آيتن ديرسم: هجمات مرتزقة داعش وهيئة تحرير الشام على روج آفا تندرج ضمن مخطط دولي

أوضحت عضوة منسقية حزب حرية المرأة الكردستاني أن هجمات مرتزقة داعش وهيئة تحرير الشام على روج آفا تندرج ضمن مخطط دولي يهدف إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، مشيرة إلى أن الشعب الكردي، ولا سيما النساء، أظهر مقاومة كبيرة. وأكدت في هذا السياق ضرورة توسيع رقعة النضال في مختلف الميادين.

آيتن ديرسم: هجمات مرتزقة داعش وهيئة تحرير الشام على روج آفا تندرج ضمن مخطط دولي
الجمعة 30 كانون الثاني, 2026   16:08
مركز الأخبار

تحدثت عضوة منسقية حزب حرية المرأة الكردستاني (PAJK) آيتن ديرسم خلال برنامج خاص على قناة مديا خبر Medya Haber TV وقيّمت الهجمات على روج آفا ونضال النساء.

وجاءت التقييمات كالتالي:

"بدايةً، وبمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد الرفيقات سارا وروجبين وروناهي، نُجدّد عهدنا على البقاء أوفياء لنضالهن، والمضيّ في النضال التحرري حتى تحقيق النصر النهائي. فالرفيقة سارا كانت إحدى رائدات حركة المرأة الحرة، ومن هذا المنطلق شكّل نهجها وموقفها محطة مفصلية تحدّد معالم نضالنا.

إن وحشية هذا العصر موجّهة في آنٍ واحد ضد المجتمع وضد المرأة، وهي ليست حالة عابرة تخص هذا العام فحسب، بل واقع ممتد منذ سنوات طويلة. فالقوى المهيمنة والسلطوية والفاشية تخشى المرأة إلى أقصى حد، وتمارس بحقّها أشدّ أشكال العنف، لأن وجود المرأة في المجتمع، واستقلاليتها، ودورها الاجتماعي، تمثّل من أكثر العناصر الحاسمة تأثيراً. وفي هذا الصدد، قمنا أيضاً بتقييم ذلك في برامجنا على مدار السنوات السابقة. ولكن مع دخولنا هذا العام، نواجه حقيقة روج آفا بشكل مباشر. ففي السنوات الماضية، حاربن في مواجهة وحشية تنظيم داعش، وعملنّ على تطوير قوتهن الذاتية، وحماية شعوب الشرق الأوسط والإنسانية جمعاء، لا سيّما النساء، وتحريرها فعلياً. وقد تحوّلت هذه المقاومة إلى تجربة عالمية، وأصبحت مصدر إلهام لنساء العالم. ونحن النساء، لمسنا هذه الحقيقة بوضوح؛ فحين ينظّم الإنسان نفسه ويقاوم، تتّسع الدوائر من حوله وتتعمّق آثار نضاله.

لأن هناك حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها؛ وهي أن المجتمع الأخلاقي والسياسي لم يُقضَ عليه بالكامل، بل جرى قمعه وتهميشه وإنكاره. فجميع النساء ينتظرن شرارة أمل، وينتظرن حركة وتنظيماً فاعلاً. وبسبب هذا الواقع القائم، برز نقص في الريادة، الأمر الذي أفضى إلى تشكّل قوى ومقاتلات وحدات حماية المرأة (YPJ). فقد كانت مقاتلات وقوات وحدات حماية المرأة YPJ بنات هذا الشعب، واجهن المخاطر دون خوف، وقدّمن أنفسهن من أجل الإنسانية جمعاء. وجاء هذا في إطار مخطط مُعدّ مسبقاً، خُصِّص أساساً لمواجهة تنظيم داعش.

وإذا ما نظّمنا أنفسنا في مواجهة هذه التحديات، وطوّرنا قدراتنا في الدفاع الذاتي ونضالنا، فإننا سنتمكّن من حماية أنفسنا وحماية الشعوب الأخرى. وقد أثبتت سنوات النضال هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ تمكّنت جميع النساء وجميع الشعوب من إدراك وجودها ومكانتها الحقيقية. وهذا يشكّل برهاناً قاطعاً على أن الصمت، والسلبية، والخضوع أمام الواقع القائم، لا تعني سوى العدم والعبودية.

لأن هناك حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها؛ وهي أن المجتمع الأخلاقي والسياسي لم يُقضَ عليه بالكامل، بل جرى قمعه وتهميشه وإنكاره. فجميع النساء ينتظرن شرارة أمل، وينتظرن حركة وتنظيماً فاعلاً. وبسبب هذا الواقع القائم، برز نقص في الريادة، الأمر الذي أفضى إلى تشكّل قوى ومقاتلات وحدات حماية المرأة (YPJ). فقد كانت مقاتلات وقوات وحدات حماية المرأة YPJ بنات هذا الشعب، واجهن المخاطر دون خوف، وقدّمن أنفسهن من أجل الإنسانية جمعاء. وجاء هذا في إطار مخطط مُعدّ مسبقاً، خُصِّص أساساً لمواجهة تنظيم داعش.

وإذا ما نظّمنا أنفسنا في مواجهة هذه التحديات، وطوّرنا قدراتنا في الدفاع الذاتي ونضالنا، فإننا سنتمكّن من حماية أنفسنا وحماية الشعوب الأخرى. وقد أثبتت سنوات النضال هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ تمكّنت جميع النساء وجميع الشعوب من إدراك وجودها ومكانتها الحقيقية. وهذا يشكّل برهاناً قاطعاً على أن الصمت، والسلبية، والخضوع أمام الواقع القائم، لا تعني سوى العدم والعبودية.

