في ذكرى حلبجة: الكرد يواجهون تاريخاً طويلاً مع الإبادة الجماعية

على الرغم من كل المآسي، يواصل الكرد نضالهم من أجل الحفاظ على هويتهم وثقافتهم في وجه التهديدات المستمرة من الأنظمة الاستبدادية والقوى الإقليمية، التي لا تزال تشكل خطراً على وجودهم، حيث يواصل الاحتلال التركي ارتكاب المجازر بحقهم.

في ذكرى حلبجة: الكرد يواجهون تاريخاً طويلاً مع الإبادة الجماعية
الأحد 16 آذار, 2025   03:40
مركز الأخبار

في عمق جغرافية كردستان، يحمل التاريخ صفحاتٍ داميةً من المجازر التي تعرض لها الشعب الكردي، بدءاً من مجزرة وادي زيلان مروراً بمجزرة مهاباد وعامودا، ووصولاً إلى شنكال وعفرين وسري كانيه؛ هذه الأحداث ليست سوى غيض من فيض من عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الكرد، والتي بلغت ذروتها في عهد نظام صدام حسين في العراق، حيث استُخدمت الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في حلبجة، ما أسفر عن مقتل الآلاف.

جرحٌ لن يندمل

في صباح يوم الجمعة الموافق 16 آذار عام 1988، ساد هدوءٌ غريبٌ مدينة حلبجة الكردية حتى الساعة 11.30 صباحاً. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما انقلب إلى كابوسٍ مروعٍ مع بدء دوي انفجاراتٍ وصوت طائراتٍ حربية عراقية تحلق فوق المدينة والقرى المجاورة. على مدار خمس ساعات، قصفت الطائرات المدينة بالأسلحة الكيماوية، ما أدى إلى مقتل نحو 5 آلاف شخص، بينهم نساء وأطفال، وإصابة ما بين 7 إلى 10 آلاف آخرين.

لم تتوقف المأساة عند هذا الحد، ففي الأيام والأشهر التي تلت الهجوم، قتل آلافٌ آخرون، بسبب المضاعفات الصحية الناجمة عن التعرض للغازات السامة. كما فُقد أثر أكثر من 400 طفل كردي بعد نقلهم إلى مستشفيات إيرانية، ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.

واستخدم نظام صدام حسين ذريعة وجود القوات الإيرانية بالقرب من حلبجة لتبرير هذه المجزرة، التي جاءت في إطار حملة "الأنفال" الواسعة، التي استمرت من عام 1986 حتى 1989، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 180 ألف كردي.

تاريخٌ من الدماء

مجزرة حلبجة لم تكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من المذابح التي تعرض لها الشعب الكردي. ففي 13 تموز 1930، قُتل أكثر من 15 ألف كردي في مذبحة وادي زيلان شمال كردستان، بعد أن لجأوا إلى الوادي هرباً من القمع. وفي 13 تشرين الثاني1960، أودى حريقٌ في سينما عامودا بحياة أكثر من 280 طفلاً كردياً كانوا من طلاب المدارس.

كما شهدت مناطق كردستان الأخرى أحداثاً دمويةً مماثلة، مثل تهجير سكان بوطان من قراهم في شمال كردستان عام 1994، واستقر بهم الحال في مخيم مخمور في جنوب كردستان، فقد على أثر رحلة التهجير العشرات من الكرد أغلبهم من الأطفال، حياتهم، ومجزرة تل عران وتل حاصل في ريف حلب الشمالي والتي مهدت فيها قوات حكومة البعث الطريق أمام مجموعات مرتزقة بتوجيه من الاستخبارات التركية عام 2013، التي راح ضحيتها نحو 30 كردياً.

إبادة القرن الواحد والعشرون

في 3 آب 2014، شهدت كردستان واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين، عندما هاجم مرتزقة داعش قضاء شنكال في جنوب كردستان. حيث شنوا هجوماً واسعاً على المنطقة، والهدف بشكل رئيس كان المجتمع الإيزيدي.

بمساعدة وتوجيه من الاستخبارات التركية، تمكن مرتزقة داعش من احتلال شنكال في غضون ساعات، حيث هاجم 10 آلاف مرتزق، وانسحبت قوات بيشمركة الديمقراطي الكردستاني من المنطقة. وأسفر الهجوم عن استشهاد أكثر من 6 آلاف إيزيدي، واختطاف 6417 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.

تعرض المختطفون لفظائع لا توصف، حيث تم بيع النساء في أسواق النخاسة، وتعرض الرجال والأطفال للتعذيب والإعدام. كما دُمرت العديد من القرى الإيزيدية بشكل كامل، وتم تدنيس المزارات والمقدسات الإيزيدية.

على الرغم من تحرير شنكال لاحقاً بجهود مشتركة بين وحدات مقاومة شنكال وقوات الدفاع الشعبي، فإن آثار المجزرة لا تزال قائمة حتى اليوم.

