشأن قدرة سوريا على إطعام ثلاثة أضعاف عدد سكانها، قال الخبير الاقتصادي إن ذلك ممكن في حال التوجه نحو الزراعة الذكية وتقديم التسهيلات اللازمة للفلاحين، بدلاً من احتجاز مستحقاتهم المالية، مشيراً إلى مزارعي القمح والقطن الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم حتى الآن.

وأكد أن سوريا تمتلك موارد وخيرات زراعية متعددة، لكنه رأى أن استثمارها لا يزال يواجه عوائق، وعزا ذلك إلى ما وصفه بوجود قرار سياسي يمنع استثمار هذه الموارد بالشكل المطلوب.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الموسم الزراعي السوري لعام 2026 شهد تحسناً في إنتاج الحبوب، مدعوماً بالأمطار الوفيرة، بعد موسم 2025 المتضرر من الجفاف.

ومع ذلك، حذرت المنظمة من استمرار انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا سيما في مناطق من شمال شرق سوريا وشمالها الغربي، بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل وتراجع قيمة العملة ومحدودية فرص العمل.

مؤشرات أممية: 7.2 ملايين شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد

وتتزامن الارتفاعات التي رصدت مع مؤشرات أممية تحذر من استمرار تدهور القدرة الشرائية للأسر السورية.

فبحسب برنامج الأغذية العالمي، لا يزال 7.2 ملايين شخص في سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.6 مليون شخص يعيشون أوضاعاً شديدة.

وأوضح البرنامج، في بيان صدر في 13 أيار 2026، أن نقص التمويل اضطره إلى خفض المساعدات الغذائية الطارئة من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً خلال أيار، كما أوقف برنامج دعم الخبز على مستوى البلاد، الذي كان يقدم الدعم لملايين الأشخاص يومياً.

وأشار البرنامج إلى أن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية اليومية، ما يدفعها إلى تقليص حصص الطعام، أو اللجوء إلى أغذية أقل قيمة غذائية، أو تخطي بعض الوجبات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على التغذية، ولا سيما لدى الأطفال.

وفي تقريرها بشأن الأمن الغذائي في سوريا، الصادر في 28 آب 2026، أفادت منظمة الأغذية والزراعة بأن كلفة سلة الإنفاق الدنيا، وهي مؤشر لقياس تكاليف المعيشة والاحتياجات الأساسية، ارتفعت بأكثر من 30 بالمئة على أساس سنوي حتى حزيران الماضي.

الفقر وتراجع المساعدات يزيدان أعباء الأسر

وتُظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي أن 18 بالمئة فقط من سكان سوريا يتمتعون بالأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 7 ملايين شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي ومحدودية فرص العمل وارتفاع الأسعار.

ماذا ستأكل الأسر السورية الفقيرة؟

في ظل هذه التطورات، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الأسر السورية الفقيرة، التي قدّر الخبير الاقتصادي نسبتها بأكثر من 60 بالمئة، على تأمين احتياجاتها الغذائية، ولا سيما مع تراجع المساعدات الغذائية وصعوبة الوصول إلى السلال الإغاثية، وغياب مصادر دخل كافية لدى شرائح واسعة من السكان.

كما تطرح الارتفاعات المتتالية تساؤلات بشأن دور الجهات المعنية في مراقبة الأسواق ومنع الاستغلال، وضبط فروقات الأسعار بين الشركات والموزعين، ومراجعة أثر الضرائب والرسوم والمحروقات وتكاليف النقل على أسعار السلع الأساسية، إلى جانب وضع آليات لحماية أصحاب الدخل المحدود من تآكل قدرتهم الشرائية.

وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً في ظل تزامن ارتفاع أسعار المواد التموينية مع زيادة تكاليف المحروقات، والشكاوى من انتشار البنزين المغشوش، وارتفاع الأعباء المعيشية، مقابل رواتب لا تكفي لتغطية احتياجات الأسرة سوى لأيام قليلة، وفق ما أورده مراسلو وكالتنا وشهادات المواطنين والتجار.

وبينما تواجه الأسر خيارات صعبة لتقليص الإنفاق، تبرز الحاجة إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية متكاملة، تشمل تشديد الرقابة على الأسواق، وتعزيز المنافسة والشفافية في التسعير، ودعم الإنتاج الزراعي المحلي وتسديد مستحقات المزارعين، إلى جانب توسيع المساعدات الغذائية والنقدية للفئات الأكثر هشاشة.

(أم)

ANHA