من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية

تحولت مدينة الرقة التي عانت من التهميش والنهب خلال حكم حكومة دمشق وسيطرة مرتزقة داعش، إلى مركز لنشر فكر وفلسفة الأمة الديمقراطية بعد تحريرها عام 2017، وبدأت تعيش وفق أسس المساواة والعدالة الاجتماعية، ما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة التحديات.

من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
من مركز للظلم والاستبداد إلى منارة لفلسفة الأمة الديمقراطية
الجمعة 18 تشرين الأول, 2024   05:00
الرقة
أنس محمد

تقع مقاطعة الرقة في إقليم شمال شرق سوريا، وتتربع على ضفاف نهر الفرات العظيم، محاطة بالأراضي الزراعية الخصبة. على الرغم من وفرة الموارد الزراعية، أصبحت الرقة ساحة صراع ومعاناة منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حتى تحريرها في 20 تشرين الأول 2017.

يعتمد سكان الرقة بشكل رئيس على الزراعة، وخاصة في المناطق الواقعة على ضفاف نهر الفرات، بالإضافة إلى تربية المواشي. وتحتل زراعة القطن المرتبة الأولى في المدينة، ما يعكس أهمية الزراعة كعمود فقري للاقتصاد المحلي.

مدينة مهمشة

تحتل مدينة الرقة مكانة كبيرة لدى عموم الشعب السوري، حيث تضم العديد من المواقع الأثرية المهمة، أبرزها أسوار المدينة التي شيّدها العباسيون عام 720 ميلادية، بالإضافة إلى باب بغداد وباب حرّان والجامع العتيق (جامع المنصور). كما توجد في المدينة قصور تاريخية مثل قصر البنات.

ومع ذلك، لم يعطِ النظام السوري الاهتمام الكافي لمدينة الرقة ومحيطها، حيث تعرضت للتهميش بشكل ممنهج. وسعى النظام إلى زرع التفرقة والنعرات بين عشائر المدينة لتحقيق مصالحه الشخصية والسلطوية. نتيجة لذلك، انتفضت الرقة ضد السلطات بعد بدء الأزمة السورية عام 2011، مطالبةً بالحرية والعدالة.

معزولة عن العالم

تُعد مدينة الرقة من أوائل المدن التي خرجت من سيطرة النظام السوري، حيث سيطر ما يسمى بـ "الجيش الحر" على المدينة في آذار عام 2013. ومع ذلك، عانى الأهالي من ويلات ممارساتهم، التي بدأت بخطف المدنيين والمطالبة بالفدية مقابل الإفراج عنهم، وصولاً إلى نهب المصانع والمعامل والمحلات التجارية وبيعها.

في كانون الثاني عام 2014، سيطر مرتزقة داعش على منطقة الرقة بشكل كامل، ما أدخل المدينة في حقبة مظلمة. تحولت الرقة إلى سجن كبير وأصبحت المعقل الأبرز لمرتزقة داعش، حيث أصبحت مركز القرار لمتزعمه وعاصمتهم المزعومة، وجذبت المرتزقة الأجانب من مختلف أنحاء العالم.

أثناء سيطرة مرتزقة داعش على مدينة الرقة، فرّ عدد كبير من سكانها هرباً من بطشهم، وبدأت سلسلة من جرائم القتل والتدمير والترهيب في عموم المدينة. وقد وصل أنين الرقة إلى جميع أصقاع الأرض، نتيجة التنكيل والظلم الذي عاناه الأهالي.

عزل مرتزقة داعش المدينة عن العالم الخارجي، ولم يعرف عنها أو عن أوضاع سكانها سوى القليل، حيث نشر بعض النشطاء صوراً توثق جرائم المرتزقة، بما في ذلك عمليات القتل التي تمت ذبحاً أو رمياً بالرصاص في الساحات الرئيسة.

التحرير

تلبيةً لنداء ومناشدات أهالي الرقة، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية في 6 تشرين الثاني عام 2016 حملة "غضب الفرات" لتحرير المدينة من ظلم وبطش مرتزقة داعش. وأكدت القوات في بيان الحملة: "ستتحرر الرقة بسواعد أبنائها وفصائلها، من العرب والكرد والتركمان، الأبطال المنضوين تحت راية قوات سوريا الديمقراطية.. سننتصر في هذه المعركة المصيرية كما انتصرنا في كوباني وتل أبيض والحسكة والهول والشدادي ومنبج".

