طهران تعزز أوراقها في معادلة معقدة بلا حسم

تكشف تحليلات غربية عن حالة ارتباك في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، مع تراجع أهداف الحرب مقابل صمود إيراني يعزز موقعها التفاوضي، في وقت يحذر فيه باحثون من أن نهج "الحروب الوقائية" يضعف نفوذ الولايات المتحدة ويزيد من تعقيد المشهد الدولي دون تحقيق نتائج حاسمة.

طهران تعزز أوراقها في معادلة معقدة بلا حسم
السبت 4 نيسان, 2026   09:34
مركز الأخبار

تناولت تحليلات الصحف العالمية الصادرة اليوم، الارتباك الحالي في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران وعدم قدرتها على الحسم.

ارتباك واشنطن وصمود طهران في معادلة بلا مخرج

يصف الكاتب تسفي بارئيل في تحليله بصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن وزير الحرب الأميركية بيت هغسيث حدد هدف الحرب الجاري في إيران بوضوح: "إجبار إيران على إدراك أن هذا النظام الجديد سيكون في موقف أفضل إذا أبرمت صفقة". لكن الكاتب يشير إلى مفارقة أساسية، وهي أنه لا يوجد "نظام جديد" في إيران، بل الهيكل القديم نفسه بالأيديولوجية نفسها، مع شخصيات جديدة في مواقع القيادة.

واللافت، بحسب الصحيفة، هو أن ترامب تخلى فعلياً عن ثلاثة أهداف رئيسة كانت تستحدم لتبرير الحرب: أولاً، فتح مضيق هرمز الذي عدّه "ليس مشكلة أميركية" بل مسؤولية فرنسا والدول المستخدمة للمضيق. ثانياً، تغيير النظام، حيث أعلن أن هذا الهدف قد تحقق بزعم أن النظام الحالي "لم يعد النظام القديم". ثالثاً، تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% والذي قال عنه ترامب: "لا أفكر فيه حتى، إنه مدفون بعمق".

هذا التراجع، بحسب الصحيفة، يطرح سؤالاً محورياً: ما الذي تبقّى للتفاوض بشأنه؟

وترى الصحيفة أن إيران تمتلك أوراق قوة حقيقية، تتمثل في قدرتها على إغلاق مضيق هرمز الذي كبّد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة، وصمود نظامها رغم اغتيال العديد من قادته، إضافة إلى قدرتها على فرض شروط مسبقة للتفاوض. وأبرز هذه الشروط: تقديم ضمانات بعدم مهاجمتها مجدداً، ورفع كامل للعقوبات، والاعتراف بسيادتها على المضيق، على غرار اتفاقية مونترو لعام 1936 التي تنظّم المرور في المضائق التركية.

لكن المشكلة أن أوروبا والدول العربية لا تملك الأدوات اللازمة لتلبية هذه المطالب. فالعقوبات الأميركية تبقى العقبة الأكبر، حيث سبق أن فشلت الآليات الأوروبية للالتفاف عليها لأن الشركات تفضل التعامل مع واشنطن. كما أن ثلاث دول أوروبية فعّلت آلية "السناب باك" لاستعادة عقوبات الأمم المتحدة، مما يعقد العودة إلى الاتفاق النووي.

وترامب بدوره حوّل تركيزه من التفاوض مع إيران تحت النار إلى التفاوض مع الحلفاء الأوروبيين والخليجيين الذين "خانوه" بعدم الانضمام للحرب. وتهديده الملموس بالانسحاب من الناتو يثير صدمة في أوروبا التي ترى فيه ضوءاً أخضر لروسيا. أما إسرائيل فباتت كما يصفها الكاتب "العربة الأخيرة في قطار طويل لا يراه سائق القطار حتى في مرآته الخلفية".

في الجانب الإيراني، يلوح صراع محتدم بين التيار البراغماتي (بما في ذلك شخصيات من الحرس الثوري الذي يسيطر على نصف الاقتصاد المدني) والتيار الأيديولوجي. وهذا كله يحدث في غياب قائد أعلى حقيقي يتمتع بسلطة مماثلة للمرشد الراحل علي خامنئي الذي وقّع شخصياً على الاتفاق النووي وأقرّ التفاوض مع أمريكا.

الحروب "الوقائية" أضعفت الولايات المتحدة

يرى الباحث جوناثان ستيفنسون في تحليل لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن لجوء الولايات المتحدة إلى الحروب الوقائية، بدلاً من منح الدبلوماسية وقتها، أدى إلى إضعاف نفوذها وزيادة عدم الاستقرار الدولي.

ويشير التحليل إلى أن نموذج هذه الحروب تجسد بوضوح في غزو العراق عام 2003 خلال إدارة جورج دبليو بوش، حيث جرى الخلط بين "الضربة الاستباقية" المشروعة قانونياً و"الحرب الوقائية" التي تفتقر إلى تهديد وشيك. هذا التوسع في المفهوم، المعروف بـ "عقيدة بوش"، شرعن استخدام القوة بشكل أحادي وأضعف القدرة على حشد دعم دولي.

ويؤكد ستيفنسون أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، من بوش إلى باراك أوباما ثم دونالد ترامب وجو بايدن، واصلت تبنّي هذا النهج عبر الضربات الجوية والعمليات الخاصة، خاصة في سياق "الحرب على الإرهاب". لكن هذا الأسلوب كان أكثر قابلية للتبرير عند مواجهة جماعات غير دولية، وليس في الصراعات بين الدول.

وفي السياق الحالي، يرى الباحث أن أي مواجهة مع إيران تندرج ضمن الحروب الوقائية غير المحسوبة، محذراً من أن هذا النهج، خاصة حين يقترن بسياسات أحادية وتجاهل الحلفاء، يؤدي إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة عالمياً.

(م ش)