تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل

تفرض سيطرة دولة الاحتلال التركي ومرتزقته على مدينة منبج وريفها واقعاً مأساوياً على الأهالي، إذ تراجعت مصادر الدخل بشكل كبير نتيجة الانفلات الأمني وغياب الخدمات الأساسية، ما أدى إلى تفاقم معدلات البطالة والهجرة وازدياد الجرائم.

تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل
تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل
تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل
تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل
تحت وطأة الاحتلال التركي.. منبج تواجه البطالة وانهيار الدخل
الأربعاء 29 تشرين الأول, 2025   06:35
الطبقة

تشهد الأوضاع المعيشية في مدينة منبج وريفها انهياراً شاملاً، حيث انعكست الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها مرتزقة الاحتلال على جميع مفاصل الحياة، فتوقفت عجلة الخدمات الأساسية، وتراجع النشاط الاقتصادي والصناعي والزراعي، ما ترك السكان في مواجهة واقع يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

الكهرباء انقطاع شبه دائم

شبكات الكهرباء بشكليها التوتر العالي والمخفض تعرضت للتخريب والسرقات على يد مرتزقة الاحتلال التركي، بالإضافة لبعض المحولات الكهربائية في الأحياء والقرى.

المواطن (إ.ع) الذي فضّل عدم ذكر اسمه خوفاً من ملاحقة المرتزقة، قال: "إن مدينة منبج وريفها تعاني منذ دخول الاحتلال التركي من انقطاع شبه تام للكهرباء بسبب سرقة كابلات التوتر العالي، التي تنقل الكهرباء من سد تشرين، بالإضافة إلى سرقة عدد من محولات الكهرباء داخل المدينة وريفها".

وأضاف: "لم نرَ الكهرباء لعدة شهور، ومؤخراً تم ربط منبج بالمحطة الحرارية عبر خط محطات مياه الحبوبة، لكن الوضع لا يزال سيئاً، فالكهرباء في الريف لا تأتي إلا ساعتين في اليوم وغالباً في الثالثة فجراً حيث يكون الناس نائمين، كما أنها ضعيفة لا يمكن الاستفادة منها".

العطش في ذروة الصيف

المواطنة (ح.ح) من أهالي منبج قالت إن الاحتلال التركي ومرتزقته سيطروا على محطات مياه الحبوبة التي تعد المصدر الرئيس لضخ المياه نحو المدينة، ما أدى لتوقف الضخ بالكامل بعد سرقة مولدات التشغيل واستبدالها بمضخات عاطلة عن العمل منذ سنوات.

وأضافت: "في عز الصيف اضطررنا للاعتماد على صهاريج المياه التي بلغ سعر الخزان الواحد منها نحو 100 ألف ليرة، رغم أن المياه التي تنقلها لا نعرف هل هي صالحة للشرب أم لا؛ لأنها بلا رقابة أو فحوصات".

وأشارت إلى أنه وبعد ثلاثة أشهر من المعاناة، أُعيد تشغيل بعض المضخات، إلا أن الضخ لا يشمل جميع الأحياء، فيما لا تصل مياه الشرب إلى أغلب مناطق الريف إطلاقاً.

اعتداءات على الكادر الطبي

الممرضة (س.أ) التي كانت تعمل في مشفى الفرات في منبج، قالت إنهم بعد توقف الهجمات والاشتباكات في المنطقة توجهوا للمشفى لأداء واجبهم، لكنهم تفاجؤوا بسرقته بالكامل من قبل المرتزقة، بالإضافة إلى سرقة المولدات وسيارات الإسعاف والأجهزة الطبية، ووجد العاملون في المشفى جثثاً لأشخاص قتلهم المرتزقة داخل المشفى.

كما سرق المرتزقة معدات مشفى الرابطة، بينها جهاز غسيل كلى حديث وجهاز رنين مغناطيسي من مشفى الفرات بقيمة 400 ألف دولار، بالإضافة إلى أربع سيارات إسعاف ومولدات كهرباء ومخصصاتها من المحروقات.

أما مشفى المطاحن فقد نهب بالكامل بما فيه من تجهيزات وسيارات إسعاف بلغ عددها 15 سيارة، نقلت إلى بلدة الراعي لبيعها هناك، كما تمت سرقة مخزون القمح من الصوامع ونقله إلى البلدة نفسها وتقدّر الكمية المسروقة بنحو 6 آلاف طن.

الممرضة أوضحت: "أعدنا تشغيل المشفى تطوعاً وسط فوضى كبيرة وسوء معاملة من المرتزقة الذين كانوا يدخلون غرف المرضى بأسلحتهم ويوجهون الشتائم للكادر الطبي، خصوصاً للممرضات، ورغم ذلك واصلنا عملنا لإنقاذ المرضى".

لكن بعد إعلان إحدى المنظمات نيتها دعم المشفى، بدأ مديره عبد الباسط الإبراهيم بمضايقة الكادر واستبدال العاملين القدامى بآخرين مقربين منه، مما دفع كثيرين إلى ترك العمل.

وقالت (س.أ): "لم يتقاضَ زملائي القائمون بأعمالهم سوى راتبين خلال الأشهر الـ 11الماضية، بينما يتقاضى المدير 800 دولار شهرياً ويطالبنا بالعمل التطوعي".

وينفذ كادر مشفى الفرات خدمات طبية لما يقارب 4000 مريض شهرياً بإمكانات محدودة، فيما ينقل أصحاب الحالات الحرجة إلى مشاف خاصة أو إلى مدينة حلب.

كما نظم الكادر وقفتين احتجاجيتين: الأولى في 22 نيسان ضد الاعتداءات التي يتعرض لها العاملون، والثانية في 21 تشرين الأول الجاري احتجاجاً على تأخر الرواتب وسوء الإدارة.

