دوران كالكان: مقاومة روج آفا أثّرت مجدداً في الرأي العام العالمي

أكد عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية دوران كالكان، أن الهجمات الأخيرة على روج آفا أيقظت انتفاضة واسعة للكرد والأوساط الديمقراطية في مختلف أنحاء كردستان والعالم، وأن مقاومة كرد روج آفا أثّرت مجدداً في الرأي العام العالمي.

دوران كالكان: مقاومة روج آفا أثّرت مجدداً في الرأي العام العالمي
الخميس 12 شباط, 2026   22:00
مركز الأخبار

تحدث عضو أكاديميّة عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعيّة دوران كالكان، لقناة مديا خبر عن التّطورات التي شهدتها روج آفا وسوريا، وجاء تقييمه على الشكل التالي:

- هل الأحداث التّي وقعَتْ في 6 كانون الثّاني، وما تلاها في سوريا، تشير إلى أنَّ المتآمرين يصرون على تنفيذ المؤامرة؟ ذلك لأنَّ القائد آبو اعتبر هذا الأمر بمثابة مؤامرة 15 شباط الثّانية. ونعلم أنَّ هذه العمليّة قد تَمَّتْ في 4 كانون الثّاني بموجب اتّفاقيّة في باريس.

نعم، يجب فهم وتقييم بيان مؤامرة 15 شباط الثّانية بشكلٍ صحيح. على وجه الخصوص، الهجمات التّي بدأت من الشّيخ مقصود والأشرفيّة وامتدَّتْ إلى سوريا في 6 كانون الثّاني، إذ أنَّ هجمات إدارة أحمد الشّراع، توقَّفَتْ عند نقطة معينة. وقد اتُّخِذَ قرار شنَّ وتنفيذ هذه الهجمات في باريس في 4 كانون الثّاني. كان الأمر مُعدَّاً مسبقاً، لكنَّ القرار اتُّخِذَ حينها. وهذه حقيقة راسخة. لماذا سُمِيت هذه الهجمات بمؤامرة 15 شباط الثّانية؟ نظراً لتشابههما، ينبغي ملاحظة هذا التّشابه. لِنَقُمْ بِعدّ البعض منه:

1- القوى التّي نفذت مؤامرة 15 شباط 1999، والتّي شاركت في إبرام اتّفاقيّة باريس في 4 كانون الثّاني، هي القوى نفسها. فالولايات المتّحدة وفرنسا وإسرائيل كانت حاضرة هناك أيضاً. بمعنى آخر، القوى التّي تقف وراء مؤامرة 15 شباط والهجمات التي شُنّت في 6 كانون الثّاني هي نفسها.

2- مؤامرة 15 شباط 1999 كانت هجوماً على القائد آبو أثناء زيارته إلى روما، حيث كان قد قدَّم خطَّة من 8 نقاط لحل القضيّة الكرديّة. بمعنى آخر، كانت المؤامرة هاجمت إيجاد حل للقضيّة الكرديّة والدّيمقراطيّة في تركيا. أما الآن، الهجمات التّي بدأت في 6 كانون الثّاني في حيّي الشّيخ مقصود والأشرفيّة، فهي تعني هجوماً ضدَّ دعوة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي في 27 شباط 2025. وقد شُنّت هذه الهجمات لتقويض هذه العمليّة.

نعم، من خلال هذه الهجمات جرى استهداف الكرد. حيث جرى استهداف الإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا في شخص كرد سوريا، وجرى استهداف عموم الكرد في شخص مجتمع روج آفا كردستان. والآن أودّ أنْ أتناول سؤالاً آخر: هل لهذه الهجمات أهداف أخرى؟ وما الذّي كانت ترمي إليه مؤامرة 15 شباط؟ إنَّ مؤامرة 15 شباط كانت تهدف إلى كسر إرادة الكرد ومواصلة إبادة الكرد. غير أنَّ المؤامرة لم تكن موجّهة ضدَّ الكرد وحدهم. فقد قال القائد آبو إنَّ هذه المؤامرة، بقدر ما هي موجّهة ضدَّ الكرد، كانت أيضاً مؤامرة ضدَّ تركيا. وقد صرّح رئيس وزراء تركيا آنذاك، بولنت أجاويد، قائلاً: "لم أفهم لماذا سلّمتنا الولايات المتّحدة آبو"، ثمَّ توفي لاحقاً. أيَّ إنَّهُ وافق على تسليمه، لكنّهُ لم يدرك أبعاد ذلك. ماذا لم يدرك؟ لم يدرك مستوى المؤامرة الموجّهة ضدَّ تركيا نفسها. ولم يستوعب ما الذّي كان سيترتب على تسليم القائد آبو بتلك الطّريقة من تداعيات على تركيا.

