تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك

يقف العم إبراهيم أحمد فارس من ريف ديريك على أطلال قريته القديمة، يتأمل بحسرة الأرض التي كانت يوماً تنبض بالحياة. يشير بيده إلى مواقع الينابيع التي كانت في القرية. كل هذه الينابيع جفّت اليوم، ولم يبقَ منها سوى أسماء في الذاكرة. كانت قريته، رمزاً للخصوبة والمياه الوفيرة، لكن الجفاف حوّلها إلى أرضٍ قاحلة.

تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
تراجع خطير في منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض السدود بين قامشلو وديريك
الجمعة 8 آب, 2025   06:20
قامشلو
رؤى النايف ـ أحمد سمير

يقول المواطن إبراهيم فارس من قرية "كاني نعمي" في ريف ديرك: "ما يحدث ليس مجرد جفاف، بل اختفاء حياة كاملة كانت تسكن هذه الأرض. كنا نزرع الخضار، التبغ، السمسم، والرز لم نكن بحاجة لشيء، الأرض كانت تعطينا كل ما نحتاجه." لكن تغيّر المناخ، وندرة الأمطار، والجفاف القاسي الذي ضرب المنطقة في السنوات الأخيرة، كلها عوامل أدت إلى اختفاء المياه، ومعها اختفت الزراعة، وجفت الأراضي، حتى أن تربية الأسماك التي كان يمارسها أصبحت مستحيلة.

أزمة غير مسبوقة تضرب الجزيرة

تشهد مقاطعة الجزيرة في شمال شرق سوريا أزمة مائية حادة وغير مسبوقة، تُهدد بشكل مباشر مستقبل الزراعة، الأمن الغذائي، والاستقرار السكاني. تمتد هذه الأزمة على مساحة واسعة من قامشلو إلى ديريك، مروراً ببلدات مثل جل آغا، تربه سبيه، معشوق، وشفان ديرك، حيث تتفاقم آثار الجفاف عاماً بعد عام نتيجة الاستنزاف الحاد للمياه الجوفية والجفاف شبه الكامل للسدود السطحية.

لطالما اعتمدت المنطقة على شبكة متنوعة من الآبار الجوفية، الينابيع الطبيعية، والسدود الصغيرة لري المساحات الزراعية الواسعة. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مقلقة، بدأت بجفاف سد جل آغا وسد تربه سبيه بشكل شبه كامل، ما حرم آلاف الدونمات من المياه، وأدى إلى تراجع كبير في الإنتاج الزراعي. كما سُجّل هبوط حاد في منسوب مياه سد معشوق، وبات سد شفان ديرك، الذي كان من السدود الحيوية، يظهر عليه بوادر جفاف بشكلٍ واضح.

واقع السدود

حول واقع السدود تحدث لوكالتنا المهندس رامي محمد المضحي من مكتب الموارد المائية في تربه سبيه، وأكد أن الوضع المائي في المنطقة بات مقلقاً، في ظل التراجع الكبير في منسوب المياه في سدود، مزكفت، معشوق، وجل آغا، التي تعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار. وأشار إلى أن هذا الانخفاض الحاد يعود إلى قلة الهطولات المطرية، التغيرات المناخية، وارتفاع نسبة التبخر.

وأوضح أن أسباب الجفاف تخضع لمتابعة دورية من قبل مختصين في لجنة الزراعة وقسم الموارد المائية، من خلال مراقبة جسم السد وإصلاح أي أضرار ناتجة عن العوامل الجوية.

وفيما يتعلق بالمياه الجوفية، أشار رامي محمد المضحي إلى أن العدد الكبير للآبار، خاصة السطحية منها، أدى إلى استنزاف خطير للمخزون الجوفي، حيث لوحظ انخفاض واضح في مستوى المياه في العديد من قرى الريف الشمالي لتربه سبيه. وأوضح أن أغلب هذه الآبار يتراوح عمقها بين 30 إلى 40 متراً، وتُحفر بشكل عشوائي لأغراض زراعية، لكنها لم تعد تعطي إلا إنشاً أو إنشين من المياه، وأحياناً تكون جافة بالكامل، خاصة في سنة الجفاف هذه.

وأضاف أن لجنة الزراعة، بالتعاون مع قسم الموارد المائية، تبذل جهوداً كبيرة للحد من حفر الآبار، وذلك من خلال حملات توعية ميدانية، وتشديد شروط منح تراخيص الحفر، التي أصبحت تتطلب شروطاً فنية دقيقة بناءً على مساحة الأرض والغرض من الحفر. وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على ما تبقى من المخزون المائي الجوفي، خصوصاً في ظل التراجع الملحوظ في منسوب المياه السطحية.

كما نبه إلى أن الحاجة المتزايدة للمياه دفعت كثيراً من الأهالي لحفر آبار منزلية أو إعادة تعزيل القديمة، نتيجة لضعف كفاءة الآبار الارتوازية الموجودة، والتي لا تكفي لتغذية القرى المحيطة، إما بسبب قلة عددها أو لعدم توفر الطاقة اللازمة لتشغيلها. ولفت إلى أن توفر مصادر الطاقة بشكل دائم كان من الممكن أن يحدّ من حفر الآبار المنزلية بشكل كبير.

وذكر أن عدد الآبار الزراعية في المنطقة يتراوح ما بين 1000 إلى 1100 بئر، موزعة بين مناطق تربه سبيه، تل معروف، أرشادية، أم عظام، أرشادية كريمكا، وحتى قرية تل عطشان، في حين أن عدد الآبار المنزلية غير محصور، لكنه في تزايد مستمر.