معلمون بلا رواتب

تعرّضت مدارس منبج وريفها لأعمال سرقة وتخريب واسعة نفذها المرتزقة، لتتحول العديد منها إلى مبان مهدمة أو غير صالحة للتدريس، خاصة في القرى التي كانت خاضعة للنظام سابقاً مثل التايهة وجب الخفي ومقتلة وقرى الخفسة.

وبحسب الأهالي، لم تقدم مديرية التربية أي دعم يذكر، ما اضطر السكان إلى إطلاق مبادرات شعبية لإعادة تأهيل المدارس وتجهيزها بالمقاعد والمستلزمات.

وتبرز مشكلة كبرى تتمثل بعدم صرف أي رواتب لنحو 4000 معلم ومعلمة، بحجة أنهم غير مسجلين على ملاك مديرية التربية في حلب سابقاً.

المعلم (ح.خ) قال: "نحن ندرس منذ 8 سنوات بلا اعتراف أو رواتب، بينما يعاد من كانوا جالسين في منازلهم إلى عملهم، حتى زملاؤنا في أعزاز والباب وجرابلس يتقاضون رواتبهم، أما نحن فلا أحد يعترف بنا".

وأشار إلى أن المعلمين القلائل الذين يتلقون رواتب يواجهون قرارات تعسفية من مسؤول التربية في منبج علي خليل الملحم الذي عين من قبل الاحتلال التركي، الذي ينقلهم إلى مدارس بعيدة رغم غلاء المحروقات وصعوبة التنقل، كما أن الكتب المدرسية لم توزع على المدارس رغم وصولها إلى المدينة قبل أسبوعين.

انهيار وهجرة واسعة

تسبّب الانفلات الأمني وانتشار الخطف والسرقات في انهيار الاقتصاد المحلي، حيث أغلقت غالبية المعامل أبوابها وانتقلت إلى مدن أكثر أمناً مثل حلب وإقليم الجزيرة، مما أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال.

كما خففت المتاجر الكبرى من مخزونها خوفاً من السرقات، وتوقفت مشاريع البناء، فبلغت نسبة البطالة نحو 80%، ما دفع المئات من سكان منبج وريفها إلى الهجرة نحو لبنان وتركيا والعراق أو المدن الكبرى مثل حلب ودمشق بحثاً عن العمل.

الزراعة تراجع كبير

القطاع الزراعي شهد تراجعاً واضحاً نتيجة نقص المحروقات وارتفاع أسعارها، ما أثر على قدرة المزارعين في سقاية محاصيلهم وخاصة القمح والخضار الصيفية.

وكانت مساحة الأراضي المزروعة في عام 2024 نحو 10,175 هكتاراً، لكن مزارعين من قرى العوسجلي وأم طماخ وتل حوذان أكدوا أن المساحة المزروعة انخفضت إلى النصف هذا العام، وسط مخاوف من العجز عن تمويل المشاريع الزراعية في الموسم القادم.

البلديات والعمل التطوعي

تعرضت آليات بلدية منبج لسرقة كاملة شملت سيارات H1، وثلاثة صهاريج، وقلابين، وتركسات، وبوبكات، وإطفائية، وسيارات نقل مختلفة.

ولجأت البلدية إلى الاستعانة بآليات الأهالي لجمع القمامة، فيما يعمل عمال النظافة بشكل تطوعي منذ احتلال المدينة دون أي دعم مالي، ما أدى إلى انتشار القمامة في الشوارع واستقالة عدد كبير من العمال.

ورغم ذلك، فرض رئيس البلدية أحمد شيخو الذي عين من قبل الاحتلال التركي ضرائب جديدة تحت مسمى "ضريبة النظافة" بحجة تمويل رواتب العمال، وبدأت الجباية منذ شهرين، في حين يستمر العمل التطوعي دون أي مقابل.

وفي 22 تشرين الأول الجاري أعلنت البلدية حاجتها لعمال نظافة متطوعين، ما أثار استياء الأهالي الذين تساءلوا عن مصير الضرائب المحصلة.

الهجرة أو الجريمة

كل هذه الأزمات الخدمية والاقتصادية جعلت حياة سكان منبج وريفها جحيماً يومياً، حيث ارتفعت معدلات الجريمة المنظمة في ظل غياب الرقابة والأمان، وتحول الفقر والبطالة إلى بيئة خصبة للانحراف أو الهجرة.

وقال المواطن (ع.س)، وهو رب أسرة مكونة من ستة أشخاص: "تأمين أبسط احتياجات الحياة أصبح صعباً جداً مع ارتفاع الأسعار وانعدام الرقابة، حتى المواد الغذائية تباع منتهية الصلاحية، وقد توفيت فتاة مؤخراً بعد تناول وجبة فاسدة من الإندومي".

وأضاف أن غياب الأمان جعل أصحاب المعامل والمحلات يعزفون عن العمل، فيما اضطر الأهالي إلى شراء الضروريات فقط، ولجأت الكثير من العائلات إلى الهجرة نحو دمشق وحلب بحثاً عن فرصة عيش كريمة.

وهكذا، يعيش أهالي منبج وريفها تحت واقع مأساوي صنعه الاحتلال التركي ومرتزقته، واقع يفتقر إلى الأمن والخدمات والمقومات الأساسية للحياة، ويشهد انهياراً شاملاً في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وبين العطش والظلام والبطالة، يجد السكان أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الهجرة بحثاً عن حياة أفضل، أو البقاء في مدينة تئن تحت وطأة الفقر والفوضى وانعدام الأمل.

(م ش/أ)

ANHA