اليوم العالمي للغة السواحيلية.. احتفاء باللغات الأصلية وصون لهوية الشعوب

يجسد اليوم العالمي للغة السواحيلية أهمية اللغات الأصلية بوصفها حاملةً للهوية الثقافية، وركيزة لحفظ التراث وتعزيز التنوع الإنساني.

اليوم العالمي للغة السواحيلية.. احتفاء باللغات الأصلية وصون لهوية الشعوب
الثلاثاء 7 تموز, 2026   06:24
مركز الأخبار

اعتمدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) يوم 7 تموز من كل عام يوماً عالمياً للغة السواحيلية، لتكون أول لغة إفريقية تحظى بيوم دولي تعتمده المنظمة.

ويهدف هذا اليوم إلى إبراز مكانة السواحيلية بوصفها إحدى أكثر اللغات انتشاراً في القارة الأفريقية، والتأكيد على أهمية اللغات الأصلية بوصفها جزءاً أساسياً من التراث الإنساني والهوية الثقافية للشعوب.

وتعد السواحيلية (Kiswahili) من أكثر اللغات انتشاراً في أفريقيا، إذ يتحدث بها أكثر من 200 مليون شخص كلغة أم أو لغة ثانية، وتنتشر في دول عديدة أبرزها تنزانيا وكينيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي وموزمبيق، كما أنها إحدى اللغات الرسمية للاتحاد الإفريقي ومجموعة شرق أفريقيا.

ونشأت السواحيلية على الساحل الشرقي لأفريقيا نتيجة التفاعل التاريخي بين الشعوب الأفريقية والتجار القادمين من الجزيرة العربية وآسيا، فاحتفظت بجذورها الأفريقية مع تأثرها بمفردات عربية وفارسية وهندية، قبل أن تُكتب بالحروف اللاتينية في العصر الحديث.

ويأتي اعتماد هذا اليوم اعترافاً بالدور الذي تؤديه السواحيلية في تعزيز الحوار بين الثقافات، ودعم التعليم متعدد اللغات، وتوحيد شعوب شرق أفريقيا رغم تنوعها العرقي والثقافي، إضافة إلى الحفاظ على التراث الثقافي الأفريقي ونقله إلى الأجيال الجديدة.

وفي هذا السياق، تلخص المقولة الشهيرة للرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا أهمية اللغة الأم ومكانتها في وجدان الشعوب، حين قال: "إذا تحدثت إلى الإنسان بلغة يفهمها، يصل حديثك إلى عقله، وإذا تحدثت إليه بلغته الأم، يصل حديثك إلى قلبه."، وهي مقولة تختصر الدور الذي تؤديه اللغات الأصلية في ترسيخ الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء ونقل الذاكرة الجماعية بين الأجيال.

اللغات الأفريقية في مواجهة إرث الاستعمار

لا يقتصر الاحتفاء بالسواحيلية على لغة بعينها، بل يسلط الضوء على واقع اللغات الأصلية في أفريقيا التي تعرض كثير منها للتهميش خلال الحقبة الاستعمارية، عندما فرضت القوى الأوروبية لغاتها على مؤسسات الدولة والتعليم والإدارة.

فأصبحت الفرنسية اللغة الرسمية في عدد كبير من دول غرب ووسط أفريقيا، بينما انتشرت الإنكليزية في دول شرق وجنوب القارة، واعتمدت البرتغالية لغة رسمية في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر، الأمر الذي أدى إلى تراجع استخدام مئات اللغات المحلية في المجالات الرسمية، رغم أنها بقيت الحامل الأساسي للثقافة والتراث الشعبي.

وتؤكد اليونسكو أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية، ووسيلة لنقل التاريخ الشفهي والأدب الشعبي والمعارف التقليدية والقيم الاجتماعية، كما تمثل ركناً أساسياً في بناء الهوية الثقافية للشعوب. وتضم أفريقيا أكثر من ألفي لغة، ما يجعلها القارة الأكثر تنوعاً لغوياً في العالم، إلا أن العديد من هذه اللغات يواجه خطر التراجع أو الاندثار.

السواحيلية نموذج للغات الأصلية

تمثل السواحيلية نموذجاً ناجحاً لقدرة لغة إفريقية على التحول إلى لغة للتعليم والإعلام والثقافة والدبلوماسية، دون أن تفقد جذورها المحلية، وهو ما يشجع على دعم اللغات الإفريقية الأخرى وكذلك اللغات الأخرى للمكونات حول العالم ومنحها مكانة أكبر في الحياة العامة.

ولا يقتصر الاحتفاء باليوم العالمي للغة السواحيلية على أفريقيا وحدها، بل يحمل رسالة إنسانية عالمية تؤكد أن اللغات الأصلية ليست مجرد وسائل للتواصل أو لهجات هامشية، وإنما هي أوعية للهوية والذاكرة الجماعية والتراث الحضاري للشعوب. فكما تمثل السواحيلية ركناً أساسياً من هوية شعوب شرق أفريقيا، تشكل اللغات الكردية والأمازيغية والسريانية، إلى جانب مئات اللغات الأصلية الأخرى حول العالم، جزءاً لا يتجزأ من تاريخ وثقافة المجتمعات التي تتحدث بها.

وفي ظل استمرار هيمنة اللغات العالمية التي انتشرت بفعل الاستعمار ثم تعزز حضورها مع العولمة، تبرز أهمية حماية اللغات الأصلية وتعزيز استخدامها في التعليم والإعلام والحياة العامة، ليس بوصفها إرثاً ثقافياً فحسب، بل لأنها حقاً من حقوق الشعوب وركيزة أساسية للحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي الذي يشكل أحد أهم عناصر التراث الإنساني المشترك.

ويجسد اليوم العالمي للغة السواحيلية هذه الرسالة، مؤكداً أن صون اللغات الأصلية ليس حفاظاً على كلمات وقواعد لغوية فحسب، بل هو حماية لذاكرة الشعوب وتاريخها وحقها في التعبير عن هويتها ونقل ثقافتها إلى الأجيال القادمة.

(أم)

ANHA