الحشد الشعبي والبيشمركة بين ضغوط الدمج ومعادلات النفوذ في العراق

يشهد العراق جدلاً متصاعداً حول مستقبل السلاح ودور الأطراف المسلحة، مع ضغوط لإعادة تنظيم الحشد الشعبي وحصر السلاح، مقابل تمسك حكومة إقليم كردستان الفيدرالي بوضع قوات البيشمركة كقوة دستورية مستقلة، وسط تشابك الحسابات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ.

الحشد الشعبي والبيشمركة بين ضغوط الدمج ومعادلات النفوذ في العراق
الثلاثاء 9 حزيران, 2026   04:00
مركز الأخبار

عاد ملف السلاح في العراق إلى واجهة النقاش السياسي والأمني خلال الأشهر الأخيرة، مع تصاعد الحديث عن ترتيبات تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم وضع الأطراف المسلحة.

وبينما تتركز الضغوط والنقاشات حول مستقبل الحشد الشعبي والفصائل المرتبطة به، برزت تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كانت هذه التوجهات قد تمتد إلى قوات البيشمركة في جنوب كردستان، الأمر الذي ترفضه القيادة الكردية بشكل قاطع.

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك بأي خطوات تؤدي إلى إخضاع السلاح لسلطة الحكومة العراقية، وهو ما تنظر إليه بعض قوى الحشد بوصفه محاولة لتقليص دورها العسكري المستقل وإنهاء نفوذها.

وفي ظل هذه التطورات، أعلنت بعض الفصائل، من بينها "عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا السلام"، استعدادها للتجاوب مع إجراءات تنظيم السلاح والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بينما ما تزال فصائل أخرى، أبرزها "كتائب حزب الله وحركة النجباء"، ترفض تسليم سلاحها أو التخلي عن بنيتها العسكرية المستقلة.

في المقابل، ترفض حكومة جنوب كردستان أي محاولة لربط ملف الحشد الشعبي بمصير قوات البيشمركة. وتؤكد الأحزاب الكردية أن البيشمركة ليست فصيلاً مسلحاً خارج مؤسسات الدولة، بل قوة عسكرية نظامية تستند إلى الدستور العراقي وإلى الصلاحيات الممنوحة للإقليم بموجب المادة 121، التي تخول حكومة كردستان تنظيم قواتها الأمنية والعسكرية.

وتقول القيادات الكردية إن المقارنة بين الحشد الشعبي والبيشمركة تتجاهل الفوارق القانونية والسياسية بين الطرفين. فبينما يدور الجدل بشأن الأطراف المسلحة المرتبطة بالحشد ومستوى استقلال قرارها العسكري، فأن قوات البيشمركة قوة رسمية تخضع لسلسلة قيادة واضحة وتعمل ضمن الإطار الدستوري المعترف به في العراق.

وفي أواخر أيار 2026، نفى الأمين العام لوزارة البيشمركة بختيار محمد، وجود أي طلب رسمي لدمج البيشمركة ضمن مؤسسة اتحادية أو وزارة أمن يجري الحديث عن استحداثها مستقبلاً. كما أكد مسؤولون كرد أن أي خطوة من هذا النوع ستتطلب تعديلات دستورية جوهرية تمس طبيعة النظام الاتحادي القائم في البلاد.

ويذهب بعض المسؤولين الكرد إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن دمج البيشمركة أو إلغاء خصوصيتها القانونية قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في وضع إقليم جنوب كردستان نفسه وصلاحياته الدستورية.

لكن الجدل الدائر حول الحشد الشعبي والبيشمركة لا يقتصر على الجوانب القانونية أو التنظيمية فحسب، بل يرتبط أيضاً بصراع أوسع حول شكل الدولة العراقية وتوازنات القوة داخلها.

حيث أن ملف السلاح بات ساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى التأثير في معادلات النفوذ العراقية بما يتوافق مع أولوياتها الأمنية والاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تدفع الولايات المتحدة باتجاه تعزيز احتكار الدولة للسلاح وتقليص نفوذ القوى المسلحة "المقربة من إيران" وفق تعبيرها، انطلاقاً مما وصفته "رؤيتها للأمن الإقليمي ومصالحها في المنطقة". غير أن منتقدين لهذه السياسة يرون أن واشنطن كثيراً ما تتعامل مع القوى العراقية وفق معيار قربها أو بعدها عن المصالح الأميركية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت الجهود الرامية إلى إعادة هيكلة المشهد الأمني العراقي تستهدف بناء مؤسسات دولة متماسكة بصورة متساوية، أم أنها تسعى أيضاً إلى إعادة رسم موازين القوى الداخلية بما ينسجم مع ترتيبات إقليمية أوسع.

أما تركيا، فتنظر إلى المشهد العراقي من زاوية مختلفة ولكنها لا تقلّ ارتباطاً بحسابات النفوذ. فأنقرة تبدي تحفظاً واضحاً تجاه تنامي نفوذ الحشد الشعبي في بعض المناطق القريبة من حدودها ومجالات اهتمامها الاستراتيجي، انطلاقاً من مخاوفها من تعاظم الدور الإيراني في العراق. وفي المقابل، تراقب أي تطور في القدرات السياسية أو العسكرية الكردية خشية انعكاساته على ملفها الداخلي، ما يجعل موقفها من قضايا الأمن العراقي مرتبطاً إلى حد كبير باعتبارات ما تسميها "أمنها القومي".

ويرى مراقبون أن العراق يجد نفسه مجدداً في قلب تنافس إقليمي ودولي يحاول التأثير في بنيته الأمنية ومراكز القوة داخله. فبينما تُرفع شعارات دعم الدولة العراقية وتعزيز مؤسساتها، تبقى هذه المواقف في كثير من الأحيان محكومة بحسابات جيوسياسية ومصالح متشابكة، تجعل من ملف السلاح أداة ضمن صراع أوسع على النفوذ في المنطقة.

وبين هذين المسارين، تبدو المفارقة واضحة، فالحشد الشعبي يواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة تعريف دوره العسكري وعلاقته بالدولة، بينما تتمسك البيشمركة بوضعها الدستوري الخاص وترفض إدراجها ضمن أي مشروع للدمج أو التفكيك.

(أم)

ANHA