هيلين أوميت: لن تصبح تركيا دولة ديمقراطية من دون تحقيق حرية القائد الجسدية

أكدت عضوة حركة حرية كردستان أن تركيا لن تتمكن من أن تصبح دولة طبيعية وديمقراطية، ولن يتحقق فيها السلام الداخلي والتعددية والتنوع والعدالة الاجتماعية، ما لم يتم تحقيق الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان، معتبرة أن ذلك "شرط أساسي لا بدّ منه للوصول إلى الاستقرار والسلام الحقيقي في البلاد".

هيلين أوميت: لن تصبح تركيا دولة ديمقراطية من دون تحقيق حرية القائد الجسدية
الأربعاء 22 تشرين الأول, 2025   14:37
مركز الأخبار 

أدلت عضوة حركة حرية كردستان هيلين أوميت، بتصريحات مهمة لقناة مديا خبر (Medya Haber TV) حول مسألة حلّ القضية الكردية والنقاشات اليومية للسياسة التركية، جاءت كما يلي:

قبل كل شيء، أحيّي القائد عبد الله أوجلان الذي حوّل جزيرة إمرالي، التي كانت من المفترض أن تكون مركزاً للإبادة الجماعية والقضاء على الشعب الكردي، إلى جزيرة للسلام والمجتمع الديمقراطي، وجزيرة للأمل، بكل حب وشوق.

بشكل عام، الوعي التاريخي في تركيا ضعيف جداً، ولأنه ضعيف، لن ينجح النضال من أجل الديمقراطية والحرية بأي شكل من الأشكال، في هذا الصدد، يُعدّ القمع الأيديولوجي للحكام في تركيا، والعقلية والنهج السياسي فيها حاسمين للغاية، ولهذا السبب، لا تُفضي قراءات التاريخ إلى نتائج صحيحة.

أقول هذا من أجل تركيا بشكل عام، ولكنه ليس كذلك بالنسبة للمجتمع الكردي، لحقيقة التاسع من تشرين الأول مكانة بالغة الأهمية في نضال المجتمع الكردي.

في الواقع، لقد أحدث النضال ضد تطوّر التاسع من تشرين الأول مع المؤامرة الدولية وانتشارها على مدى 27 عاماً وعياً بالغ الأهمية لدى المجتمع الكردي، إذا قيّمنا المجتمع الكردي اليوم كظاهرة اجتماعية وتاريخية، فلا يمكننا فصله عن النضال الذي خاضه ضد المؤامرة الدولية والوعي الذي أحدثه، في هذا الصدد، أرى الوعي الذي طوّره النضال ضد المؤامرة الدولية مهم جداً.

لقد قيّمنا أحداث التاسع من تشرين الأول لسنوات، في كل مناسبة، وفي كل ذكرى، ما هي الظروف والأوضاع التي مهدت لهذه المؤامرة وطوّرتها...؟ وماذا كان الهدف...؟ لقد تم تقييم هذا بالتفصيل، ولكن يمكنني القول إنه من الضروري للغاية تناول هذه المؤامرة مراراً وتكراراً في ضوء التطورات اليومية، لأن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الأحداث التي وقعت وانتهت، للتاريخ جوهره الجدلي، وهو يُحدد حاضرنا، ويُبرزه، في هذا الصدد، من الضروري مناقشة وفهم وإعطاء معنى لمؤامرة التاسع من تشرين الدولية، ليس هذا موضوع البرنامج الآن، ولكن أود لفت الانتباه إلى بعض النقاط في هذا السياق.

قبل كل شيء، أستذكر باحترام وامتنان شهدائنا العظام الذين خلقوا نهج العملية الفدائية الجاد ضد هجمات المؤامرة الدولية بحملة "لن تستطيعوا حجب شمسنا"، خلال مؤامرة 9 تشرين الأول عام 1998 وحتى 15 شباط.