واليوم، تشعر قوى الرّيع والمنتفعون من الحرب وأعداء الكرد في تركيا بقدرٍ كبيرٍ من الارتياح لأنَّ دماء الكرد سُفِكَتْ في سوريا. وهم يصرّحون بأنَّ ما جرى في سوريا حقّق لتركيا مكاسب كبيرة. غير أنَّ من يرددون هذا الخطاب لا يرون المستقبل، إذ إنَّ بصيرتهم عمياء. وكما أنَّ مؤامرة 15 شباط استهدفت الدّيمقراطيّة في تركيا، فإنَّ اتّفاقيّة باريس في 4 كانون الثّاني، والهجوم الذّي شُنَّ في 6 كانون الثّاني، استهدفا السّلام في تركيا وديمقراطيتها، وكذلك عمليّة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي. وكان الهدف من ذلك عرقلة مسار دمقرطة تركيا، وهذا أمر واضح للغاية. ويُخيَّل للبعض أنَّهم حقَّقوا انتصاراً، غير أنَّ ذلك ليس سوى وهمٍ وخداع للذات. فمشكلة البقاء التّي أعلنها دولت بهجلي في الأول من تشرين الأول 2024 تضاعفت حدّتها عقب اتّفاقيّة باريس في 4 كانون الثّاني، ولم تتضح بعد النّتائج والتّداعيات التّي ستترتب على تركيا جرّاء ذلك. وإذا ما أُضْعِفَتْ إرادة الكرد، وإذا وُضع وجودهم بهذا القدر تحت التّهديد، فكيف يمكن لوجود الأتراك أنْ يصبح أقوى؟ ألم يكونوا يُقولون إنّ الأتراك لا يمكنهم أنْ يكونوا من دون الكرد، كما أنَّ الكرد لا يكونون من دون الأتراك؟ وقد عبّر ضياء كوك ألب عن هذه الفكرة، وألم يقولوا إنَّ أخوّة الكرد والأتراك هي الأساس؟ ونحن نؤمن بهذا المعنى. فإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ إضعاف الكرد لا يمكن أنْ يقوّي الأتراك، ولا ينبغي أنْ يكون الأمر كذلك أصلاً. غير أنْ هناك من يدّعي عكس ذلك، وهذا ضرب من الخداع الكبير والحساب الخاطئ. صحيح أنَّ تركيا حققت بعض الانفتاح والتّأثير الإضافي في سوريا عبر اتّفاقيّة 4 كانون الثّاني، وكان وزير الخارجيّة التّركي هاكان فيدان حاضراً هناك وشارك في ذلك التّواطؤ، أيّ لنفترض أنَّهم أضعفوا إلى حدّ ما الكرد في سوريا. لكن هل هذا هو كلَّ شيء؟ في الوقت الرّاهن هذا كلّ شيء. ولكن هل يعني ذلك أنَّ تركيا قد حلّت مشكلة بقائها؟ وهل أُزيلت الأمور المفروضة على تركيا في إطار الحرب العالمية الثّالثة؟ كلا. فالذّين أرسلوا الشّرع إلى سوريا قبل عام لإسقاط نظام البعث، جرى تمكينه بدعم من تركيا، ولا يزال هذا المسار مستمرّاً. واليوم أيضاً يفعلونه، ولكن غداً على من ستدور الدّائرة؟ ستدور على تركيا نفسها. ومن يكن لديه قدر يسير من الحرص والمحبة على تركيا، فعليه أنْ يفهم ذلك ويراه بوضوح؛ إذ ستُفرض على تركيا أعباء وتكاليف أشدّ وطأة ويجعلونها تدفع ثمناً باهظاً. فمعاهدة سيفر الثّانية قادمة لا محالة. واليوم تُمارَس ضغوط على إيران، وما قد يُفرض لاحقاً على تركيا، والوضع الذّي قد تُدفَع إليه، بات أمراً واضحاً للغاية. ومن هذه الزّاوية، فإنَّ ما يجري في سوريا من أحداث وتطورات لا تختلف في جوهرها عن مؤامرة 15 شباط؛ فهي ليست موجَّهة فقط ضدَّ الكرد، بل ضدَّ تركيا أيضاً. غير أنَّ أحداً لا يقيّم ذلك كما ينبغي، ولا يريد أنْ يرى أو أنْ يفهم هذه الحقيقة. وهذا هو الأمر الخطير والسّيء. لا ينبغي أنْ يكون الحال كذلك. ففي الواقع، إنَّ الذّين يتصرفون بهذا المنطق يعيشون أكبر أشكال خداع الذّات. وغداً، عندما تتفاقم المشاكل وتبلغ الأبواب، سيدركون الحقيقة، لكنَّ بعد فوات الأوان.

