تصاعد الخطاب الإقصائي يهدد التعددية في سوريا

تواجه سوريا مؤخراً تصاعداً في الخطابات الإقصائية والتحريضية، ما يعمّق الانقسام المجتمعي ويهدد حرية التعبير، وسط تحذيرات نشطاء من تداعياتها على الاستقرار ودعوات لتعزيز خطاب وطني جامع يحمي التعددية.

تصاعد الخطاب الإقصائي يهدد التعددية في سوريا
الأربعاء 8 نيسان, 2026   07:35
الحسكة
بوطان حسين

في الآونة الأخيرة، برزت في الخطاب اليومي السوري وعلى منصات التواصل الافتراضي عبارات ومصطلحات جديدة باتت تتكرر بشكل لافت، من بينها: "من يحرر يقرر"، "نحن الأكثرية وأنتم الأقلية"، وعبارات أخرى تحمل طابعاً إقصائياً مثل: "إذا ما عجبك الوضع ضب غراضك واطلع… بلاد الله واسعة"، وفي مقدمتها "أنا من إدلب".

ويلاحظ مراقبون أن هذه الجمل لم تعد مجرد تعبيرات عابرة مرتبطة بنقاشات سياسية أو اجتماعية، بل بدأت تُستخدم، وفق شهادات محلية، كوسيلة لتبرير التضييق على بعض المكونات أو تهميشها، في سياق سياسي واجتماعي متوتر تعيشه البلاد بعد التطورات الأخيرة.

من خطاب يومي إلى أداة ضغط اجتماعي

ويرى متابعون أن تداول هذه المصطلحات بات يعكس تحوّلاً في طبيعة الخطاب العام، حيث يجري تصنيف المواطنين ضمن ثنائية "أكثرية وأقلية"، الأمر الذي يسهم في تعزيز الانقسام المجتمعي ويقلص مساحة النقد والحوار، خصوصاً في بيئة تشهد هشاشة أمنية واحتقاناً اجتماعياً.

ويشير ناشطون إلى أن هذه اللغة تخلق مناخاً يشعر فيه المعارض أو المختلف بأنه غير مرحب به، أو أن الخيار المتاح أمامه هو القبول بالأمر الواقع أو مغادرة البلاد، وهو ما يعزز مشاعر الإقصاء ويؤثر على فرص بناء عقد اجتماعي جامع.

احتجاجات بسبب منع المشروبات الروحية

وخلال الأيام الماضية، شهدت سوريا جدلاً واسعاً على خلفية قرارات مرتبطة بمنع المشروبات الروحية صدرت عن سلطات الحكومة المؤقتة في سوريا، حيث خرجت مظاهرة نظمها حشد من المواطنين احتجاجاً على تلك القرارات.

وبالتوازي، خرجت مظاهرات مضادّة في دير الزور، رُفعت خلالها شعارات وصفها ناشطون بأنها ذات طابع إقصائي، إلى جانب ترديد أخرى من بينها: "من يريد الخمر فليذهب إلى أوروبا… هذه سوريا الإسلامية".

ويرى المسيحيون، وكذلك مكوّنات أخرى، عبر تغريدات عجّت بها مواقع التواصل، أن هذا الحدث شكّل مثالاً واضحاً على تحوّل الخلافات المرتبطة بالقرارات العامة إلى استقطاب هويّاتي وديني، حيث لم يعد النقاش مرتبطاً بحرية الفرد أو القانون، بل أصبح صراعاً حول "شكل المجتمع" ومن يملك حق تحديده.

هجوم على كافتيريا في السقيلبية واحتجاجات لاحقة

وفي حادثة أخرى أثارت ردود فعل محلية، أفادت مصادر أهلية بأن مسلحين شنّوا هجوماً على كافتيريا في مدينة السقيلبية بريف حماة، وهي كفتيريا يُقال إن مسيحيين يترددون عليها بشكل دائم.

ووفق المعلومات التي جمعها مراسل وكالتنا، تخلل الهجوم أعمال تخريب وانتهاكات بحق المدنيين وبالرموز المسيحية، ما أدى لاحقاً إلى احتجاجات شعبية في المنطقة، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار الاعتداءات.

وتشير شهادات محلية إلى أن هذه الحوادث ترافقت مع خطاب تحريضي على وسائل التواصل، أسهم في زيادة الاحتقان بدل تهدئة الوضع.