عندما نتناول مؤامرة 9 تشرين الأول الدولية في ضوء التطورات الراهنة، فإن أهم نقطة يجب ألا ننساها هي الفترة التي نُفذت فيها هذه المؤامرة، إذا نظرنا إليها جيداً، نجد أن مؤامرة 9 تشرين الأول عام 1998 قد حدثت في نهاية قرن وبداية قرن آخر، أي في آخر عام من القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين، عندما ننظر إلى تطوّرات اليوم، نرى ما يلي: لقد خُطط لها كمرحلة مهمة من هجوم الرأسمالية على الشرق الأوسط، يجب أن يفهم الجميع هذا جيداً وألا يُنسى.

لماذا أقول هذا...؟ لقد صرّحنا بذلك مراراً، لقد صرّحنا مراراً بأن الهدف الرئيس للمؤامرة هو إشعال حرب كردية تركية تستمر قروناً، بهدف تنفيذ خطط الهيمنة في الشرق الأوسط، وكما كان يُقال في تلك الفترة، كجزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير، لكن التطورات اليومية التي نشهدها تكشف هذا الأمر بشكل مثير للاهتمام.

حينها قال رئيس الوزراء آنذاك، أجاويد: "لم نفهم لماذا سلّمونا أوجلان"، كان هذا أيضاً جانباً يحتاج إلى فهم ومناقشة، أعني، تخيّلوا، شخصية مثل رئيس الوزراء آنذاك، الذي كان في قلب السياسة، يُجري مثل هذا التقييم لحدثٍ تطور في عهده.

لطالما لفتت قيادتنا، على مدى السنوات السبع والعشرين الماضية، الانتباه إلى هذا الأمر عند التعليق على هذه المؤامرة الدولية، قال: "هذه مؤامرة دولية، القوة الدافعة لهذه المؤامرة هي الولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا وإسرائيل، دور تركيا في هذا هو دور الحراسة، وهذه الحراسة لا تزال مستمرة، نظام الإبادة الجماعية في إمرالي لا يزال مستمراً في هذا الصدد".

مشكلتنا اليوم هي: "نحن نحاول إفشال المؤامرة الدولية، لقد قدّم القائد عبد الله أوجلان على مدى 27 عاماً الماضية، تضحيات كبيرة بجهد لا مثيل له لمنع نجاح أهداف هذه المؤامرة، يعني، عمل على منع اندلاع الحرب التركية الكردية التاريخية، بدلاً من ذلك، حاول تطبيق استراتيجية من شأنها تحديث تركيا على أساس جمهورية ديمقراطية، وتقوية شعوب المنطقة على أساس السلام الكردي التركي، لكن لا تزال هناك مقاومة كبيرة لهذا، وهناك عقبات أمامها.

في الشرق الأوسط الذي يشهد حروباً، ليس مقبولاً أن يقولوا للكرد "فلتبقوا بلا حماية"

نحن نتابع التطورات في روج آفا عبر وسائل الإعلام، أدلت قائدة وحدات حماية المرأة (YPJ) روهلات عفرين، ببيان، وقد أتيحت لي الفرصة لمتابعته بإيجاز، وبعد بيان مظلوم عبدي، صدرت تصريحات من سيبان حمو، وقبل ذلك، أدلى صالح مسلم ببيان، كان ذلك مثيراً للاهتمام أيضاً، قال: "إن تركيا ليست طرفاً في عملية الحوار هذه".

قبل كل شيء، المشاركة في الحوار مهم جداً، فاللقاء ومعرفة إرادة الآخر والنقاش أمر بالغ الأهمية، ومن هذا المنطلق، أرى هذا أمراً إيجابياً، لدينا شكوك ومخاوف بشأن الحكومة الحالية في دمشق، أيديولوجياً وسياسياً، ولكن، لا تزال اجتماعات القوى المحلية هناك مع قوات سوريا الديمقراطية (QSD) مستمرة.