رأت الإنسانية خلاصها في نضال روج آفا

عند النظر من التاريخ إلى يومنا هذا، نلاحظ أن هذه القضية كانت قائمة على مستويات مختلفة. إلا أن حركة التحرر، وحركة المرأة الحرة على وجه الخصوص، وضعت هذا الواقع موضع المساءلة الجذرية. فالشعوب والنساء لسن عبيداً بطبيعتهن؛ بل جرى استعبادهن، وتجريدهن من الوعي، وسلب إرادتهن، ثم جرى تقديم هذا الوضع وكأنه قدر محتوم. غير أن هذا الواقع ليس قضاءً لا مفرّ منه، ولا حالة يجب أن تستمر؛ بل هو واقع صُنِع وفُرض، وبالتالي يمكن تجاوزه. وقد تحقق ذلك من خلال نتاج نضالٍ امتد لسنوات طويلة.

ففي إطار هذه المقاومة وهذا الدفاع، جرى حماية الشعوب من هذه الوحشية ومن تنظيم داعش، وقدم في سبيل ذلك آلاف الشهداء. واليوم، يُعدّ هذا النضال نضالاً مشرّفاً للغاية. وبهذا المعنى، تموضعت الإنسانية حول هذا النضال، ورأت فيه خلاصها. وأدركت الإنسانية حقيقة أساسية مفادها؛ إن كنت منظّماً فأنت موجود، وإن لم تكن منظّماً فأنت معدوم.

ومنذ بداية هذا العام، غيّرت هذه الوحشية أسماءها وأشكالها؛ فظهر من يتصدّرها تحت مسميات الحكومة أو الرئاسة، إلا أن جوهرها بقي واحداً، كما بقيت أساليبها في الممارسة ودرجة وحشيتها على حالها. ويأتي ذلك في إطار مفهوم أعدّته القوى الدولية، يتجسّد في ممارسات وتطبيقات وتحضيرات تهدف إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد. وعند التفكير بصورة طبيعية، يطرح الإنسان هذا الاستفسار؛ الشعب الكردي وكردستان، ولا سيّما شمال وشرق سوريا، يشكّلون فسيفساء من الشعوب والنساء، حيث تعيش هناك مكوّنات متعددة من مختلف اللغات والمذاهب والمعتقدات. وهذا التنوع لا يشكّل مشكلة للشعوب، كما لا يشكّل مشكلة للمرأة. فعلى سبيل المثال، في كوباني توجد مقاومة للمرأة ومقاومة للدفاع عن المرأة، وفي الوقت ذاته تجد امرأة من أميركا اللاتينية نفسها حاضرة في هذا النضال. أي إن الحدود ليست عائقاً، ولا المعتقدات ولا المذاهب ولا اللغات تشكّل حواجز. إنما من يصنع هذه العوائق هم الدول والقوى الحاكمة والمهيمنة.

وبهذا المعنى، تنظر هذه القوى إلى هذا الشعب بوصفه خطراً، وتسعى إلى القضاء عليه عبر تسخير كل أشكال الوحشية، وهو ما يتنافى مع القيم الإنسانية، ومع الأخلاق، ومع المعايير الدولية، ومع القانون. في المقابل، فإن حقيقة الشعوب التي تدافع عن نفسها، وتدير شؤونها بإرادتها الحرة، ولا تلحق الأذى بأي شعب آخر، ولا سيّما في تصدّيها للهجمات التي تستهدف النساء، تمثّل واقعاً نقيضاً لذلك. فقد مارس تنظيم داعش عنفاً بالغ الوحشية ضد النساء، حيث قام بقتلهن، واعتقالهن، ومحاولة استغلالهن بأبشع الطرق. إلا أن قوات وحدات حماية المرأة (YPJ) قامت بتحرير النساء من هذا المصير. وتُعدّ هذه الفسيفساء للشعوب، التي لا تُلحق الضرر بأي شعب، وتدير نظامها الديمقراطي بحرية وبإرادة مستقلة، ولا تشنّ هجمات على أي منطقة، ولا تطمع في أي أرض، من بين أكثر شعوب كردستان براءة داخل الشرق الأوسط. كما أنه لا توجد معاناة أو مشكلة من هذا القبيل لدى النساء.

هيئة تحرير الشام تفرض العبودية والانصياع على الشعوب

إن هذا النضال هو نضال الوجود الإنساني بحدّ ذاته. واليوم، جرى تقديم هيئة تحرير الشام بصيغة جديدة؛ تغيّر اسمها وشكلها، غير أنّ جوهرها بقي على حاله. فجميع القوى المرتزقة، التي كانت سابقاً تحت مسمّيات مثل جبهة النصرة أو تنظيم داعش، ثم ظهرت لاحقاً بعشرات الأسماء المختلفة، تشترك جميعها في هدف واحد، يتمثّل في القضاء على الشعوب ذات الإرادة الحرة، ومواصلة ممارسة الوحشية بحقّها. وقد شهد العالم ذلك مراراً، وتكراره اليوم يثبت أنه ليس في مكانه الصحيح. وإننا نتحدث عن تنظيم داعش بلباس جديد؛ فأساسه ونهجه لم يتغيّرا، إذ يفرض على الشعوب العبودية، والانصياع، وسلب الإرادة، ويعتمد العنف وسيلةً لتحقيق ذلك. وفي هذا السياق، فإن مطلب الشعب الكردي وكردستان واضح؛ إذ توصّل الشعب والنساء إلى قناعة راسخة مفادها أن أي مشكلة، أيّاً كان الطرف المعني بها، يمكن حلّها بسهولة عبر الحوار، والمفاوضات، والنقاش البنّاء.