الآن، وبعد هجمات 6 كانون الثاني، جرت نقاشات واسعة طُرحت فيها آراء تفيد بأن ثورة روج آفا وخطّ الأمة الديمقراطية قد انهارا، وتم تداول هذه النقاشات على نطاق واسع. كيف تقيّمون مثل هذه الطروحات والنقاشات؟

لقد جرى إبداء مقاومة كبيرة جداً. وخلال هذا الشهر الأخير، قدّم الكرد عدداً كبيراً من الشهداء. أحيّي مقاومة كرد روج آفا، وكذلك مقاومة الشعبين السرياني والعربي الذين تحالفوا معهم في هذه المقاومة. لقد كانت مقاومة عظيمة بحق. فالمعنى الذي حملته المقاومة في مواجهة عدوان داعش، هو ذاته المعنى والدور الذي أدّته المقاومة التي انطلقت خلال هذا الشهر من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية؛ إذ أبدت هذه المقاومة رغم ما ترتّب عليها من تضحيات وشهداء. وإنني أستذكر، في شخص زياد حلب ودنيز جيا، الشهداء هناك بكل احترام وامتنان. فقد جسّدوا بالفعل كرامة حلب، وكرامة الشيخ مقصود والأشرفية، وكرامة الشعب الكردي، بل وكرامة الإنسانية جمعاء. وفي الواقع، جرى توطين الكرد في حلب من قبل العثمانيين لحماية المدينة. وإن تجاهل هذه الحقيقة من قبل من يدّعون بالقول ’إننا من السائرين على خطا العثمانيين‘، هو أمر يدعو إلى الخجل حقاً، كما أنه موقف ينبغي استخلاص العِبر والدروس منه.

وفي هذا السياق، لا بدّ من التأكيد أولاً على حقيقة مفادها أنّ شعوب شمال وشرق سوريا، بقيادة الشعب الكردي، خاضت واحدة من أعظم الحروب المكللة بالنصر في التاريخ ضدّ وحشية داعش، وأنقذت الإنسانية من وحشية داعش وفاشيته. فالجميع مدينون لهذا الشعب ولمقاتليه، وينبغي التشديد والتأكيد على هذا الأمر. فحتى قبل بضع سنوات، كان يُشار إلى الكرد بأنهم بمثابة النصب التذكاري لذلك. هذه ليست حالة يمكن نسيانها. يجب علينا التأكيد على هذه الحقيقة. من ناحية أخرى، فإن تجربة روج آفا التي استمرت 13-14 عاماً في النضال من أجل الوجود والحرية، وتجربة ثورة روج آفا، هي بالفعل تجربة غنية. ولقد برزت في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وأصبحت مصدر أمل للإنسانية، وتألقَت فعلاً كنجم لامع. وقد توافد شبّان وشابّات ومثقفون وفلاسفة وما إلى ذلك من مختلف أنحاء العالم لرؤيتها وفهمها عن كثب. وكما كانت الثورة التي اندلعت في روسيا في الربع الأول من القرن العشرين مصدر بحثٍ للإنسانية عن الخلاص، كذلك أحدثت ثورة الحرية في روج آفا، رغم انطلاقها من رقعة جغرافية صغيرة ومحدودة، أثراً مماثلاً.

