عام من المبادرات والتطورات عقب مراسم إحراق الأسلحة التاريخية

مرّ عام على مراسم إحراق الأسلحة التاريخية التي نفذها 30 مقاتلاً ومقاتلة من حزب العمال الكردستاني، ورغم أن الدولة التركية، لم تتخذ الخطوات المتوقعة لدفع العملية قدماً، فإن القائد عبد الله أوجلان واصل خلال هذا العام اتخاذ مبادرات جديدة للحيلولة دون تعثر المسار، الأمر الذي أفضى إلى تطورات سياسية ومجتمعية بارزة.

عام من المبادرات والتطورات عقب مراسم إحراق الأسلحة التاريخية
السبت 11 تموز, 2026   02:30
مركز الاخبار

في 11 تموز 2025، أُقيم في كهف جاسنة بمدينة السليمانية مراسم إحراق أسلحة 30 مقاتلاً من "مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي"، وقد نُظمت المراسم استجابةً لنداء القائد عبد الله أوجلان بشأن "عملية السلام والمجتمع الديمقراطي"، وعُدَّت محطة تاريخية في مسار البحث عن حل للقضية الكردية.

ومضى عام كامل على هذه المراسم، شهدت خلاله العملية عدداً من الخطوات السياسية والعسكرية والمجتمعية، إلى جانب تطورات ونقاشات عديدة. فما أبرز ما جرى خلال هذا العام؟ وما الخطوات التي اتُّخذت؟ وما أبرز العقبات التي واجهت هذا المسار؟

في هذا الملف، نستعرض أبرز تطورات العام الأول الذي أعقب مراسم إحراق الأسلحة بشكل رمزي، ونتناول أهم المحطات التي شهدتها العملية.

النداء التاريخي في 27 شباط

في 27 شباط 2025، أعلن وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي ضم سري ثريا أوندر، وبروين بولدان، وتولاي حاتمي غولاري، وتونجر باكيرهان، وجنكيز جيجيك، وأوزغور إيرول، "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان.

وجاء في النداء: "كيف أن كل مجتمع وحزب معاصر لم يُنهَ وجوده بالقوة، فيجب عليكم أيضاً أن تعقدوا مؤتمركم طواعيةً وتتخذوا القرارات؛ يجب على كل المجموعات أن تلقي أسلحتها، وعلى حزب العمال الكردستاني أن يحلّ نفسه. وأبعث بسلامي إلى كل أولئك الذين يؤمنون بالعيش معاً والذين يصغون لندائي".

وعقب إعلان النداء، نقل سري ثريا أوندر تصريحاً قال إنه لم يرد في النص المكتوب، لكنه جاء بطلب خاص من القائد عبد الله أوجلان، ونصه: "لا شك أن إلقاء السلاح وحل حزب العمال الكردستاني عملياً لا يمكن أن يتحققا إلا في ظل الاعتراف بالسياسة الديمقراطية وتوفير الأساس القانوني اللازم".

حزب العمال الكردستاني يعلن وقف إطلاق النار

في الأول من آذار 2025، أصدرت اللجنة القيادية لحزب العمال الكردستاني بياناً بشأن "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي"، أعلنت فيه وقفاً لإطلاق النار اعتباراً من ذلك التاريخ، بهدف تنفيذ دعوة القائد عبد الله أوجلان.

وجاء في البيان: "ما لم نتعرض لهجمات، فإن قواتنا العسكرية لن تنفذ أي عمليات مسلحة. أما إلقاء السلاح فلا يمكن أن يتحقق إلا بقيادة عملية تطبيقية يشرف عليها القائد عبد الله أوجلان".

ولا يزال وقف إطلاق النار مستمراً بين الطرفين حتى اليوم.

أولى الخطوات كانت كونفرانس روج آفا

في 26 نيسان 2025، عُقد في مدينة قامشلو "كونفرانس الوحدة والموقف الكردي في روجافا كردستان"، وذلك عقب إطلاق نداء السلام والمجتمع الديمقراطي.

واعتبر الكونفرانس من أوائل الخطوات العملية لتنفيذ المبادرة، وشارك فيه أكثر من 400 مندوب يمثلون أحزاباً وقوى كردية وكردستانية من روج آفا وشمال كردستان وجنوب كردستان ومناطق سورية أخرى.

حزب العمال الكردستاني يعقد مؤتمره الثاني عشر ويقرر حل نفسه

استجابةً لنداء عبد الله أوجلان الصادر في 27 شباط 2025، عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره الاستثنائي الثاني عشر بين 5 و7 أيار في مناطق الدفاع ميديا.

وانعقد المؤتمر في موقعين مختلفين بالتزامن، بمشاركة 232 مندوباً، بينهم أعضاء اللجنة القيادية واللجنة المركزية للحزب، والرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني (KCK)، وأعضاء المجلس العسكري لقوات الدفاع الشعبي (HPG)، وأعضاء تنسيقيتي (KJK) و(PAJK).