وقد شدّد القائد، في نضاله الواسع، على هذه الحقيقة بوضوح، مؤكداً أن القضايا العالقة لا تُحلّ عبر الحروب. غير أن هذا الطرح لم يُؤخذ بعين الاعتبار. فوفقاً لما جرى رصده ومتابعته، لم يتم اللجوء إلى أي اتفاق عام، أو حوار، أو نقاش، بل جرى الزجّ بجميع القوى المرتزقة في ساحة المواجهة. وهناك قوة تعمل منذ زمن على تنظيم هذا المسار والتحضير له، ثم تعاود شنّ الهجمات الوحشية. وفي مواجهة ذلك، تتجلّى مؤامرة مستمرة تمارسها قوى الهيمنة الدولية منذ سنوات بحقّ الشعب الكردي، لأنها لا تقبل بوجوده ووجود كردستان، ولأنها ترى في نضال المرأة داخل المجتمع الكردستاني، بوصفه أكثر أشكال النضال ديناميكية، تهديداًُ مباشراً لمصالحها. ومن هنا تُشنّ الهجمات اليوم على هذا الأساس. ومع بدء هذه الهجمات، شرعت جميع شعوبنا ونساؤنا في خوض نضال واسع، وهو موقف يتّسم بكرامة عالية، ويشكّل أساسًا لوحدة نضال الشعوب.

إن هذا الموقف الذي تبديه الشعوب التي ترفض الصمت إزاء هذه الإبادة، وتقف إلى جانب الحرية، يجب أن يستمر دون تراجع. وكما ناضلت قوات وحدات حماية المرأة (YPJ) وشعبنا بكرامة، وحرّروا الشعوب من تنظيم داعش، فإن الإرادة ذاتها قائمة اليوم أيضاً. لأن داعش، بصيغته الجديدة، إن تُرك دون مواجهة، سيتوسّع إلى كل المناطق، وسيعمل عبر الإبادة على محو كل شيء. فتغيير الأسماء لا يعني تغيير الجوهر، ولا تبدّل الأساليب. وقد رأينا ذلك بوضوح على أرض الواقع في وسائل الإعلام والصحافة؛ إذ جرى إلقاء مقاتلات وحدات حماية المرأة، اللواتي قاتلن بكرامة، من الشرفات ومن المباني. وهذا واقع لا يمكن القبول به أو تجاوزه. إنه هجوم انتقامي، ورسالة واضحة مفادها: ’كما قمتم بالقضاء علينا، فإننا سنقوم اليوم بالقضاء عليكم أيضاً‘. ومن هذا المنطلق، فإن نضال قوات وحدات حماية المرأة، كما كان بالأمس، لا يزال اليوم نضالاً مشرّفًا، ليس دفاعاً عن الذات فحسب، بل دفاعاً عن جميع الشعوب والنساء اللواتي يعشن على هذه الجغرافيا. وتتجلّى إرادة حاسمة لا لبس فيها في هذا النضال. وعلى العالم ألّا يلتزم الصمت إزاء ذلك، بل ينبغي عليه أن يواجه هذه الهجمات بموقف منظّم وواضح، وألّا يسمح باستمرارها تحت أي ذريعة.

فلسفة ’المرأة، الحياة، الحرية‘ هي فلسفة الحياة المشرّفة

ومن جهة أخرى، تبرز إيران وشرق كردستان، حيث سبقت انتفاضة ’المرأة، الحياة، الحرية‘ هذه المرحلة. إن فلسفة ’المرأة، الحياة، الحرية‘ هي فلسفة التحرّر، وفلسفة تحقيق الذات، وفلسفة الحياة القائمة على الكرامة والنضال. واليوم، ينبغي أن تتجذّر هذه الفلسفة في عموم الإنسانية، وعلى وجه الخصوص في وعي النساء. فغيابها لدى قوى الهيمنة العالمية لا يعني استحالة تحقّقها. وقد استمرّت هذه المقاومة أياماً طويلة، ولا تزال اليوم، بقيادة الشعوب والنساء، تتعرّض الكرامة الإنسانية هناك لانتهاكات جسيمة، وتُرتكب مظالم واضحة.

ويُفرض هذا الواقع قسراً، رغم أن لهذه الشعوب كرامتها ووعيها، وحقيقتها في أن تكون ذاتها. وهذا الواقع لا يشكّل تهديداً لأي قوة أو حدود. وفي المقابل، جرى قطع الإنترنت لأيام، وقطع التيار الكهربائي، وفي ظل تعتيم شبه كامل، تشير التقارير إلى مقتل ما بين تسعةٍ وخمسين ألفاً وستين ألف شخص، ومقتل النساء. كما تُرتكب انتهاكات جسيمة بحقّ الضحايا، إذ تُستأصل أعضاؤهم الداخلية وهم على قيد الحياة، ويُقتلون داخل المستشفيات.