عندما أفكر في هذه القضية، فإن ما يبقى في ذهني هو: هناك عملية في تركيا، وهذه العملية تجري بشكل متوازٍ في روج آفا، تركيا تُحاول بإصرار ربط العملية في تركيا بهذا، لكن الجميع في هذا الصراع، وفي ظل هذه الحرب الدائرة، يريدون أن يبقى الكرد بلا حماية، هذه النقطة لفتت انتباهي أكثر من غيرها، العالم بأسره، والشرق الأوسط، مُسلّحون، من الواضح أنهم يُحضّرون لشيء ما، هذا موجود في تركيا أيضاً وفي إسرائيل، وفي إيران، وفي روسيا، الجميع في خضمّ هذه الاستعدادات.

هذا يدل على أن الحرب في الشرق الأوسط ستستمر، هناك دلالات على ذلك، هناك خطة مُعدّة، وخاصةً، عُقِدَ اجتماع الأمم المتحدة، وأخيراً عُقِد اجتماع في الولايات المتحدة الأميركية، أنتم أيضاً تعلمون ذلك، يعني، أن الجو هناك يدلّ على أن حالة الحرب هذه قد دخلت مرحلة جديدة، مرحلة جديدة لم تنتهِ بعد، الخطة تدخل مرحلة جديدة، هذا مفهوم، ولكن في مثل هذه الأجواء، فإن عبارة "على الكرد الاستسلام، أو إلقاء السلاح، أو البقاء بلا حماية" غير مقبولة، خاصةً إذا كانت هناك حكومة جهادية.

ومن هذا المنطلق، يجب أن تتم عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (QSD) ضمن إطار شامل، هذه نقطة مهمة، نعم، يجب على مكونات سوريا أن تعيش معاً، يجب تأسيس نظام مشترك، غير أن هذا لا ينبغي أن يكون على حساب نزع سلاح الكرد، بل يجب أن يكون على أساس بناء حياة مشتركة.

هذه العملية تُناقش بطريقة متناقضة نوعاً ما، مثلاً، النقاش بهذا الشكل صحيح، هنا يوجد مجتمع كردي، كيف سيندمج هذا المجتمع داخل هذا النظام...؟ أم أنهم يناقشون دائماً بشأن الكرد، وقد لا يكون الأمر مُرضياً...؟ هنا يوجد مجتمع سرياني، كيف سيندمج هذا المجتمع...؟ وهناك علويون، كيف سيندمجون...؟ هنا يوجد مجتمع درزي، كيف سيندمجون...؟ يعني، البدء بوضع القوى المسلّحة هو في الواقع أمر رجعي وخطير ومحفوف بالمخاطر، ولكن أولئك الذين يملكون نوايا صادقة، ويريدون بناء سوريا جديدة أو تركيا جديدة، لا يناقشون العملية بهذه الطريقة، يعني أن هذه طريقة غير سليمة، بل هي عكس ذلك.

في هذا السياق، من المهم أن نراقب ونحاول أن نفهم، في هذا الصدد أود أن ألفت الانتباه إلى أمرٍ ما، كانت الإمبراطورية العثمانية إمبراطوريةً شاملة في المنطقة لأكثر من 600 عام، حكمت جميع الشعوب، كيف فعلت ذلك...؟ على سبيل المثال، لو فرضت الهوية التركية على الجميع، هل كان ذلك ممكناً...؟ هذا غير ممكن، هذا هو أصل المشكلة، النهج المتشدد، هو الدولة القومية، يعني، لو فرضتم النزعة الأحادية على جميع شعوب المنطقة، فسوف تظهر الفاشية، مهما كانت التسمية، لا أريد استخدام مصطلح "الإسلام"، لأننا نعرف ونحمي الإسلام الثقافي وقيمه الديمقراطية، يعني، نقول إنه يجب استمراره ومعايشته، ليس هذا ما أتحدث عنه، ولكن في بعض الأماكن، يُطلق عليه الإسلام السياسي، الفاشية الإسلامية، أي النظام الذي يفرض معاداة الإسلام باسم الإسلام، في صورة إسلاموية عربية سنية، على الشعب، هي فاشية، هذا ما يجب فهمه.