عفرين وسري كانيه وكري سبي

في عام 2018، شنت دولة الاحتلال التركي هجوماً واسعاً على مقاطعة عفرين، بدأ بعمليات قصف جوي مكثف، تلاه اجتياح بري شارك فيه مرتزقة الاحتلال التركي. وأسفر عن احتلال عفرين وتهجير أكثر من 300 ألف كردي من منازلهم.

وتعرضت عفرين لعمليات نهب وتدمير ممنهجة، حيث تم استهداف المنازل والممتلكات العامة والخاصة. كما تم تغيير التركيبة الديمغرافية للمنطقة من خلال توطين عائلات من المرتزقة الموالية للاحتلال التركي في منازل الكرد المهجرين.

في عام 2019، تكرر السيناريو في مدينتي سري كانيه وكري سبي (تل أبيض)، حيث شن الاحتلال التركي هجوماً آخر. أسفر عن استشهاد العشرات من المدنيين وتهجير أكثر من 300 ألف شخص. كما تم احتلال المدينتين وتغيير معالمهما الديمغرافية والثقافية.

تصعيد الاحتلال التركي.. مجازر مستمرة في شمال وشرق سوريا

لم تتوقف هجمات دولة الاحتلال التركي ضد إقليم شمال وشرق سوريا، فخلال الأشهر التي سبقت سقوط نظام البعث في سوريا، شنت هجمات، عبر قصف جوي وبري بشكل مستمر، أدت إلى وقوع عدة مجازر بحق المدنيين أبرزها مجزر السويدية التي راح ضحيتها 7 من عمال محطة الطاقة، يوم 23 تشرين الأول 2023.

ومنذ 7 كانون الأول 2024، يشن الاحتلال التركي ومرتزقته هجوماً جوياً وبرياً عنيفاً، مستهدفاً مناطق حيوية في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك مدينة منبج ومنطقتي سد تشرين وجسر قرقوزاق. وعلى الرغم من استخدام الطائرات الحربية والمسيّرة والدبابات والمدفعية، فقد فشل في التقدم أو السيطرة على أي قرية أو نقطة استراتيجية، بفضل التصدي البطولي لقوات سوريا الديمقراطية والمقاومة الشعبية.

الفشل العسكري دفع الاحتلال التركي ومرتزقته إلى ارتكاب سلسلة من المجازر بحق المدنيين، فمنذ بداية الهجمات، وثقت عدة مجازر في قرى واقعة في ريف مدينتي كوباني وصرين.

وبحسب سجلات هيئة الصحة في الإدارة الذاتية الديمقراطية، فقد أدت هجمات الاحتلال التركي منذ كانون الأول 2024 وحتى شباط 2025 إلى استشهاد 82 مدنياً، وإصابة أكثر من 250 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال. كما دُمرت عشرات المنازل والمزارع والبنى التحتية الحيوية، ما زاد من معاناة السكان.

مجازر أخرى في تاريخ الكرد

إلى جانب الأحداث المذكورة، تعرض الشعب الكردي لعددٍ من المجازر الأخرى التي لا تقل بشاعةً، منها:

مذبحة ديرسم (1937-1938)؛ في منطقة ديرسم في شمال كردستان، قامت الحكومة التركية بحملة عسكرية واسعة ضد السكان الكرد العلويين، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتدمير مئات القرى. وقد وُصفت هذه الحملة بأنها واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي في تاريخ تركيا الحديث.

مجزرة مهاباد (1947)؛ بعد إعلان جمهورية مهاباد الكردية القصيرة الأمد في شرق كردستان عام 1946، قامت السلطات الإيرانية بإعدام قادتها، بما في ذلك قاضي محمد، في ساحة عامة في مهاباد.

مجزرة روبارى (1989)؛ في إيران، قامت القوات الحكومية بقمع مظاهرات كردية في منطقة روبارى، ما أدى إلى مقتل العشرات من المتظاهرين.

مجزرة قامشلو (2004)؛ في12 آذار 2004، شهدت مدينة قامشلو في شمال وشرق سوريا انتفاضة امتدت إلى عدة مدن ووصلت إلى دمشق، جابهتها الأجهزة الأمنية لسلطة البعث بالقمع، أسفر ذلك عن استشهاد 38 مواطناً كردياً.

ذكرى حلبجة: صرخةٌ ضد النسيان

يقف الشعب الكردي الساعة 11.00 من كل عام، في يوم 16 آذار، دقيقة صمتٍ حداداً على أرواح ضحايا مجزرة حلبجة. كما تُخلد صورٌ مثل صورة عمر خاور، الذي احتضن طفله الرضيع وزوجته أمل أثناء القصف، ذكرى هذه المأساة.

(سـ)

ANHA