حتى إن متنا مرةً واحدة، فإننا نُولد آلاف المرّات من جديد

على إنسانية العالم ألّا تلتزم الصمت إزاء المجازر المرتكبة في روج آفا. فمجرد الحديث عن هذا الواقع يفرض عبئاً أخلاقياً ثقيلاً. إذ تُكدَّس الجثامين فوق بعضها بهذه الطريقة، وتُسحل جثامين النساء، ويُطلق الرصاص مقابل المال الذي يُنتزع من عائلات الضحايا. فأيّ إنسانية يمكنها أن تغضّ الطرف عن ذلك؟ وهل يعني عدم تداول هذه الجرائم إعلامياً أنها غير موجودة؟ لأننا أمام نظام يعمد إلى إغلاق بلاده بالكامل أمام الرأي العام العالمي، ويرتكب المجازر، ويمارس القمع، ويسعى بكل الوسائل إلى إدامة سلطته. غير أن هذا المسار غير قابل للاستمرار. فهل يمكن لنظام قتل بهذا الحجم، وقمع بهذه الوحشية، وأنكر وحرّم وجود شعب بأكمله، أن ينتزع قبول الناس؟ هذا أمر مستحيل. فإرادة الشعوب تقوم على حقيقة راسخة؛ قد تتمكّن السلطة في مرحلة ما من القمع، وقد تنجح مؤقتاً في الإنكار، لكن هذا لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل. ونحن نلمس هذه الحقيقة بوضوح من خلال نضال شعوب جغرافيتنا، ومن خلال نضال نساء العالم.

واليوم، يوجد في العالم هذا العدد الهائل من المدافعات عن حقوق المرأة، والحركات النسوية، والمؤسسات والمنظمات النسائية، التي تعرّضت على مدى سنوات طويلة للتعذيب والاعتقال والقمع والإقصاء. ومع ذلك، لم يتم القضاء عليها، ولم تُمحَ من الوجود، لأن ذلك مستحيل. فالشعوب تجدّد نفسها باستمرار، وتنمّي ذاتها، وتدفع بنضالها إلى الأمام؛ فهذه عملية اجتماعية متواصلة. وعلى وجه الخصوص، حين تبلغ المرأة وعي وجودها الحر، وتبني إدراكها الذاتي، لا تستطيع أي قوة أن توقفها. وبلا شك، يشكّل ذلك خطراً حقيقياً على القوى الحاكمة والمهيمنة، لأن وجودها قائم أساساً على إسكات المجتمع والمرأة. وقد استمر هذا النمط لآلاف السنين. لكن حين تدرك المرأة هذه الحقيقة، وتستيقظ على وعيها، فإنها تضع أمام أعينها حقيقة لا تقبل الجدل؛ لا يمكنكم القضاء على وجودنا عبر قتلنا. فحتى إن متنا مرةً واحدة، فإننا نُولد آلاف المرّات من جديد.

شعب روج آفا أثبت بوضوح أنه لا يسلّم كرامته لأيّ أحد

إن هذه حقيقة تتجلّى بوضوح في نضال المرأة من أجل الحرية، وهي حقيقة نلمسها في كردستان كما في عموم الشرق الأوسط. فالأمر كذلك بالفعل. عندما وصلت طالبان إلى السلطة، هل صمتت النساء هناك؟ وعندما فُرض تنظيم داعش، هل التزمت النساء الصمت؟ واليوم، مع محاولة فرض هيئة تحرير الشام، هل صمتت النساء؟ لقد انتشرت أنظمة الهيمنة في العالم منذ قرون، فهل نجحت في إسكات الشعوب؟ وهل استطاعت إسكات النساء؟ وهل تمكّنت من القضاء على تنظيم النساء؟ بهذا المعنى، يتعيّن علينا كنساء أن نُدرك هذه الحقيقة جيداً. واليوم، اليوم، يجب أن نتحد ونكون أقوياء حول مقاتلات وحدات حماية المرأة (YPJ) اللواتي يقدنّ نضالنا المشرّف، وحول مقاومة شعب روج آفا، واللواتي يمنحننا معنى الحياة، ويوقظن وعينا من جديد، ويبرهنّ أن العيش بحرية ممكن. لأنهن اتخذنّ قرارهن بوضوح.

نحن لا نسلّم وجودنا لأيّ أحد. ومن خلال تمسّكنا بوجودنا، نحمي إنسانيتنا وكرامتنا، وسنواصل حمايتهما. قد يكون في نهاية هذا الطريق الموت أو القتل، لكننا لن نسلّم كرامتنا. وقد عبّر الشعب عن هذا القرار بوضوح تام في البيانات الصادرة عنه، وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن الشعب هو من يقرّر مصيره ووجوده بنفسه. ولطالما يُقال إن هذا الطرف يضغط، وذاك الطرف يمارس الضغط، غير أن كل ذلك ليس سوى نتاج حرب خاصة، ودعاية قذرة تهدف إلى كسر إرادة مقاومة الشعب، وتشويه نضال مقاتلات وحدات حماية المرأة. لقد رأينا هذه الأساليب بالأمس، ونراها اليوم أيضاً. وبهذا النضال بنينا ذاتنا، ومن هذا المنظور فإن القضية لا تتعلّق بنظام واحد أو نظامين فحسب.

واليوم، توجد في العديد من البلدان أمثلة صادمة. فالقائد يشير باستمرار إلى هذا الواقع: قد يقول الرجل اليوم أنا أحبكِ، ثم يقوم في الغد بتقطيعكِ إرباً ويضعكِ في حقيبة. تُعرض هذه الجرائم على شاشات التلفاز؛ تُرمى النساء من الطوابق العليا، وتُلقى جثاميهن في حاويات القمامة. ومن هنا، فإن خلاصنا كنساء يكمن في بناء حياتنا الحرة. وبناء الحياة الحرة يعني الوعي، والتنظيم الذاتي، والدفاع الدائم عن النفس. فسلطات اليوم والغد لن تزول من تلقاء نفسها. وعندما تتعرّض النساء للهجوم، ينبغي أن يمتلكن وعي الدفاع الذاتي، لأن ما يجري هو وحشية ممنهجة، تُقتل فيها النساء واحدة تلو الأخرى.