لقد كان ذلك حدثاً كبيراً وتطوراً لافتاً وخطوة مهمة عكست إرادة ومبادرة ثورية، وأثمرت نتائج ذات شأن. وسيجري تقييمها ومناقشتها على نطاق واسع في المرحلة المقبلة، بكل ما تتضمنه من نجاحات وإخفاقات ونواقص وجوانب إيجابية وسلبية. ولا بد من استخلاص الدروس منها، وهذا أمر سيحصل حتماً. وبهذا المعنى، فقد شكّلت تجربة غنية أسهمت في تنبيه الوعي الإنساني، ومن المهم أن يدرك الجميع ذلك. ومن جهة أخرى، شهد الشهر الماضي تطورات متسارعة تجلّت فيها إرادة الكرد ومقاومتهم ووحدتهم، إضافة إلى تعاونهم مع الشعوب المجاورة في مواجهة داعش، وإيصال قضية الوجود الكردي وحريته إلى الرأي العام العالمي، حيث لقي ذلك دعماً دولياً ملحوظاً. كما برز دور إرادة المرأة الحرة وتأثيرها، إذ انتقلت قضية تحرر المرأة من مستوى الوعي إلى مستوى الممارسة والواقع. في المقابل، لا تنظر بعض الأوساط إلا إلى الأرقام وقوة السلاح ونطاق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. يرون الثورة مقتصرة على هذا فقط. في رأيي، كان هذا كله مجرد تضخيم. أولئك الذين يعتمدون على هذا، في مواجهة ما تم اختباره، أطلقوا تصريحات من قبيل أن نموذج الأمة الديمقراطية لم يُعش، وأن مسار الحداثة الديمقراطية لم يتقدم، ولا يتماشى مع الظروف الراهنة. لقد حصر هذا الجانب نفسه تمامًا في السلطة والدولة، وربط نفسه بهما في وعيه ومشاعره وتوجهاته وكل شيء. لقد ربط نفسه بالجيش والسلاح. لكن نموذج الحداثة الديمقراطية لم يكن كذلك في الواقع. لقد أوضح القائد آبو هذا الأمر جليًا: "إذا كانت لدينا القدرة على تدمير العالم، فلن نهاجم أحدًا، وإذا توحد العالم ووقف ضدنا، فلن نتخلى أبدًا عن حقوقنا الديمقراطية وسنقاوم". والآن، توحد العالم وهاجم كرد روج آفا، وهم يقاومون ببسالة وفقًا لهذا المبدأ. لكنهم لم يهاجموا أحدًا. بعبارة أخرى، تشكل تحالف واسع ضد وحشية داعش، يضم أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. لقد كانت هذه تجربة بالغة الأهمية، أي أنها لم تكن خطأً. لعدة سنوات، بدا أن هذا التحالف لم يكن يسير على ما يرام. كان هذا واضحًا. هذا هو الوضع. والآن يتساءلون عن سبب عدم اتخاذ أي إجراءات. نعم، كانت الهجمات على أهالي الشيخ مقصود والأشرفية وحشية. يجب أن يشعر بعذاب الضمير كل من يدّعي الإنسانية لعدم منع هذه الهجمات كان واجبًا علينا جميعًا. لم نكن نعلم باتفاقية باريس السوداء. بعد انكشافها، اتضحت لنا حقيقة الوضع. عدا ذلك، لم تجرِ الأمور على هذا النحو. بعض المعلومات مغلوطة. على سبيل المثال، قال قائد قوات سوريا الديمقراطية نفسه مرارًا وتكرارًا: "لقد انسحبنا". لقد انسحبوا من مناطق عديدة من تلقاء أنفسهم. بعبارة أخرى، لم يثر العرب ولم يُطيحوا بهذه الإدارة. لم يكن هناك أي صراع بين الكرد والعرب في أي منطقة. لم يُطلق أحد من المجتمع العربي رصاصة واحدة على الكرد والمقاتلين الكرد. أستطيع أن أقول هذا بكل صراحة. انسحب العديد من العرب إلى غرب كردستان للمقاومة مع الكرد. مع تقدم قوات نظام دمشق، وافق بعض الشيوخ وزعماء القبائل على موقف النظام وأطلقوا النار على القوات المنسحبة من الخلف. هذا كل ما في الأمر. أود أن أقول: أولًا، قوات سوريا الديمقراطية هي التي انسحبت. موقفها هذا محل نقاش، لا سيما فيما يتعلق بمفهوم الحداثة الديمقراطية. بعبارة أخرى، يجب أن تعلموا أن قوات الدفاع عن روج آفا، وقوات سوريا الديمقراطية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، حاولوا