رحلة موجزة في الإعلام الكردي- أكرم بركات  

رحلة موجزة في الإعلام الكردي- أكرم بركات  
الأحد 20 نيسان, 2025   03:40

يُعدّ يوم 22 نيسان رمزاً هاماً للكرد، فهو اليوم الذي شهد ميلاد أول جريدة كردية، عندما تمكّن الأمير مقداد مدحت بدرخان من إصدار صحيفة (كردستان) من القاهرة عام 1898. 

مثلت هذه الصحيفة خطوة تاريخية في وضع أساس الصحافة الكردية، حيث تمكن القائمون عليها من إصدار 31 عدداً خلال أربع سنوات باللغتين الكردية والتركية، قبل أن تتوقف عن النشر، إلا أنها بقيت راسخة في ذاكرة الشعب الكردي كأول منارة إعلامية، ليصبح يوم إصدارها عيداً للصحافة الكردية.

مر الإعلام الكردي في روج آفا بمراحل صعبة، فقد كان الكرد في سوريا يتعرضون على مدى عقود للقمع والإنكار الممنهج من قبل النظام البعثي، حيث مُنعوا من ممارسة حقوقهم السياسية والثقافية، وتم فرض قيود على اللغة الكردية وإقصاء أي نشاط إعلامي يعكس الهوية الكردية.

ورغم هذه الظروف، نشأت محاولات صحفية في روج آفا منذ بدايات الصحافة الكردية، لكن هذه الجهود لم تتمكن من الاستمرار لفترات طويلة بسبب القمع السياسي. ومنذ الستينيات، اقتصر الإعلام الكردي على الصحافة الحزبية، التي كانت عبارة عن نشرات دورية تُوزع ضمن نطاق ضيق، وتفتقر إلى مقومات الصحافة المهنية.

شهدت الصحافة الكردية في روج آفا تحولاً جذرياً خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مع تصاعد الحراك السياسي وظهور حركة حرية كردستان. بدأت مجلات ونشرات كردية جديدة بالظهور، مثل مجلة "صوت كردستان" التي صدرت عام 1986 باللغة العربية، ولعبت دوراً كبيراً في نشر الوعي الوطني والثوري. كذلك صحيفة "برخودان" التي صدرت بالكردية والعربية، وأسهمت في نقل الأخبار السياسية والعسكرية المتعلقة بالحراك الكردي.

في عام 1996، تأسست مجلة "سوركول" باللغة العربية في بيروت، وشكلت منبراً للمثقفين الكرد للوصول إلى الرأي العام العربي، مستقطبةً كتاباً ديمقراطيين وتقدميين.

كانت لـ MED-TV الفضائية، التي أُطلقت عام 1995، لحظة مفصلية في تاريخ الإعلام الكردي، إذ ساعدت في نشر الوعي السياسي في روج آفا، رغم أنها كانت تبث من الخارج. وتلاها تأسيس ROJ-TV التي لعبت دوراً محورياً في تغطية انتفاضة 12 آذار 2004، مما أسهم في منع النظام البعثي من تنفيذ مجازر بحق الكرد.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، برزت الحاجة إلى إعلام كردي مستقل يعبر عن صوت المجتمع ويواكب الحراك الثوري، خاصةً في ظل التلاعب الإعلامي الإقليمي والدولي. استطاع الإعلام الكردي خلال هذه الفترة أن يكون صوتاً حقيقياً يعكس إرادة الشعوب ومطالبها في الحرية والديمقراطية.

تأسست صحيفة روناهي، كأول جريدة كردية تصدر في روج آفا، واستطاعت أن تصل إلى أكبر شريحة من القراء باللغتين الكردية والعربية، كما ساهمت في تأسيس كادر صحفي محترف يعمل على نقل الحقيقة بموضوعية. ومن أبرز المحطات أيضاً تأسيس قناة روناهي الفضائية، التي أصبحت نافذة الكرد إلى العالم.