لقد عرّف القائد، وبأدقّ توصيف، جميع أشكال الإبادة والإنكار والوحشية. ولم يجرؤ أحد على تسميتها أو وضعها موضع النقاش كما فعل، إذ وصفها بوضوح بأنها قتلٌ متعمّد. وقدّم للنساء منظوراً شاملاً لكيفية الصحوة الجماعية، وكيفية التنظيم الذاتي، ووسّع هذا الأفق النظري والعملي. فهذه ليست أفعال أفراد عاديين، بل هي منظومة متكاملة، ونظام، وقوة منظّمة ومهيمنة، بنت وجودها تاريخياً على قتل البشر، والشعوب، والنساء.

وقد توسّع القائد في هذا التحليل حتى البنية العشائرية، ومع كسر الإطار العشائري، كشف الصراع بين الكومين والدولة، واستمر في هذا المسار حتى يومنا هذا. ومن خلال العودة إلى التاريخ، وتقييم المراحل واحدة تلو الأخرى، وقراءتها وتحليلها ودراستها، يمكننا أن نفهم تعبيرات الواقع الراهن من هناك.

نحن لا نستسلم أمام القوة المسلحة

إنّ الدفاع الذاتي ليس حالة عابرة أو مرتبطة بالحاضر فقط. فالقوى المهيمنة أو الحاكمة، أي القوى التي تخشى زوال وجودها، تحاول تصوير الدفاع الذاتي على أنه مجرد تنظيم عسكري طارئ مرتبط بظروف اليوم. أولئك الذين يسعون إلى نشر الخوف داخل المجتمعات، والذين يطبقون سياسات الحرب الخاصة ضد الشعوب، يقولون: كونوا بلا حماية، ونحن سنتكفّل بحمايتكم. نحن ننظر إلى تاريخنا. فما تعرّضنا له في الماضي يُعاد اليوم بأسماء مختلفة. حتى في مرحلة تشكّل الإنسانية الأولى، كان الإنسان يطوّر دائماً ردّ فعل الدفاع عن الذات في مواجهة القمع والعنف والهجمات. ويشير القائد إلى أن هذا موجود أيضاً في الطبيعة. فعندما ننظر إلى البيئة نرى ذلك بوضوح: هناك أزهار، وهناك أشجار. فالحياة ليست المجتمع وحده، بل الطبيعة بحد ذاتها. ونحن جزء من هذه الطبيعة، ننتمي إليها ونتفاعل معها.

وإذا كانت الطبيعة تمتلك دفاعها الذاتي، فعندما يُكسر غصن شجرة أو تُقطف زهرة، فإنها تُبدي ردّ فعل. فكيف بالإنسان؟ الإنسان يمتلك العقل، والإرادة، والجسد، والوجود. وهذا لا يعني التفوق على الطبيعة، بل هو تعبير عن الوجود الاجتماعي للإنسان. ونحن نعرّف ذلك بوصفه ’الطبيعة الثانية‘. فكيف يمكن أن يوجد الإنسان من دون دفاع ذاتي؟ الدفاع الذاتي هو وعي حماية الوجود في جميع الظروف، وهو ردّ الفعل الوقائي، وهو نضال الحماية، وهو تنظيمها. وأينما كنّا، عندما نتعرض لهجوم مسلح، فإننا ندافع عن أنفسنا. نحن لا نستسلم أمام القوة المسلحة. ومع ذلك، ندرك أن السلاح ليس وسيلة تحرر للإنسانية. ورغم ذلك، فإننا لن نتخلى عن السلاح ولن نستسلم. وهذا مبدأ ينطبق على جميع الشعوب.

لماذا توجد جيوش الدول؟ ولماذا توجد أنظمة الأمن الداخلي والشرطة؟ فهل هي فقط لمواجهة الأخطار الخارجية؟ لقد وُجدت الإنسانية قبل الدولة، ووجد المجتمع من دون دولة، ومع ذلك كان يحمي نفسه. وكان هذا الدفاع يأخذ أشكالاً مختلفة، ويتحقق بوسائل متعددة. وفي ظل ظروف ما يُسمّى بالحرب العالمية الثالثة التي تُدار اليوم في العالم، وفي الوقت الذي يُعاد فيه تصميم الشرق الأوسط، وتُسحق فيه إرادة الشعوب، وتُشنّ فيه هجمات عنيفة على نضال المرأة، كيف يمكن للنساء أن يكنّ بلا دفاع ذاتي؟ لقد قُصّت شعورهنّ وتمّ التشهير بهنّ. وعلى نساء العالم، وكل من يقول: أنا امرأة، أنا شعب، أنا إنسان، أن يروا هذه الوحشية. إنهم يقتلون، ويقطعون الرؤوس، ثم يُطلق على ذلك اسم “هيئة تحرير الشام” أو يُسمّى “حكومة”. يُقصّ شعر مقاتلات وحدات حماية المرأة (YPJ) وتُؤخذ الصور أمامها. نعم، لم تبقَ النساء صامتات أمام ذلك، لكن لا نرى هذا أمراً كافياً. إنّ هذا يشكّل وقفة مشرّفة، لكنه غير كافي.

