مياه الصرف الصحي تهدد الزراعة والصحة في حمص

تتصاعد المخاوف في محافظة حمص من تفاقم ظاهرة ري المزروعات بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، في ظل تحذيرات من مخاطرها على سلامة الغذاء والصحة العامة والبيئة، وسط استمرار رصد مخالفات تهدد بتلوث المحاصيل وتراجع الثقة بالمنتجات الزراعية المحلية.

مياه الصرف الصحي تهدد الزراعة والصحة في حمص
الثلاثاء 16 حزيران, 2026   06:35
حمص

تتفاقم في محافظة حمص ظاهرة استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في ري المزروعات، لتتحول إلى واحدة من أخطر التحديات التي تهدد سلامة الغذاء وصحة المواطنين والبيئة، في ظل سعي بعض المزارعين إلى تأمين مصادر مياه تضمن استمرار الإنتاج الزراعي، مقابل تصاعد التحذيرات من التداعيات الصحية والبيئية لهذه الممارسات.

ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على تلوث المحاصيل الزراعية فحسب، بل تمتد إلى تدهور خصوبة التربة وتلوث المياه الجوفية وانتشار الحشرات والآفات، فضلاً عن المخاطر الصحية الناجمة عن انتقال الملوثات إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية، وسط استمرار رصد حالات ري بعض المزروعات، ولا سيما المحاصيل الورقية التي تُستهلك بشكل مباشر، بمياه الصرف الصحي غير المعالجة.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية مضاعفة في محافظة حمص، التي تعد من أبرز المحافظات الزراعية في سوريا.

وتشير بيانات مديرية زراعة حمص إلى أن المساحات المزروعة بالبطاطا الربيعية بلغت نحو 1769 هكتاراً، إضافة إلى نحو 7957 هكتاراً من أشجار التفاح التي تضم ما يقارب 3.5 ملايين شجرة، منها أكثر من 2.4 مليون شجرة مثمرة.

وتشهد المحافظة كذلك انتشاراً واسعاً لزراعة النباتات الطبية والعطرية، إذ بلغت المساحات المزروعة نحو 1354 هكتاراً من اليانسون، و1242 هكتاراً من الكزبرة البعل، و376 هكتاراً من الشمرة المروية، و259 هكتاراً من حبة البركة المروية، ما يعكس حجم القطاع الزراعي في حمص ويبرز حجم المخاطر المحتملة في حال استمرار استخدام مصادر ري ملوثة.

وفي هذا السياق، أوضح خبير زراعي في مديرية زراعة حمص (فضل عدم الكشف عن اسمه)، أن استخدام مياه الصرف الصحي في الري يؤدي إلى ترسب عناصر سامة ومعادن ثقيلة في التربة، من أبرزها الرصاص والزئبق، ما ينعكس سلباً على نمو النباتات وجودة الإنتاج الزراعي.

وأضاف أن هذه العناصر تتراكم مع مرور الوقت داخل التربة، الأمر الذي يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وتراجع خصوبتها وصعوبة استثمارها مستقبلاً بالشكل الأمثل.

وأشار إلى أن المخاطر لا تتوقف عند حدود التربة والمحاصيل، بل تمتد إلى المياه الجوفية التي قد تتعرض للتلوث نتيجة تسرب الملوثات إليها، ما يهدد أحد أهم الموارد الطبيعية ويزيد من حجم الأعباء البيئية والصحية على المجتمع.

ولفت مصدر في مديرية الزراعة، إلى أن بعض المزارعين يلجؤون إلى كسر خطوط الصرف الصحي وضخ المياه إلى أراضيهم الزراعية بشكل مخالف، ما يتسبب بأضرار مباشرة لشبكات الصرف الصحي ويؤدي إلى زيادة نسب التلوث في المناطق المحيطة.

كما أن هذه الممارسات تؤثر سلباً على ثقة المستهلكين بالمنتجات الزراعية، إذ يعزف العديد من المواطنين عن شراء المحاصيل التي يشتبه بريّها بمياه ملوثة، خوفاً من انعكاساتها الصحية الخطيرة.

ويعبر العديد من المواطنين في حمص عن مخاوف متزايدة من وصول منتجات زراعية مروية بمياه الصرف الصحي إلى الأسواق، في ظل صعوبة التمييز بين المحاصيل السليمة وتلك التي تعرضت للتلوث.

ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه المخاوف دفعتهم إلى توخي الحذر عند شراء الخضروات، ولا سيما المحاصيل الورقية التي تُستهلك طازجة، خشية تعرضهم وأفراد أسرهم لمشكلات صحية ناتجة عن انتقال الملوثات والجراثيم عبر الغذاء.

كما يرى مواطنون أن استمرار هذه الظاهرة ينعكس سلباً على ثقتهم بالمنتجات الزراعية المحلية، ما يزيد من أهمية تكثيف الرقابة والإجراءات الوقائية لضمان سلامة الغذاء وحماية الصحة العامة.

وأكد المصدر أن مديرية الزراعة تتابع هذه المخالفات بشكل مستمر من خلال لجان مختصة تنفذ جولات ميدانية لرصد التجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.

وأوضح أن هذه الإجراءات تشمل إتلاف المحاصيل المروية بمياه الصرف الصحي وحراثة الأراضي المخالفة وقلبها، لمنع تسويق المنتجات الملوثة ووصولها إلى المستهلكين.

وبيّن أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حماية الصحة العامة والحفاظ على سلامة الإنتاج الزراعي، مشدداً على أن المديرية لا تتهاون مع أي مخالفة من شأنها تهديد سلامة الغذاء أو الإضرار بالبيئة والموارد الطبيعية.

وتشكل هذه الظاهرة تحدياً حقيقياً للقطاع الزراعي، ليس فقط بسبب آثارها الآنية، وإنما أيضاً بسبب انعكاساتها طويلة الأمد على استدامة الأراضي الزراعية وجودة الإنتاج. فالتربة التي تتعرض للتلوث المستمر تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على الإنتاج، فيما تتطلب استعادة خصوبتها سنوات من المعالجة والإجراءات المكلفة.

ويرى مختصون أن اتساع الرقعة الزراعية في حمص وتنوع محاصيلها يجعل من أي خلل في منظومة الرقابة على مصادر الري قضية تتجاوز حدود المخالفة الفردية، لتتحول إلى تحدٍّ يتعلق بالأمن الغذائي والصحة العامة، ما يستدعي تشديد الرقابة، وتعزيز التوعية والإرشاد الزراعي، وتوفير بدائل آمنة للمزارعين، إلى جانب التوسع في مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي والاستفادة منها وفق المعايير البيئية والصحية المعتمدة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبقى مواجهة ظاهرة الري بمياه الصرف الصحي مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والمزارعين والمجتمع المحلي، بهدف حماية صحة المواطنين والحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان إنتاج غذاء آمن وسليم للأجيال القادمة.

(أم)

ANHA