نقل الحقيقة رغم التحديات

لم يكن العمل الإعلامي في روج آفا دون تضحيات، إذ فقد العديد من الصحفيين حياتهم أثناء نقل الحقيقة إلى العالم. ومن بينهم الصحفي مصطفى محمد الذي استشهد في حملة تحرير منبج من داعش عام 2016، والصحفيون في وكالة انباء هاوار دليشان إيبش، وهوكر محمد، ورزكار دنيز الذين استشهدوا أثناء تغطية حملة "عاصفة الجزيرة" ضد مرتزقة داعش في 2017، ومن بعدهم الصحفيان سعد أحمد في وكالة أنباء هاوار ومحمد حسين رشو مراسل قناة جرا TV اللذان استشهدا في قصف لجيش الاحتلال التركي على القافلة المدنيين في 13 تشرين الأول 2019 في سري كانيه، والصحفي في وكالة أنباء هاوار عصام عبد الله الذي استشهد في قصف للاحتلال التركي في 20 تشرين الثاني عام 2022 في القصف التركي الذي طال قرية تقل بقل في ريف مدينة ديرك.

كما استشهد كل من مراسلتنا جيهان بلكين وناظم داشتان في الهجوم المباشر الذي تعرضوا له أثناء عودتهم من تغطية مجريات المعارك الدائرة في سد تشرين في 19 كانون الأول 2024، وآخرهم الصحفي عكيد روج الذي تعرض لهجوم مباشر شنته طائرة مسيرة تابعة للاحتلال التركي على جسم السد في 15 شباط.

رغم المنغصات والمعوقات التي تعترض طريق الإعلام الكردي في روج آفا، مثل نقص الكوادر المهنية والمعدّات، إلا أن الثورة الإعلامية مستمرة في تحقيق تقدم كبير، لتصل إلى مرحلة أكثر تكاملاً. هذا الإعلام لا يُمثل فقط صوت المجتمع الحر، بل يشكل درعاً لمواجهة محاولات تشويه الثورة الكردية.

من الضروري العمل على تجاوز التحديات الراهنة لضمان استمرارية الإعلام الكردي كمصدر حقيقي للمعلومة، يعكس إرادة الشعوب ويواكب تطلعاتها نحو الحرية والديمقراطية.

رغم كل الهجمات التي تعرض لها الإعلام الحر في شمال وشرق سوريا، إلا أنه يواصل النضال في سبيل إيصال صوت المجتمع بجميع أطيافه ومكوناته، وحقق تطورات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، منها الإسهام في تعزيز الهوية الثقافية والسياسية للشعب الكردي من خلال تسليط الضوء على التراث والثقافة والقضايا المجتمعية، وتطوير في اللغة الكردية كتابةً وقراءةً. بالإضافة لتسليط الضوء على باقي المكونات في شمال وشرق سوريا.

كما ولعب الإعلام دوراً بارزاً في إيصال حقيقة الثورة شمال وشرق سوريا إلى الرأي العام العالمي، مما ساعد في نشر الوعي حول قضايا الشعب الكردي وباقي المكونات.

وخلال سنوات الثورة تأسست العديد من المؤسسات الإعلامية، مثل اتحاد الإعلام الحر عام 2012، الذي يشرف على عمل المؤسسات الإعلامية في المنطقة، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى تهتم بقضايا المرأة والمجتمع.

ولعل أبرز ما حقق الإعلام الحر خلال ثورة 19 تموز 2012، هو تطوير إعلام خاص بالمرأة، حيث شارك الإعلام في شمال وشرق سوريا بشكل خاص بإلقاء الضوء على قضايا المرأة، مما أسهم في تعزيز دورها في المجتمع.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تواجه الإعلام الحر، مثل الانتهاكات بحق الصحفيين والصعوبات الاقتصادية والسياسية. لكن الجهود مستمرة لتعزيز دوره في خدمة المجتمع وإظهار الحقيقة.