يجب على كل امرأة أن توسّع نضالها

المرأة موجودة بشَعرها، وبجسدها، وبكل ما تمثّله. فهل سنستسلم إذا ارتُكبت هذه الانتهاكات بحق المرأة؟ لا. يجب علينا أن نناضل في مواجهة ذلك. يجب أن نحمي كرامتنا، وأن ننظم أنفسنا، وأن نُنمّي قوتنا. وبهذا المعنى، يوجد اليوم وعيٌ جادّ ومتزايد لدى نساء العالم، لكن هذا الوعي يجب أن يتحول إلى إرادة قوية، وتنظيم متين، ومقاومة صلبة. على كل فرد أن يوسّع نضاله. لقد درّبنا القائد دائماً على هذا الفهم: إذا قُتلت امرأة واحدة، فاعلمي أنها أنتِ، وأنها نحن جميعاً. فالمرأة تمتلك هذا الإحساس العميق، وتمتلك هذا الوعي المتقدّم. وهذا نابع من طبيعتها الاجتماعية، ومن انفتاحها، ومن مرونتها، ومن حساسيتها الإنسانية، فهي تحتضن كل ذلك في ذاتها. لن ننسى شعرها الذي قُصّ، ولن ننسى مقاتلتنا التي أُلقي بها من الأبنية، ولن ننسى المجازر الوحشية التي ارتُكبت بحقنا. لا اليوم، ولا غداً، ولا في أي يوم قادم. إن وحشية اليوم هزّت إنسانية العالم مرة أخرى، لكنها في الوقت نفسه دفعتنا مجدداً إلى النضال. وبهذا المعنى، نحن اليوم كما كنا بالأمس نؤمن بالمقاومة. فالمقاومة يحددها نضالنا، ونضالنا يحدده تنظيمنا، وتنظيمنا تحدده وحدتنا. وهذه كلها شروط أساسية لكي نكون مجتمعاً، ولكي نكون بشراً، ولكي نكون نساء.

ولهذا السبب، وفي ظل هذه الظروف، لم يكن الدفاع عن النفس يوماً خارج السياق أو غير ضروري. هناك سياسات حرب خاصة تحاول تصوير الدفاع عن النفس على أنه موقف سلبي، ليبرالي، واستسلامي أمام كل شيء، ويتم الترويج لهذا الفهم عبر الإعلام الرقمي والمؤسسات المختلفة. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فبذرائع مختلفة يُفرض علينا الاستعباد. ومن هنا، يجب أن ندافع عن أنفسنا، وأن نعزّز قدرتنا على الحماية، وفي الوقت نفسه نوسّع هذا الدفاع ونطوره.

إن مقولة القائد آبو: «أُعرّف هذا العصر بأنه عصر بطولة المرأة» تعبّر بصدق عن نهج القائد الذي يتفهم طبيعة النضال الذي نعيشه ويحدده. نحن حركة المرأة الحرة الكردية، لكن هذه الحركة كبرت، وتجاوزت حدود كردستان، وأصبحت حركة عالمية. يجب أن نمنح نضالنا، كنضال نساء العالم، هوية واضحة. ففي مقاومتنا، وفي نضالنا، وفي تنظيمنا، وفي وحدتنا، تتجلى ملحمة بطولية متكاملة. فالبطولة غالباً ما تُختزل في الاستشهاد، وهذا بلا شك شكل من أشكال البطولة، لكن البطولة الحقيقية هي التي تُنتج الحياة، وتجلب النضال، وتعزز نفسها بعزم وإصرار وبإرادة مستدامة.

اليوم، وصل نضالنا بالفعل إلى مستوى من خذا القبيل. حيث تجتمع نساء من آسيا، ومن أميركا اللاتينية، ومن العديد من الدول الأوروبية، في هذا النضال. فالمهم ليس الحجم، ولا العدد، بل الكيفية. الحرية مسألة كيف نعيش ونناضل. كل هذا نضال، وكل هذا بطولة: عدم الاستسلام، عدم الانكسار، عدم السلبية، تدريب الذات على فهم اجتماعي-تاريخي، توسيع الأفق عبر علم المرأة (الجنولوجيا)، والارتباط بتاريخنا وإحضاره إلى الحاضر. يُقال لنا: انسوا تاريخكم، فنحن نكتب التاريخ اليوم. لكن التاريخ الذي يُكتب بهذه الطريقة هو تاريخ إنكار وإبادة وليبرالية، تاريخ يُجزّئ الجسد الإنساني ويحوّله إلى سلعة. والتاريخ ليس هذا فقط، والحاضر أيضاً ليس هذا فقط.

فإذا نظرنا إلى تاريخ السلطات سنراه على هذا النحو، لكن هناك أيضاً تاريخاً غير مكتوب. إن نضال النساء ونضال الشعوب يُظهر هذا التاريخ المخفي غير المكتوب إلى النور. ولهذا جرى تطوير علم المرأة، من أجل استعادة تاريخ المرأة الذي جرى قطعه حتى اليوم. ولطالما كان هناك نضال نسوي في التاريخ، لكنه إما جرى محوه أو تشويهه. لذلك، يجب إعادة قراءة مقاومة التاريخ بوعي، وفهم الحاضر بشكل صحيح، وبناء المستقبل على أسس سليمة. فالبطولة يُعاد تعريفها اليوم، وتكتسب عبر المرأة معنى جديداً. ومن أجل ذلك، قُدّمت آلاف الأجساد، وبرز آلاف الأبطال، وكُتبت آلاف الملاحم، وتجلّت آلاف أشكال المقاومة. ولهذا تتوحد الشعوب، ولهذا تستلهم القوة والأمل.

لسنا بحركة تقبل بالخضوع

لقد عاشت هذه المقاومة دائماً، وفي مواجهة الوحشية كان يُتَّخذ على الدوام موقف انتفاضي. هذه الانتفاضة ليست غضباً لحظياً، بل هي نضال مستمر. لا شك أن دفع الثمن بطولة. وفي تاريخ نضالنا كان هذا الفهم حاضراً دائماً: الموت يخاف منا، ونحن لا نخاف الموت، لأننا نعرف ما هو الموت. نحن وحدة نضالية بهذا المعنى. هذا النضال تجاوزنا ووصل إلى نساء أخريات. وأمهاتنا يقلن أيضاً: ’نحن أكبر من الموت‘. إنهنّ صاحبات تاريخ وإرث، ولهذا يقلن ذلك، لأننا أبناؤهن. نحن لسنا حركة تقبل بالخضوع، بل حركة تناضل منذ سنوات، وتعلّمت من هذا النضال معنى الحرية. هذه حركة واسعة تضم في داخلها جميع حركات النساء، لأنها التعبير المشترك عن مجمل نضال النساء القائم.