تطبيق نموذج الحداثة الديمقراطية، لكن مدى نجاحها في ذلك، ونسبته، ومدى صحة ونجاح تطبيقها، كلها أمور محل نقاش. لم تتجاوز نسبة نجاحها 5-10%. يُظهرون الأمر وكأنهم نجحوا في تطبيق النموذج وفشلوا، وهذا غير صحيح. كان التطبيق محدودًا للغاية، أي أنه انحرف في اتجاهات مختلفة، ولم يؤدِ إلى صراع بين الكرد والعرب. كان هناك من أراد ذلك، لكن أخوة الشعوب لا تزال قائمة، ووعي الأمة الديمقراطية لا يزال قائمًا على أخوة الكرد والعرب. الجانب الذي أزعج إدارة دمشق هو هذا الجانب. هذا هو الواقع. إنّ الاكتفاء بالنظر إلى هذه الأمور دون فعل شيء، والاكتفاء بالحكم عبر العمليات العسكرية، وربط التقدم والنكسات بها، ليس نهجاً ديمقراطياً حديثاً. أستطيع أن أوضح هذا جلياً. الآن، يجب أن تدركوا هذا: نعم، لقد حدثت نكسة، ولكن ماذا عانى شعب روج آفا، الكرد، في شهر واحد؟ كما شهد العالم في النضال ضد داعش، انتفضت أجزاء كردستان الأربعة، والكرد في جميع أنحاء العالم، والدوائر الديمقراطية. لقد اندلعت انتفاضة عظيمة. وخرجت المسيرات التي تُحيي ذكرى يوم كوباني في الأول من تشرين الثاني. منذ شهر، والشعب الكردي، والدوائر الديمقراطية، وحلفاؤهم في حراكٍ دائم. يملؤون الشوارع والساحات. هذا هو الحال في الشمال (باكور) والجنوب (باشور)، وفي روج آفا، وفي أوروبا، وفي جميع أنحاء العالم. إنها ثورة عظيمة تُشهد. لقد تبلورت وحدة وطنية عظيمة. وبرز موقف الشعب. والمرأة تكون في مقدمة كل هذه الحراكات. لقد امتدت ثورة نساء روج آفا إلى أجزاء كردستان الأربعة، وإلى جميع أنحاء العالم بهذه المسيرات. إن تجاهل هذه الحقائق، وتجاهل هذا النضال، خطأ فادح. إن النهج الذي يختزل القوة الثورية في السلاح والجيش، ويتجاهل قوة الشعب، والمرأة، والشباب، والجماهير، ليس هو النهج الصحيح. نعم، طرأت تغييرات على الجيش والإدارة، وتراجعت إدارة شمال وشرق سوريا مقارنةً بالسابق، لكن الكرد شهدوا من جديد ثورة روحية وعاطفية ووحدة وطنية. أينما تفرقوا، توحدوا بقوة، وكأن الإرادة الكردية قد توحدت من جديد. قدّموا مصلحة المجتمع على السياسة، وكأنهم يوجهون السياسة. قالوا: كردستان واحدة، الشعب الكردي واحد، سنتحد ونقاتل. لقد رأوا ذلك؛ قوة الشعب، قوة النضال، عادت للظهور. هذا مهم جدًا بالنسبة لنا. نشهد الآن نشاط الحركة الثورية. كانت أحداث سوريا هي الوسيلة لذلك. قوبلت هذه الهجمات الرجعية بنشاط ثوري وانتفاضة شعبية. لم يكن بوسع أحد آخر فعل ذلك، لم تستطع أي قوى أخرى. بقي العرب أيضًا متمسكين بخط الأمة الديمقراطية، والكرد أيضاً. أكثر من الصراع بين الكرد والعرب، أرادوا إشعال صراع بين الكرد والأتراك. بعض القوميين في تركيا الذين يغذون الصراعات كانوا كالجواسيس. حالت المسيرات والمقاومة الحاليتان دون حدوث ذلك. حالت تدخلات القائد آبو دون حدوث ذلك. يقولون إن نهج القائد آبو لم ينجح، كلا، لقد لعب القائد آبو دورًا في الظروف الراهنة التي وجهت العملية وقادت التطورات إلى المسار الصحيح. على الرغم من قلة الفرص المتاحة له، فقد استغلها بطريقة أدت إلى نتيجة إيجابية. يجب أن يروا ويفهموا ذلك. في الختام، يجب أن أقول هذا: في الواقع، لم يكن من الممكن تحقيق انتفاضة الشعب في غضون شهر بأي جهد. نتساءل دائمًا عن مقدار العمل الذي يمكننا القيام به وما يمكننا فعله لتحقيق ذلك، لكن هذا ما حدث. إنها انتفاضة الشعب نفسه. إنها ردود أفعالهم ومشاعرهم وأفكارهم وإرادتهم. لا يمكن تحقيق ذلك بالقوة، فالتطورات تؤثر.