لذلك، حتى في عهد الإمبراطورية العثمانية، كان هناك ظلم وقمع على الشعب، في الواقع، أحد جوانب تاريخ الإمبراطورية العثمانية هو تاريخ الانتفاضات، تاريخ الانتفاضات التي وُجدت في كل عصر، أضع هذه الأمور جانباً، يجب أن نبحثها أيضاً، ولكن ما نوع النظام الإداري الذي كان لهذه المنطقة الشاسعة، وكيف كان يُدار...؟ يجب دراسة هذه الأمور، وهذا ينطبق على تركيا أيضاً، أقول هذا من أجل تركيا، كان الحاكم السلجوقي أول من عرّف كردستان، أي أنها أُنشئت بلغته: إيالة كردستان، منطقة كردستان، الآن، كردستان غير موجودة في تاريخ الجمهورية، لقد مُحيت من التاريخ، ومُحي وجودها، ماذا حدث عندما واجهت الجمهورية هذا...؟ أزمة كبرى، قرابة 50 عاماً من الدمار، فرض الأمر نفسه على سوريا يعني خلق حالة من الصراع اللانهائي.

في هذا السياق، يجب أن ننظر إلى اللقاءات من هذا المنظور، وأن نحاول فهمها، وأن نسعى لإيجاد حلّ، دور تركيا هنا: نعم، قال مظلوم عبدي ذلك، لا أعلم، إنهم يتابعون ويرون ويراقبون بشكل أفضل، ولكن بقدر ما نُشر في الإعلام، يحاول الأتراك دائماً الضغط، أقول هذا بقدر ما أتابعه من وسائل الإعلام، هل هناك عملية وشيكة أم لا، هل حدثت أم لا، قوات سوريا الديمقراطية لا تقوم بذلك، لم يعد هناك وجود لحزب العمال الكردستاني في سوريا... حزب العمال الكردستاني نفسه، أنهى وجوده التنظيمي، لقد تعلموا القيام بذلك من خلال الحروب والهجمات.

هناك قسم يريد الاستمرار في ذلك، بالطبع، ما قالته قائدة وحدات حماية المرأة (YPJ) روهلات عفرين، كان مهماً جداً أيضاً، أي كجيش المرأة فإن وحدات حماية المرأة، ستبقى، ستحمي وحدتها، لأننا نعلم أن عقلية داعش تُعطي الأولوية لاستهداف النساء، وتعتدي عليهن، وتقتلهن، وتغتصبهن، وهذا يحدث بطريقة تُذكرنا بالأيام الأولى، وكأن التاريخ يُعيد نفسه في عهد داعش، الآن، في غياب خطوات ديمقراطية، ودون إرساء الديمقراطية، ودون أساس قانوني، يجب على قوات الدفاع، وخاصةً النساء، الحفاظ على وحدتها، وحدات حماية المرأة ستقود هذا.

إذا كانت تركيا تريد أن تتحرر من قيودها، فيجب عليها أولاً ضمان الحرية الجسدية للقائد

إن أكبر عائق أمام ذلك، هو نظام الإبادة الجماعية في إمرالي. والعقبة الكبرى أمام هذا، تتمثل في أهداف تلك القوى التي تسعى إلى فرض هيمنتها على المنطقة من خلال إبقاء القائد عبد الله أوجلان معتقلاً في إمرالي. والآن عند النظر من هذا الإطار، فإن المطالبة بالحرية الجسدية للقائد تعني المطالبة بحرية تركيا نفسها. كما أن المطالبة بالحرية الجسدية للقائد تعني الرغبة في تمكين شعوب المنطقة في مواجهة هجمات الرأسمالية للعالم الغربي.  لذا، لا بد من فهم هذا الأمر وتقييمه على هذا النحو.