اليوم، المرأة التي تُقتل في أوروبا هي نحن أيضاً. أيّاً كانت الهوية أو المذهب أو العرق، فقد تجاوزنا هذه الحدود. النظرة العالمية هي منظورنا، وقد بلغنا هذا الوعي عبر النضال. في أوروبا تُقتل الكثير من النساء. وفي الشرق الأوسط يسعون إلى إعادة التصميم عبر داعش، ويريدون فرض الاستسلام من خلال المجازر، وهذا قد يمتد إلى شعوب أخرى أيضاً. هذه الأنظمة لا تخشى ذلك. لذلك فإن نضالنا هو صوت جميع النساء. حيثما تُقتل امرأة، يجب أن نمضي بنضالها. فالنضال ليس مجرد مسيرة أو بيان فقط، وإن كانت هذه أيضاً أدوات مهمة، لكن كلما كبر النضال تطورت وسائله وحاجاته واتسع نطاقه. لذلك لا ينبغي أن نترك أي أحد بلا محاسبة، فمحاسبتنا يجب أن تكون وقف هذا العنف، ووضع حد لهذه المجازر، وذلك عبر توسيع نضالنا وتعزيزه.

لقد أكد القائد دائماً على هذا الأمر، ونراه أساساً في جميع مرافعاته، إذ يقول: كلما كبرتم وتجاوزتم مخاوفكم، لا تناضلوا دائماً بالمواجهة، بل بتقوية ديناميكياتكم الداخلية. هذا المنظور العام يعبّر عن حقيقة أن الدفاع الذاتي كان ضرورياً في الأمس، وهو ضروري اليوم أيضاً. ما دامت الإنسانية موجودة، وما دامت الشعوب موجودة، وما لم تُبنَ أنظمتها الديمقراطية وحياتها الحرة والكريمة، فسيظل الدفاع الذاتي قائماً، بوصفه مبدأً وضمانة. وهناك حقيقة داخلية أيضاً؛ فنحن لا نتحدث فقط عن العدو الخارجي، بل يوجد في الداخل أيضاً تمييز جنسي عميق، وعنف داخل الأسرة، وإنكار لإرادة المرأة وعدم الاعتراف بها. هناك نظام يستعبد المرأة في البيت، ويسمح لها بالعمل خارجه ليُظهر وكأن هناك حرية اقتصادية، بينما يسعى في الحقيقة إلى إبعادها عن حريتها. كل هذا استغلال وخداع، لأن وعي المرأة هو وعي المجتمع، ونحن لسنا منفصلين عن المجتمع.

وفي هذا الإطار توجد القومية، والتعصب الديني، والشوفينية، والتمييز الجنسي، وكلها تشكّل مجتمعة الحداثة الرأسمالية، أي النظام الذي يبعد المجتمع عن جذوره. نرى كيف يُحوَّل أشخاص مختلفون إلى وحوش. هل يمكن أن نسمّي هؤلاء الدواعش بشراً؟ إنهم مخلوقات خرجت من الإنسانية، وليسوا بشراً. فماذا نفعل أمام هذه الوحشية؟ نحمي إنسانيتنا وننميها، لأن الإنسانية ليست قتلاً ولا إنكاراً ولا إبادة. ومن هنا تبرز مرة أخرى حقيقة نضالنا: الدفاع الذاتي، إلى جانب التنظيم، هو بحث جماعي عن أمن شامل لكل العالم، وقوة حماية في مواجهة الهجمات من الداخل والخارج.

هناك نضال مستمر منذ سنوات وحركة أصبحت عالمية. فعلى سبيل المثال، عندما ترى نساء أميركا اللاتينية هذا النضال، ينظّمن أنفسهن، ولا أحد يذهب ليُنظمهن بدلاً عنهن. ألم تنادِ نساء أفغانستان وحدات حماية المرأة منذ الهجوم الأول، قائلين: تعالوا احمونا ودرّبونا؟ واليوم حين تقع المجازر في السويداء، أليس أهل المنطقة يوجهون النداء إلى وحدات حماية المرأة والشعب؟ أليس هذا نداء العلويين أيضاً؟ نحن لسنا صوتاً واحداً ولا صوتًا خافًًا. لقد وصلنا إلى هنا بتضحيات كبيرة وجهود شاقة. واجهنا الفاشية، والقوى المهيمنة، وسلطة الدولة، والعنف الذكوري. لذلك قلت في البداية: النساء موجودات، ولا يمكنكم إبادتهن، والشعوب موجودة، ولا يمكنكم إبادتها. لكن كيف هنّ موجودات؟ بهويتهن، وكرامتهن، وثقافتهن، وفكرهن، وأخلاقهن، وارتباطهن بالجغرافيا والطبيعة.