وافتتح المؤتمر عضو اللجنة القيادية دوران كالكان، ثم قُدمت التقارير السياسية المستندة إلى رؤية القائد عبد الله أوجلان، بالإضافة إلى تقرير اللجنة المركزية، قبل أن يناقش المشاركون التطورات السياسية والعسكرية وآفاق المرحلة الجديدة.

واستمرت أعمال المؤتمر ثلاثة أيام، شهدت نقاشات وتقييمات موسعة حول ملفات القيادة، والشهداء، والجرحى، والبنية التنظيمية للحزب، والكفاح المسلح، وبناء المجتمع الديمقراطي، وانتهت بإقرار جميع مشاريع القرارات بالإجماع.

وكان أكثر القرارات إثارة للنقاش هو المشروع المتعلق بإنهاء الكفاح المسلح وحل البنية التنظيمية لحزب العمال الكردستاني. وبعد مداولات موسعة، تقرر حل الهيكل التنظيمي للحزب، وإنهاء نهج الكفاح المسلح، ووقف جميع الأنشطة التي تُمارس باسم حزب العمال الكردستاني، على أن يتولى القائد عبد الله أوجلان قيادة وإدارة مرحلة تنفيذ هذا القرار.

القائد يوجّه نداءً مصوراً

يمضي القائد عبد الله أوجلان 26 عاماً، في سجن إمرالي تحت عزلة مشددة، وهو انتهاكاً مستمراً لحقوقه القانونية.

ورغم ذلك، واصل القائد الدفع بمسار "السلام والمجتمع الديمقراطي"، داعياً إلى استبدال السلاح والحرب بالعمل السياسي الديمقراطي، وترسيخ الحقوق الكردية ضمن إطار قانوني.

ولمنع تعثر العملية، وجّه القائد عبد الله أوجلان نداءً تاريخياً مصوراً من سجن إمرالي، نُشر في 9 تموز 2025، وحظي باهتمام واسع على المستويين الإقليمي والدولي.

مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي تحرق أسلحتها

في 11 تموز، أقدم 30 مقاتلاً ومقاتلة من حزب العمال الكردستاني (PKK)، أطلقوا على أنفسهم اسم "مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي"، على إحراق أسلحتهم خلال مراسم خاصة وُصفت بالتاريخية، أُقيمت في كهف جاسنة بمدينة السليمانية.

وحظيت مراسم إحراق الأسلحة بمتابعة مئات الصحفيين من تركيا وكردستان ومختلف أنحاء العالم، وتصدرت اهتمام وسائل الإعلام الدولية. كما حضرها عدد كبير من السياسيين والكتاب والمثقفين وممثلي المؤسسات.

وقبل إحراق الأسلحة، تلا المشاركون بياناً باللغتين الكردية والتركية، حيث قرأت الرئيسة المشتركة لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) بسه هوزات البيان باللغة التركية، فيما تلاه بالكردية القيادي في حركة التحرر الكردستاني نديم سيفن.

تشكيل لجنة برلمانية

عقب مراسم إحراق الأسلحة، شُكّلت للمرة الأولى في البرلمان التركي لجنة خاصة لمعالجة القضية الكردية، حملت اسم "لجنة الديمقراطية والأخوة والتضامن الوطني"، وذلك في 5 آب وضمت 50 عضواً.

وشاركت جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان في اللجنة، باستثناء حزب الجيد (İYİ Parti)، وفقاً لتمثيلها البرلماني. واستمعت اللجنة إلى عدد كبير من الشخصيات والمؤسسات المدنية والهيئات الرسمية.

وبعد نقاشات مطولة، قررت اللجنة في 21 تشرين الثاني التوجه إلى سجن إمرالي، حيث زار وفد برلماني، في 24 تشرين الثاني، القائد عبد الله أوجلان، وضم الوفد نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب DEM غوليستان كيليتش كوتشييغيت، ونائب رئيس حزب الحركة القومية (MHP) فتي يلدز، ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية (AKP) حسين يايمان.

ووُصفت هذه الزيارة بأنها تاريخية، كونها المرة الأولى التي يجري فيها لقاء من هذا النوع.

إقرار تقرير اللجنة رغم الانتقادات

بعد تسلم تقارير الأحزاب السياسية، بدأت اللجنة البرلمانية بإعداد تقرير مشترك، وأقرته خلال جلستها الأخيرة في 18 شباط 2026 قبل نشره للرأي العام.

ورغم تعرض التقرير لانتقادات بسبب ما اعتُبر أوجه قصور فيه، فإنه قوبل بوصفه خطوة جديدة في مسار العملية.

انسحاب قوات الكريلا من شمال كردستان

في 26 تشرين الأول، أعلنت قيادة حركة التحرر الكردستانية، في بيان صدر من قنديل، سحب قواتها من شمال كردستان وتركيا، بهدف إزالة العقبات التي تعترض العملية.

