توقف الرواتب وغياب الاستراتيجية يشلّ مصنع الخيوط الحكومي في حماة

يختصر واقع مصنع حماة للخيوط معاناة عمال يُجبرون على دوام بلا أجر في منشأة متوقفة، ما يعكس تهميشاً اجتماعياً واقتصادياً وانتهاكاً لحقوقهم المعيشية. كما يُجسّد فشل السياسات الاقتصادية والإدارية التي عطّلت أصولاً إنتاجية وخسّرت الاقتصاد الوطني قيمة مضافة وفرص عمل كان يمكن أن تسهم في إنعاشه.

توقف الرواتب وغياب الاستراتيجية يشلّ مصنع الخيوط الحكومي في حماة
الأحد 28 كانون الأول, 2025   05:00
حماة

يواجه أكثر من 300 عامل وعاملة في شركة حماة للخيوط القطنية حالة من التهميش والحرمان، حيث انقطع راتب شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2025 عن جيوبهم، فيما يُطلب منهم الحضور اليومي إلى العمل للإشراف على آلات متوقفة وأقسام شبه خالية.

ولا يرى العمال في هذه الحالة سوى حلقة في سلسلة طويلة من الانهيار الصناعي الذي يُعزى إلى عقود من السياسات الاقتصادية الخاطئة والإهمال الحكومي المتراكم.

ومصنع حماة للخيوط، والمعروف كذلك باسم الشركة العامة للخيوط القطنية بحماة، هو منشأة صناعية سورية تأسست عام 1971 لدعم صناعة النسيج المحلية، وينتج أنواع العديد من الخيوط القنية والصوفية، بطاقة إنتاجية تصل لـ 8500 طن سنوياً.

شهادات من قلب المعاناة: "نحن أمام موت بطيء"

وفي مشهد يعكس عمق المأساة، يجلس مهندسون وفنيون متخصصون من السابعة والنصف صباحاً حتى الثالثة ظهراً، ليس لإدارة إنتاج نشط، بل لمجرد "وجود إشرافي" على ورش متوقفة، تقول المهندسة "س.م" (رفضت ذكر اسمها كاملاً خوفاً من الفصل): "نُجبر على الحضور يومياً، ندفع من جيوبنا الفارغة أجور المواصلات التي تكاد تلتهم ما تبقّى من مدخرات، كل ذلك من أجل توقيع الحضور ومشاهدة آلات صدئة".

مضيفة أن سلطات الحكومة الانتقالية "تتحدث عن إعادة الإعمار وتشغيل المصانع، لكننا هنا نشهد الموت البطيء للصناعة وتجميد الحقوق".

ويضيف عامل مخضرم في قسم الصيانة، "أحمد.ع": "الرواتب متوقفة منذ شهرين، والشركة تتحدث عن أزمة مالية، لكن المستودعات مليئة بكميات كبيرة من الغزول القطنية الجاهزة التي كان يمكن بيعها لو وُجدت إرادة أو دعم رسمي للتسويق، نحن ضحية إهمال مزدوج، إهمال الإدارة الداخلية، وإهمال الجهات الحكومية المشرفة التي تترك المصنع يغرق".

مخزون معطل.. وسياسات فاشلة

تكشف مصادر داخل الشركة عن مفارقة صارخة تؤكد فشل السياسات الإدارية والتجارية، إذ تتراكم في مستودعات الشركة كميات كبيرة من الخيوط القطنية عالية الجودة (من نمر 26 إلى 30)، كانت تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد منها تقارب 3 دولارات، بيد أن سوء التخزين وغياب خطة تسويقية فعالة، إضافة إلى غياب الدعم الحكومي في فتح قنوات تصديرية، أدى إلى انخفاض قيمتها السوقية إلى نحو 2 دولار تقريباً.

كانت هذه الخيوط محل طلب من شركات محلية للتجهيز والتصدير، لكنها بقيت بلا مشترٍ، ما حوّلها من أصل منتج إلى عبء مالي مجمد، وفق الفنيين.

الاتحاد والمسؤولون: بين التكريم والتجاهل

وفي وقت تشتد فيه معاناة عمال الخيوط القطنية، تنشغل الجهات النقابية الرسمية في حماة بأنشطة تبدو شكلية بمعزل عن القضايا الملحة، فقد عقد اتحاد عمال محافظة حماة اجتماعاً ناقش فيه "تحديث آليات الانتساب"، من دون أن ترد في بيان الاجتماع أي إشارة ملموسة إلى أزمة الرواتب في الشركات المتعثرة.

ومن جهته، يقول الخبير الصناعي "يوسف.س" لـوكالتنا إن إصلاح الصناعة لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة الملفات الأمنية والسياسية والتشريعية المتراكمة، كما يرى صناعيون أن الحلول الترقيعية وإطلاق التصريحات المتفائلة دون معالجة جذرية للأزمات الهيكلية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإغلاق والتسريح.

 وفي ظل غياب أي حلول من الحكومة أو الاتحاد، يجد العمال أنفسهم في مأزق وجودي، البعض قدم استقالته تحت وطأة الحاجة، والبعض الآخر يصرّ على الحضور كوسيلة أخيرة للمطالبة بحقوقه، فيما يرى آخرون أن الفصل بات مصيراً محتوماً.

ويقول أحد العمال: "نحن لا نعارض خطط الإصلاح، لكننا نرفض أن نكون الوقود الذي يُحرق في رحلة الانهيار هذه، الدولة مطالبة إما بتقديم خطة إنقاذ حقيقية للمصنع وتسويق مخزونه، أو بفتح باب إنهاء خدماتنا مع ضمان حقوقنا المشروعة والمتأخرة".

ويرى فيها العمال إخفاقاً لنمط إداري قصير النظر، فيما يراها خبراء اقتصاد سوريون سياسات اقتصادية لم تستطع حماية القطاع الإنتاجي الذي يُفترض أن يكون عماد أي اقتصاد وطني.

(أم)