بالطبع، قدّم نضال الحرية توجيهاً مهماً، ورفع مستوى الوعي، وراكم خبراتٍ كبيرة، وعلى هذا الأساس يتحقق التقدم. لقد أثمرت هذه المسيرات، غير أن هذه المسيرة بلغت مستوى متقدماً. أما الذين سعوا إلى تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء، وتشتيت الكرد في أنحاء العالم، والحديث عن إبادتهم، وتدبير المؤامرات الدولية ضدهم، فقد أخفقوا. لقد أظهر الكرد، كأمة ديمقراطية، وعياً وتنظيماً ووحدةً معنوية وشعورية قوية من خلال تبنيهم ودعمهم لغربي كردستان (روج آفا). وفي هذا الشهر تحديداً، أتوجّه بالتحية والتهنئة، ولا سيما للمرأة والشباب، ولكل أصدقائنا وأبناء شعبنا الذين ملأوا الشوارع وتحركوا دفاعاً عن غربي كردستان. إنهم في خضم انتفاضة كبيرة، وعليهم إدراك هذه الحقيقة. لقد انطلقت انتفاضة ثورية واسعة، وتتولد في إطارها تحركات جديدة. ينبغي فهم هذه الوقائع واستيعاب موقف الكرد في هذا السياق، كما ظهر في مسار نضال القائد آبو ونضال الكرد الذين ساروا على نهجه، حيث واجهوا تداعيات المؤامرة الدولية في 15 شباط، وتصدّوا لمحاولات واتفاقات باريس في 4 كانون الثاني في مختلف أنحاء العالم وأجزاء كردستان الأربعة. لقد تمكّنت مقاومة الشعوب من إحباط هذه المخططات والحدّ من آثارها، وإذا استمرت بهذه الروح فستحقق المزيد. ومن الضروري، خاصةً لمن هم في قلب هذا النضال، أن ينظروا إلى الأمور بهذا الوعي، وأن يعزّزوا إدراكهم وينظّموا صفوفهم. كما ينبغي بذل الجهود لنشر هذه الانتفاضة الثورية، بوصفها ثورة للمرأة وللشعب من أجل الحرية، وتوسيع نطاقها وتنظيمها وتقويتها ومواصلة السير بهذا النهج. هذه هي الحقيقة، وأحيّي كل من يناضل على هذا الأساس.