وفي هذا الصدد، هناك مقاربات سطحية وضيقة للغاية. فباسم ما يُسمّى بـ "الوطنية التركية" أو في إطار القومية المزعومة، تتبلور مقاربة كهذه: "ليعمّ السلام في تركيا، لكننا لن نلتقي مع القائد عبد الله أوجلان، ولا يمكن أن يتحقق ذلك مع القائد عبد الله أوجلان".

إلا أن ذلك غير ممكن إطلاقاً، لأن ما ترك بصماته على السنوات الـ 27 الماضية هو حقيقة المؤامرة الدولية، فسياسة هذه المؤامرة تتمثل في إخضاع تركيا للسيطرة والرقابة عبر إمرالي. لذلك، إذا كانت تركيا اليوم ستتحرر من قيودها، فيجب قبل كل شيء ضمان الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان. ويجب فهم ذلك الأمر على هذا النحو.

عندما ننظر إلى هذا الإطار، فإنّ الفعاليات التي نظّمتها كلٌّ من حركة الشبيبة وحركة المرأة كانت بالفعل فعاليات موفّقة للغاية. وتصادفها مع الذكرى السنوية للنضال ضدّ المؤامرة الدولية أضفى عليها معنى مختلفاً ومميزاً. وقد كانت فعالية مهيبة بالفعل في آمد، حيث توافدت الشبيبة من مناطق عديدة إلى آمد، وسار المجتمع بقيادة الشبيبة، معبّراً عن مطالبه ومواقفه. ومن هذه الزاوية، كانت تلك فعاليات ذات مغزى عميق وقيمة كبيرة. وبهذه المناسبة، أتوجّه إليهم بالتحية، وأودّ أن أؤكد ضرورة استمرار هذا الزخم.

بعد هذه الفعاليات، حين سارت النساء إلى البرلمان ورفعن الشعارات هناك، سُرِّبت على نحو مبالغ فيه ردود فعل تُهيّج النزعة القومية، على نحوٍ من قال: "كيف تُطلق مثل هذه الشعارات في مجلس الأمة الكبير التركي؟". والآن أيضاً، عقب فعالية الشبيبة، خرج عمر جليك فوراً قائلاً: "ثمّة استفزازات" وما شابه ذلك. لا ينبغي إيلاء أهمية كبيرة لمثل هؤلاء أو الاستماع إليهم.

لا ينبغي للمرء إيلاء هذه الأصوات أكثر من قدرها من الاهتمام. فالحق في التنظيم والمطالبة بالاحتجاج ضمن الأُطر والمعايير الديمقراطية حق أصيل مثل حليب الأم، وبمعنى آخر، إذا كانت هناك عملية ستتطور وتتقدم، فإن ذلك لا يمكن أن يتحقّق بكبتِ وكمّ أفواه الشعوب أو النساء أو الشبيبة. ولن يتقدم الوضع باحتفاظهم بالصمت والهدوء فحسب. إن ديمقراطية تركيا، أو خطُّ التنظيم والاحتجاج الديمقراطي، تعني الوصول إلى بيئةٍ يَنتظمُ فيها الجميع ويُعبّرون عن آرائهم بحرية.

ويجب على الجميع أن يدرك هذا جيداً، إن الديمقراطيات تقوم على أرضية الحوار، فهي أنظمة للحوار والتفاهم، إذ تتقاطع فيها الأفكار المختلفة، وتبرز إلى الواجهة، وتتواجه، وتتفاعل، وتُنظَّم. وفي هذا الإطار، ينبغي أن يواصل الكرد، أينما كانوا، سواءً في شمال كردستان، أو تركيا، أو أوروبا، تنظيم صفوفهم ومواصلة فعاليتهم. كما يجب فهم الحراك الذي انخرطت فيه النساء والشبيبة ضمن هذا السياق.