وختم المهندس رامي المضحي تصريحه بالتشديد على ضرورة وقف الحفر العشوائي وتقليل عدد الآبار قدر الإمكان، محذراً من أن استمرار هذا الاستنزاف سيؤدي إلى أضرار كبيرة في التوازن المائي للمنطقة، خاصة خلال فترات الجفاف المتكررة.

أظهرت إحصائية لمكتب الموارد المائية في مدينة قامشلو بيانات تفصيلية حول كميات المياه المخزنة في عدد من السدود في المنطقة، وجاءت كميات المياه المخزنة فيها بالمليون متر مكعب، سد السفان يحتوي على مخزون حالي يبلغ 12 مليون م³، والجزء القابل للاستخدام منه يبلغ 48 مليون م³. أما سد المنصورة فيحتوي على 8 مليون م³ كمخزون حالي، والجزء القابل للاستخدام يبلغ 32.4 مليون م³. في سد الحاكمية، يبلغ المخزون الحالي 4 مليون م³، بينما الجزء القابل للاستخدام يقدّر بـ 7.5 مليون م³. أما سد باب الحديد، فيبلغ مخزونه الحالي 1.9 مليون م³، والجزء القابل للاستخدام يصل إلى 3 مليون م³. ويحتوي سد جل آغا على 0.5 مليون م³ كمخزون حالي، والجزء القابل للاستخدام فيه يبلغ 10 مليون م³. وفي سد معشوق، المخزون الحالي هو 0.690 مليون م³، مقابل 1.7 مليون م³ كجزء قابل للاستخدام. وأخيراً، يمتلك سد الجراحي أكبر كمية من المياه، حيث يبلغ مخزونه الحالي 8,850 مليون م³، والجزء القابل للاستخدام منه يقدّر بـ 20 مليون م³.

أثر الاستنزاف والتغير المناخي

أبرز هذه التأثيرات، كما أوضح المهندس والخبير البيئي محمد رشيد سعيد، هو الانخفاض الحاد في منسوب المياه الجوفية، حيث تُسحب كميات كبيرة من المياه دون مراعاة لمعدل التجديد الطبيعي، ما يؤدي إلى نضوب تدريجي للطبقات الجوفية، ويهدد بتدهور خطير في البنية البيئية.

وأضاف المهندس سعيد أن السدود أيضاً بدأت تشهد مؤشرات مقلقة على نضوبها، حيث تراجعت كميات التخزين في عدد من السدود إلى مستويات حرجة، وأصبحت غير كافية لتأمين احتياجات الري أو دعم التوازن المائي في المنطقة. على سبيل المثال، في بعض السدود لم يتجاوز التخزين الحالي 10 إلى 15% من سعتها الأعظمية، ما ينذر بجفافها الكامل إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وأشار إلى أن هذا الانخفاض في المياه لا ينعكس فقط على الزراعة، بل يشمل الحياة البرية، حيث تدهور الغطاء النباتي بشكل واضح، واقتصرت الحياة النباتية على أنواع محدودة كالأشواك، ما أثر بدوره على التنوع الحيواني. العلاقة بين المياه الجوفية والغطاء النباتي طردية: كلما زاد الحفر العشوائي، تدهور الغطاء، وتعرّت التربة، ففقدت خصوبتها واستقرارها، مما يسرّع التصحر.

كما حذّر الخبير البيئي من أن الاعتماد الكامل على المياه الجوفية لري المحاصيل يعجّل في استنزافها، ويعرض الأمن الغذائي والمائي للخطر. ومع انخفاض منسوب المياه، ترتفع ملوحة التربة بسبب صعود المياه المالحة إلى السطح وتبخرها، مما يجعل الأرض غير صالحة للزراعة.

وأكد المهندس سعيد أن الحل لا يقتصر على إيجاد بدائل، بل يبدأ بتوعية السكان حول أهمية ترشيد استهلاك المياه، تحسين كفاءة الري، ومنع الحفر العشوائي. كما دعا إلى اعتماد حلول مستدامة مثل تجميع مياه الأمطار، معالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، وتحلية المياه المالحة باستخدام تقنيات صديقة للبيئة.

وختم بالتحذير من أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يؤدي إلى نضوب كلي للسدود والمياه الجوفية، ويؤثر بشكل مباشر على الاستقرار البيئي والزراعي وحتى السكاني في عدد من المدن والمناطق الريفية.

لم تكن السدود الصغيرة في منطقة الجزيرة كافية في الأساس لتلبية كامل احتياجات السكان من مياه الري والشرب، لكنها شكّلت على مدى سنوات مصدراً مهماً ودعماً جزئياً خفّف من حدة الاعتماد على المياه الجوفية.

أما اليوم، ومع جفاف سد جل آغا، وتراجع منسوب المياه في سدي شفان ديرك ومزكفت، تفقد المنطقة واحدة من آخر خطوط دفاعها في مواجهة الجفاف المتفاقم.

هذا الانهيار المتسارع في الموارد السطحية، بالتزامن مع تراجع المخزون الجوفي، يُضعف قدرة المجتمع المحلي على الصمود، ويجعل الزراعة أكثر هشاشة، ويزيد من احتمالية النزوح من الريف إلى المدن أو حتى إلى خارج المنطقة.

إن ما تشهده الجزيرة ليس مجرد أزمة موسمية، بل تحوّل بيئي واقتصادي عميق، يتطلب تدخلاً جدياً، وتخطيطاً طويل الأمد لإدارة الموارد المائية، وتحقيق التوازن بين الاستهلاك والحفاظ على البيئة الطبيعية التي أصبحت مهددة على أكثر من مستوى.

(س)

ANHA