لقد لفتت الانتباه إلى جزء من المشهد الذي حدث في روج آفا بعد 30 كانون الثاني. ما رأيك في الأجزاء الأخرى؟

أستطيع أن أؤكد أن الشعب عبّر عن موقفه، وهو يعيش مرحلة ثورية كبيرة ستتواصل. هذا هو مسار الأحداث، وعلينا أن نفهمه جيدًا. وللوصول إلى ذلك، نحن بحاجة إلى النضال والتنظيم والتضحية ومزيد من الشجاعة. ينبغي أن ننظر إلى المسألة من هذا المنظور. فالقوة لا تكمن في السلاح أو المال. قوة الثوار لم تنبع من السلاح، بل من الوعي والشجاعة وروح التضحية والتواصل المجتمعي والتكاتف ونمط الحياة والموقف الفكري. وخلاصة القول إن القوة موجودة، وعلينا تطويرها وعدم البحث عنها في غير مكانها. كما ينبغي الابتعاد عن الأساليب الاستبدادية والنزعات الربحية والمادية؛ فمهما تحقق من تقدم عبر هذه الأساليب، فإنه قد يتلاشى سريعًا. هكذا هي طبيعة التاريخ. يجب أن نصبح أكثر وعياً وتنظيماً، وأكثر ميلاً للحياة الاجتماعية والدعم والتضامن، وأن نتخذ النهج الكومونالي أساساً لنا، مع الحدّ من النزعة الفردية. فلا يمكن تحقيق نتائج عبر الأساليب الفردية أو المادية. يمكن للآخرين التركيز على قضيتين، لكنني أؤكد أن الشعب وجّه السياسة الكردية من خلال أفعاله ومواقفه، وعلى السياسة الكردية أن تُقيّم هذا التوجيه، وإلا ستبتعد عن المجتمع. لذلك، أصبحت الوحدة الديمقراطية الكردية ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل. نحن نؤمن بذلك، ودعوة القائد آبو تقوم على هذا الأساس. كحركة، نهجنا يتجه في هذا الاتجاه، ونحن على استعداد لبذل كل جهد ممكن في هذا الصدد. لكن يجب أن تكون جميع الحركات السياسية على هذا النحو.

أولًا وقبل كل شيء، يجب على الأحزاب الحاكمة في جنوب كردستان، والمنظمات، والمثقفين، والمؤسسات في أجزاء كردستان الأربعة، أن تُفعّل الوحدة الديمقراطية الكردية حتمًا. أقولها صراحةً: إذا تحققت هذه الوحدة، فإن انتفاضة الشعب والفرص التي تُتيحها الظروف والأحوال لجميع التطورات المُحبة للحرية ستكون مُرضية. أما إذا لم يحدث ذلك، فالمخاطر جسيمة. لقد أظهر الهجوم على روج آفا مدى جسامة هذه المخاطر، وأظهرها للجميع. يجب أن يتعلموا درسًا من ذلك. في إطار ديمقراطي يتيح للجميع المشاركة على قدم المساواة وبحرية، يجب على المثقفين والسياسيين الكرد العمل على تحقيق الوحدة الوطنية دون تأخير.

إنّ الحدّ من التهديدات وحسن استثمار الفرص يرتبطان بتحقيق هذه الوحدة الديمقراطية. ومن جهة أخرى، أثّرت المقاومة الكردية في روج آفا مجدداً على نطاق عالمي، إذ حرّكت الشباب في بلدان عديدة، وأسهمت في تنامي التضامن الدولي وتنظيم فعاليات في أماكن مختلفة. ووصل بعض الشباب إلى الحدود بنيّة التوجّه إلى روج آفا قبل أن تتم إعادتهم. لقد كان لمقاومة الشعوب أثر ملحوظ، إذ فتحت آفاقاً جديدة وخلقت فرصاً أمام القوى المؤمنة بالحرية والديمقراطية في جميع أنحاء العالم. ينبغي تقييم هذا الواقع بدقة. فمن هذا المنطلق، لا نكون أمام خسارة، بل إن شهراً من المقاومة أسهم في تحويل الفهم والحراك والموقف الفكري المنتشر عالمياً إلى أسلوب حياة، وقد مهد الطريق لذلك. لذلك، من الضروري تعزيز الدعم الدولي وتكثيف الجهود على هذا الصعيد، ونشر معنى هذه المقاومة وأهميتها عالمياً، وبيان كيفية تجسيدها في مختلف المجالات، لدى المرأة والشباب والعمال والشعوب. وفي الواقع، كما أن الوحدة الديمقراطية الكردية تكتسب أهمية كبيرة في المرحلة الراهنة، فإن الدعم الدولي لا يقل أهمية بالنسبة للقوى اليسارية والاشتراكية والديمقراطية والمدافعة عن الحرية والمساواة. لقد وصلنا إلى مرحلة ذات دلالات وتطورات ونتائج مهمة. وانطلاقاً من ذلك، أدعو القوى السياسية الكردية، وكذلك الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية والمدافعة عن الحرية على المستوى الدولي، إلى قراءة هذا الوضع بشكل صحيح والقيام بالمسؤوليات المترتبة عليها.

(ف)