ولا ينبغي لأحد أن يشعر بالخوف. بمعنى هو أنني أفهم إلى حد معين. هناك حساسية من هذا النوع خاصة في المجتمع الكردي: حيث يُقال إن القائد عبد الله أوجلان يطور عملية، ويجب أن تدعم أفعالنا هذه العملية. لأننا نرى خلف القائد جماهير من النساء والشبيبة يسيرون خلفه، ويسيرون بقيادته، مجتمعاً وشعباً بأكمله. وقد ينشأ هاجس كهذا: هل ستتعثر العملية؟ وإذا ما قمنا بالاحتجاج أو عبّرنا عن مشاعرنا وأفكارنا ومطالبنا، كيف سيكون الرد؟ هذا التوجه الحساس يزيد الآمال أكثر من اللازم، وهذا غير ضروري على الإطلاق. وإذا كانت المطالبة بالحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان ستؤدي إلى تعطّل العملية، فلتتعطل إذاً.

لماذا؟ لأن لكل عملية أو ظاهرة طابعها الخاص. وقد أكّد كل من القائد والدولة على هذا الأمر، حتى أنهم قالوا إن هذه العملية ليست عملية مقايضة، نعم، ليست عملية مقايضة، لكنها تمتلك طابعها الخاص، أي بمعنى أنها لديها ماهيتها الجوهرية. فالشريعة الإسلامية ماذا تقول؟ تقول لكل شيء فطرة، ولكل وجود مبدأ يحدده. أي لنقل إن هذا هو جوهر العملية. نعم، هذا ما يجب أن تحتويه في جوهرها، هذا جزء لا يتجزأ من جوهر هذه العملية. ويجب أن يرى شعبنا الأمر على هذا النحو، وأن يفهمنا كذلك مخاطِبونا. فهذه ليست عملية مقايضة؛ إنها مسألة لا غنى عنها ويجب أن تُفهم بهذا الشكل. وعلى هذا الأساس، ينبغي للنساء، وبخاصة الشبيبة الوطنية، أن يواصلوا تنظيم صفوفهم والمشاركة في النشاطات والفعاليات.

إذن، السؤال المطروح هو: هل تعني الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان شيئاً للشعب الكردي فقط؟ على سبيل المثال، تعيش العديد من المجتمعات في تركيا، وكلٌّ منها يواجه مشكلات مختلفة ناتجة عن هويته أو الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها. ويأتي الأتراك في مقدمة هؤلاء، وهناك الطبقات الكادحة، والفلاحون، والنساء، والشباب العاطلين عن العمل، ومن لم تتح لهم فرصة التعليم. فالأمة السائدة هي التركية، لكن داخل الأمة السائدة توجد العديد من الفئات والمجموعات والطبقات المضطهدة. هل لا تعني الحرية الجسدية للقائد شيئاً لهؤلاء؟ آلا توجد أي مكاسب يمكن أن تحققها الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان بالنسبة لهؤلاء؟ متى سيتم إشراك هؤلاء في العملية؟ أليس من الضروري أن يشاركوا فيها؟ هذا موضوع بالغ الأهمية، ويستحق بالفعل أن نناقشه من زوايا مختلفة.

لكن في تركيا، الوعي مشوه للغاية وموجّه إلى حد كبير، بحيث عندما يذكر أحدهم اسم القائد عبد الله أوجلان، يُنظر إليه على أنه مجرد سياسة توحشية… هذه ليست حالة جديدة، لكنها مشكلة قائمة ومستمرة. ويتم الإصرار على هذا الأمر بشكل مستمر. ولتقريب الفهم من حقيقة القائد، يجب أولاً أن نأخذ بعين الاعتبار الدوائر المعنية في تركيا، وربما علينا نحن أيضاً أن نعمل أكثر على هذا الموضوع. كما يجب أن نعرض الحقائق التاريخية بدقة وموضوعية أكبر.