عندما ترى النساء ذلك، ينظرن إلى بلدانهن، وأسرهن، ومحيطهن، ومدارسهن، ودولهن، ويرين العنف اليومي، والعنف غير المرئي، الدقيق والمُطبّع، ويرين عدم الاعتراف بإرادتهن. كل هذا عنف، والعنف ليس فقط القوة الجسدية المباشرة. عندها يتساءلن: كيف تناضل هؤلاء النساء؟ بأي وعي، وبأي فكر، وبأي حجة؟ والجواب واضح: بالتنظيم. يجب أن تجتمع امرأتان، ويجب أن تجتمع خمس نساء. نرى على شاشات التلفاز ثلاثة رجال يهاجمون امرأة بالسكاكين أو الأسلحة. لكن عندما تنظّم المرأة نفسها وتكون واعية، فإن ردّة فعل المرأة المنظمة وإرادتها تكون قوية جداً. هذه ليست أوضاعاً عادية.

لماذا تبكين؟ أجيبي، لأن عنفاً جسدياً يُمارس ضدكِ وقد تُقتلين. لماذا تُسلّمين نفسكِ للموت؟ من هنا يزداد غضبنا، لأن على النساء أن يكنّ يقظات، وألا ينخدعن بكل كلمة معسولة من الرجل. اليوم يقول: أحبكِ، وغداً يقتلكِ. هنا يجب أن نعرّف الحب تعريفاً صحيحاً: الحب هو الاعتراف المتبادل بالإرادة، والاعتراف بالإنسانية، وليس سلطة أو هيمنة. العنف له وجوه عديدة، ولا ينبغي لأي امرأة أن ترى نفسها مستحقة له. المرأة التي تقبل بذلك غير موجودة، لكن هناك نساء غير منظّمات لا يستطعن إظهار قوتهن. في العالم هذا الكم من الحركات والمنظمات النسوية، والنساء لسن وحدهن. وهناك علم يعبّر عن ذلك الجنولوجيا (علم المرأة). يجب التوجّه في كل مكان نحو علم المرأة وفهمه، لأن الجواب الصحيح لا يُمكن الوصول إليه من دون طرح الأسئلة.

كلما تشاركت النساء أكثر، امتلكنّ الإرادة لتجاوز العنف والتمييز الجنسي

لسنا محكومات بهذا العالم. نحن نعيش فيه، لكننا لسنا أسرى له. نستطيع أن نبني عالمنا الخاص. نحن نناضل كل يوم، وكلما ناضلنا ارتفعت معنوياتنا، وتعاظمت ثقتنا بأنفسنا، وكبرت إنجازاتنا. هذا الفكر كان حاضراً دائماً في تاريخ نضالنا، واليوم أصبح عالمياً. إنه ليس فكرة فردية، بل تأسيس وبناء. ويُعدّ الكونفدرالية الديمقراطية لنساء العالم أحد أبرز أمثلة ذلك. قبل عامين أو ثلاثة، اجتمعت مئات النساء في برلين، وأصبحن مصدر إلهام لجميع النساء. جاءت كل امرأة بلونها الخاص، وبفكرها، وبمعاناتها، فتبلورت فكرة مشتركة، وظهر أساس نضال نسوي مشترك.

وكلما تشاركت النساء أكثر، امتلكن إرادة أقوى لتجاوز العنف والتمييز الجنسي. وإذا كنّ اليوم بالمئات، فسيكنّ غداً بالآلاف، أينما وُجدن، وبأي تنظيم كنّ. في كردستان، حيث اعتدى الجنود والشرطة وحراس القرى على النساء، أبدى المجتمع ردّ فعل ودافع عن نفسه. وهذا هو الدفاع الذاتي. لا يستطيع أحد أن يمدّ لسانه أو يده بسهولة. لذلك ينبغي للمجتمع أن يردّ بوعي الدفاع الذاتي، بشكل أكثر حساسية وتنظيماً. قد يكون الجندي في موقع عمله، لكن هذا لا يمنحه الحق في الاعتداء على امرأة أو طفل. هذا العنف يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه، ونحن بدورنا يجب أن نواجهه بالنضال، وأن نعزّز وجودنا وكرامتنا. لن نستسلم، وقد أثبت نضالنا ذلك. اليوم، سواء هاجمت مرتزقة هيئة تحرير الشام، أو قتل النظام الإيراني الناس، فإن هذا الوضع لن يدوم؛ فالشعوب لا تنسى ما عانته.

لم يُكتب تاريخ الشعب الكردي بإرادة الشعوب، ولم يُكتب تاريخ المرأة بلغة المرأة. لكن هناك آلاف الكاتبات اليوم. يجب أن نكتب ما عشناه، لأن القائد قال: "تاريخ العبودية كُتب، أما تاريخ الحرية فما زال بانتظار من يكتبه". وهذا هو نتاج هذا النضال. لذلك فإن هذا القرن هو قرن بطولات النساء. وكتابة هذه البطولة هي مسؤولية المرأة. كل النساء المناضلات بطلات. النساء اللواتي يقاومن في مسار ’المرأة، الحياة، الحرية‘ بطلات. وكل امرأة لا تخضع أمام الظلم هي بطلة. وبوحدة الروح، ووحدة الفكر، ووحدة النضال، أينما كنا، يجب أن نوسّع نضالنا المشترك.

لقد عرّف القائد هذا القرن بوصفه قرن نضال المرأة، وقال إن العالم سيتحرر على يد النساء. بالأمس آمنا بذلك، واليوم ما زلنا نؤمن. علينا أن نؤمن بنضالنا وأن نوسّعه، وأن نؤمن بتنظيمنا ونعزّزه. يجب أن نعمل على الوعي، فالمرأة تُترك بلا قوة عندما تُترك بلا وعي. علينا أن نعمل في علم الاجتماع، وفي الجنولوجيا (علم المرأة)، وفي الفلسفة. لنجعل القرن الحادي والعشرين قرن نضال المرأة، ولنحرر العالم بريادة المرأة.

 (ل م)