وأوضحت أن هذا القرار جاء بمبادرة من القائد عبد الله أوجلان لتجاوز حالة الجمود التي شهدها المسار، فيما لقي الإعلان صدى واسعاً، وعُدَّ خطوة مهمة لدفع العملية إلى الأمام.

توقيع اتفاق 29 كانون الثاني

في 5 و6 كانون الثاني، بدأت الحكومة المؤقتة في سوريا حصاراً وهجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب.

ومع استمرار المواجهات، امتدت الاشتباكات إلى دير حافر، والطبقة، والرقة، ودير الزور، والشدادي، والهول، وتل كوجر، وتل براك، ومحيط الحسكة، وسد تشرين، ومحيط كوباني وعين عيسى.

وفي ظل استمرار القتال، دخل القائد عبد الله أوجلان على خط الوساطة، وأسفرت جهوده عن توقيع اتفاق في 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية.

وكانت مسألة الاندماج الديمقراطي، من أبرز القضايا التي شدد عليها أوجلان. وبموجب الاتفاق، انطلقت مرحلة جديدة من الحوار بين دمشق وروج آفا، ورغم ما واجهته من تعثرات، فقد توقفت الأعمال العسكرية ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما لا تزال المباحثات بين الجانبين مستمرة لتطبيق بنود الاتفاق.

استمرار العمليات التركية

رغم الخطوات التي اتخذها القائد عبد الله أوجلان، ومراسم إحراق الأسلحة، لم يقدم أن الجانب التركي الخطوات المطلوبة لإنجاح العملية. وأن حكومة حزب العدالة والتنمية واصلت، طوال هذه الفترة، عملياتها العسكرية، إلى جانب الإجراءات السياسية.

ففي تشرين الثاني 2024، فُرضت الوصاية على بلدية ماردين الكبرى، كما صدر في 22 تشرين الثاني حكم بالسجن لمدة تسع سنوات بحق الرئيس المشترك السابق لبلدية هكاري محمد صديق أكيش

كما حُكم على الرئيس المشترك لبلدية ديرسم جودت كوناق، ورئيس بلدية بولومور مصطفى ساري غول بالسجن ست سنوات وثلاثة أشهر، قبل أن تُفرض الوصاية على البلديتين بعد يومين.

وفي 29 تشرين الثاني فُرضت الوصاية أيضاً على بلدية باش قلعة (مكس) في ولاية وان.

وخلال استمرار لقاءات وفد إمرالي، فُرضت الوصاية كذلك على بلديات أكدنيز في 13 كانون الثاني 2025، وبلدية وان الكبرى في 15 شباط، وبلدية كاغيزمان التابعة لولاية قارص في 24 شباط.

وخلال الفترة بين 18 و21 شباط، استهدفت السلطات مؤتمر الشعوب الديمقراطي (HDK)، حيث اعتُقل 52 شخصاً، بينهم سياسيون ونقابيون وفنانون وصحفيون.

ومنذ آذار، توسعت التحقيقات لتشمل بلديات يديرها حزب الشعب الجمهوري (CHP)، مع استمرار تعيين أوصياء عليها. كما يشير تم تعيين الرئيس السابق للحزب كمال كليجدار أوغلو، وصياً بدلاً من رئيس الحزب أوزغور أوزيل، واصفاً المراقبون ذلك بأنه "انقلاب على العملية".

وفي 3 تموز، مددت وزارة الداخلية التركية ولاية الأوصياء المعينين على بلديات ماردين وباتمان (إيليه) وخلفتي لمدة شهرين إضافيين.

حان وقت الخطوات القانونية

إن العملية التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان وصلت إلى أكثر مراحلها حساسية، وأن الأنظار تتجه اليوم إلى البرلمان التركي بعد الخطوات السياسية والعسكرية والعملية التي اتُّخذت. ومن ضرورة إقرار قانون شامل قبل بدء العطلة الصيفية للبرلمان، من شأنه أن يوفر الأساس القانوني لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي.

وبحسب مصادر في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM، فإن المشاورات بين الأطراف لا تزال مستمرة، إلا أن وفد الحزب لم يطلع حتى الآن على مشروع القانون المزمع عرضه على البرلمان، كما لم يعقد حتى الآن لقاء جديد مع عبد الله أوجلان في سجن إمرالي، الأمر الذي يجعل من غير المعروف ما إذا كان القائد عبد الله أوجلان قد اطلع على مسودة القانون.

في المقابل، أعلن حزب العدالة والتنمية أن مشروع القانون سيُعرض على البرلمان بعد انتهاء "قمة حلف الناتو" المقررة في أنقرة يومي 7 و8 تموز.

إن هذا القانون قد يشكل الأساس القانوني للعملية ويفتح الباب أمام خطوات ديمقراطية جديدة، أو لا يفعل ذلك، وهو ما يزال غير محسوم. ولذلك، تُعد المرحلة الحالية بالغة الأهمية، وسط ترقب واسع لما إذا كانت عملية السلام والمجتمع الديمقراطي ستستمر وتنتقل إلى مرحلة جديدة أم لا.

(د ج/أ ب)

ANHA