ولكي تُفهم حقيقة القائد عبد الله أوجلان بشكل صحيح، يجب أولاً وقبل كل شيء أن نأخذ بعين الاعتبار الأوساط المعنية في تركيا، أو ربما علينا نحن أيضاً أن نعمل أكثر على هذا الموضوع. ويجب أن نعرض الحقائق التاريخية بدقة أكبر. فما هي حقيقة القائد؟ ومن هو القائد عبد الله أوجلان؟ ومن أجل ماذا كان نضال وحرب القائد؟

نعم، هناك حقيقة في صورة القائد تتجلى في نضال القائد عبد الله أوجلان من أجل وجود وحرية الشعب الكردي. لماذا؟ لأن وجود وحرية الشعب الكردي كان قبل الحرية نفسه مهدداً. بمعنى آخر، عندما ننظر إلى السنوات الخمسين الماضية، لم يكن هناك شيء قد تبقى من الكينونة الكردية، فهناك حقيقة راسخة للقائد، وهو أنّه أخرجها من القبر، وجعلها تنتفض، ويكون لديها مطلب، وجعلها تناضل من أجل الكرد. لكن هذه حقيقة القائد، قائد الكرد، وإلا أنه في جوهره هو قائد الحرية. فهو قائد من أجل الحرية بالنسبة للنساء، والعمال، والكادحين والمضطهدين، أي لمن هم الذين ظلّوا في الدرجات الدنيا للتمييز الطبقي، والذين ظلّوا في الطبقات الأدنى، فهي حقيقة توفر أرضية لحياة مشرّفة ومتساوية.

من وجهة نظر الشعوب، يمكنني أن أقول ما يلي: إن نهج الدولة القومية في تركيا كاد ينكر الهوية التركية من أجل إنكار الهوية الكردية. بعبارة أخرى، فقدت الهوية التركية أيضاً ألوانها الفريدة. على سبيل المثال، لنفترض أن هناك 50 شعباً يعيشون في تركيا. إذا قلت إنهم جميعاً أتراك، فإن لون التركية يضيع ويتلاشى. وتضيع فصاحتها وأصالتها. لهذا السبب، إن إقامة تركيا بلا جذور في تركيا هو أمر واقعي بالفعل. ولكي يختفي كل هذا، فإن الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان ضرورية. لأنه طالما استمرت سياسة الإنكار والانصهار والإبادة الجماعية تجاه القائد عبد الله أوجلان والشعب الكردي في شخص القائد، فإن شعوب تركيا ستستمر في المعاناة من القمع والظلم والطغيان والإجحاف. وهذه الحقيقة هي التي ستمنع الشعوب الأخرى من النهوض والمطالبة بحقوقها وتحقيق ذاتها.

لاحظوا؛ هناك واقع في تركيا قائم دائماً على أجواء التهديد. ففي ظل هذا الواقع، لا يستطيع أحد أن يرفع صوته أو يعبّر عن رأيه. بحيث لا يستطيع الدفاع حتى عن أبسط حقوقه الأساسية والعادية. وفي اليوم التالي، يلتفتون إليه ويقولون له: "أنت إرهابي!" ويلتفتون إليه ويقولون: "أنت منحاز إلى الطرف أو الشيء الفلاني". على الفور، تكون هناك توصيفات قائمة على الانحياز.

ولكي تصبح تركيا بلداً طبيعياً، وديمقراطياً، ويتحقق السلام الداخلي، وتصبح تعددية ومتنوعة الألوان، وتضمن العدالة في الدخل، وتسد الفجوات الداخلية، فإن الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان أمر ضروري وشرط لا بدّ منه. لأنه قائد الحداثة الديمقراطية. ولأن هذا ليس موضوعنا المباشر، لن أتوقف عنده كثيراً أو أخوض فيه، لكنني أقترح على الجميع أن يجروا بحثاً حول ماهية الحداثة الديمقراطية. ومهما كانت الحداثة الديمقراطية، فإن القائد عبد الله أوجلان هو قائدها. ونحن نتحدث عن قيادة تختلف عن الدولة والسلطة، وتتمحور حول قيادة المجتمعات والشعوب، وحماية البيئة، وحرية المرأة. ويمكن لجميع الفئات أن تجد تعبيرها وتمثيلها في هذه الحقيقة".

(ل م)