صحفي استقصائي: الخطاب يفرض رأياً واحداً

وفي حديث لوكالتنا، قال الصحفي الاستقصائي رامان يوسف إن انتشار مثل هذه العبارات يعكس محاولة لفرض رأي واحد وإقصاء أي صوت مخالف، معتبراً أن الرسالة التي تحملها هذه اللغة هي أن من يمتلك القوة أو يدّعي تمثيل "الأكثرية" هو من يحدد شكل المجتمع.

وأضاف يوسف أن هذه المصطلحات تحمل دلالات طائفية واضحة، وقد تسهم في تأجيج الانقسام المجتمعي بدل تهدئته، مشيراً إلى أنها تُستخدم أحياناً كأسلوب ضغط أو تهديد ضمني، في ظل غياب ضمانات حقيقية لحرية التعبير.

وذكر يوسف أن هذه العبارات المتداولة تشبه ما وصفه بـ "التشبيح اللفظي"، لأنها تدفع المواطن إلى خيارين: القبول بالأمر الواقع أو المغادرة.

وأكد أن استمرار انتشار هذه اللغة يخلق حالة خوف تمنع كثيرين من إبداء آرائهم بحرية، ما يؤدي إلى تراجع مستوى النقاش العام والمشاركة السياسية والاجتماعية.

مخاطر على الاستقرار الاجتماعي

وحذّر يوسف من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، ونشر ثقافة الإقصاء، وتهديد الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في بلد يعاني أصلاً من إرث طويل من النزاعات والانقسامات.

وأضاف أن للسلطات الحاكمة دوراً محورياً في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال وقف خطاب التحريض وتعزيز خطاب وطني جامع يحترم المكونات السورية كافة، إضافة إلى حماية التعددية وعدم التعامل مع المواطنين وفق منطق "الغالب والمغلوب".

كما دعا يوسف إلى متابعة ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي واتخاذ إجراءات تحد من خطاب الكراهية، إلى جانب تشجيع محتوى يدعم العيش المشترك ويحترم التنوع.

ناشط مدني: مناخ خوف وتهميش للمخالفين

من جهته، قال الناشط في المجتمع المدني وائل ملا لوكالتنا إن انتشار هذه العبارات في الحياة اليومية يعكس توجهاً لفرض فكر واحد وإظهار المجتمع وكأنه يمثل رأياً واحداً أو اتجاهاً سياسياً واحداً.

وأضاف أن هذه الظاهرة تؤدي إلى خلق مناخ خوف يمنع المواطن من التعبير عن رأيه، ما ينتج عنه إقصاء وتهميش للفئات المعارضة أو المختلفة، ويؤسس لبيئة خصبة للتعصب الفكري والطائفي.

وأشار ملا إلى أن خطورة هذه اللغة تكمن في أنها تضعف مبدأ التعددية والتشاركية، وتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي بين مكونات المجتمع.

وأكد أن على الحكومة المؤقتة في سوريا تحمّل مسؤولياتها في حماية حرية التعبير لجميع المواطنين دون استثناء، واتخاذ إجراءات قانونية حازمة بحق كل من يمارس التحريض أو الاعتداء على المدنيين، إضافة إلى تبنّي خطاب رسمي يحترم التنوع السوري.

دور المجتمع المدني والإعلام

واتفق المتحدثان لوكالتنا، على أن المجتمع المدني ووسائل الإعلام يقع على عاتقهما دور مهم في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال نشر ثقافة تقبل الآخر وتشجيع الحوار بين المكونات السورية، وتنظيم برامج وورشات عمل تركز على آثار خطاب الإقصاء والكراهية وتداعياته.

كما شدد ملا على أهمية رفض الخطاب التحريضي في الشارع وعلى الإنترنت، واعتبار الدفاع عن قيم التعايش جزءاً من مسؤولية المجتمع ككل.

ردود فعل متبادلة تزيد التوتر

ورأى رامان يوسف أن هذه العبارات لا تظهر دائماً من طرف واحد، بل قد تأتي كردود فعل متبادلة بين أطراف مختلفة، إلا أن خطورتها تكمن في طابعها الاستفزازي، لأنها تزيد من حدة التوتر بدلاً من احتوائه.

وأضاف أن استمرار هذه اللغة دون رقابة أو معالجة سياسية واجتماعية قد يقود إلى واقع تصبح فيه البلاد محكومة بمنطق القوة، وليس بمنطق القانون أو الشراكة الوطنية.

(أم)

ANHA