تمت حملة تحرير المدينة عبر عدة مراحل، وذلك للحفاظ على حياة المدنيين الذين استخدمهم المرتزقة كدروع بشرية أثناء تقدم القوات نحو الأحياء. وبدأت العملية بعزل المدينة عن محيطها، مع التركيز على تأمين المناطق المحيطة بها قبل التقدم نحو قلب المدينة.

خلال المعارك الدائرة بين قوات سوريا الديمقراطية ومرتزقة داعش، شكّلت مجموعات مخصصة لعمليات التحرير وحماية الأهالي، ودُربت هذه المجموعات بشكل احترافي، حيث تلقت تدريبات خاصة حول كيفية التعامل مع المدنيين من جميع الفئات، بما في ذلك الأطفال والنساء والرجال والشيوخ.

بالإضافة إلى ذلك، خضع المقاتلون لتدريبات عسكرية احترافية، بما في ذلك كيفية إزالة الألغام، مما مكنهم من الدخول إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة مرتزقة داعش وتحرير المدنيين من بطشهم. كما ساعدت هذه التدريبات في كشف المرتزقة المتسللين والمتخفين بين المدنيين، مما أسهم في حماية السكان وضمان سلامتهم أثناء العمليات العسكرية.

في 17 تشرين الأول عام 2017، حررت قوات سوريا الديمقراطية كامل مدينة الرقة بعد قرابة أربعة أشهر من المعارك المستمرة في إطار المرحلة الرابعة لحملة "غضب الفرات"، وكلفت هذه المعارك المدينة تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية والأبنية السكنية.

تم الإعلان عن تحرير المدينة بشكل رسمي في 20 تشرين الأول، عبر بيان قرئ في الملعب البلدي، الذي حوله مرتزقة داعش إلى مسرح للجرائم، والذي كان يعرف بين الأهالي بـ "الملعب الأسود".

التأسيس

شكّل الأهالي الفارّون من مدينة الرقة، بعد سيطرة مرتزقة داعش، مجلس الرقة المدني في 18 نيسان عام 2017، وذلك في مدينة عين عيسى، سعياً لتقديم الخدمات وتسيير الأمور التنظيمية وحل المشكلات التي كان يواجهها السكان عن طريق المجالس ولجان الصلح.

مع عودة الحياة إلى المدينة، وانتقال الأهالي إلى الأحياء التي تم تنظيفها من مخلفات الحرب والألغام، نقل مجلس الرقة المدني لجانه ومراكزه من مدينة عين عيسى إلى مدينة الرقة في 4 نيسان 2018، لتسهيل حركة المجلس وتلبية متطلبات المنطقة.

هذا التحول يعكس جهود المجتمع المحلي في إعادة بناء مدينتهم وتجاوز آثار النزاع، ما يعزز من استقرار المنطقة ويعطي الأمل للسكان في مستقبل أفضل.

حقبة الحرية

بعد تحرير مدينة الرقة، دخلت المدينة حقبة جديدة، وُصفت بحقبة الحرية من قبل ساكنيها، حيث بدأ العمل على تأسيس نظام ديمقراطي لا مركزي، يعتمد على فكر الأمة الديمقراطية ويرتكز على أفكار القائد عبد الله أوجلان.

بدأت الرقة بتنظيم نفسها من خلال تشكيل الكومينات والمؤسسات التي تخدم مصالح الشعب، بهدف النهوض بواقع المدينة وإزالة مخلفات وأفكار مرتزقة داعش السوداوية ونشر فكر الأمة الديمقراطية.

في هذا السياق، أوضح حسن المصطفى، الرئيس المشترك لهيئة الثقافة والآثار في الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الرقة، أن المدينة تشتهر بالثقافة والزراعة والتنوع بين مكوناتها. ومع ذلك، عانت الرقة من سياسة حكومة دمشق القمعية والتهميشية التي سعت لعزلها عن التطور الاقتصادي والثقافي، مما جعلها منطقة نائية لا تخطر على بال الكثيرين.

أشار حسن المصطفى إلى أن مدينة الرقة عانت طيلة السنوات السابقة، من تفاوت الأنظمة والجماعات المسلحة والمتطرفة، ما أدى إلى انتشار الأفكار المتطرفة والإجرامية بين الكثير من أبناء المدينة. وتابع قائلاً: "لتأتي شرارة النور بعد انتصار قوات سوريا الديمقراطية في معركة دحر الإرهاب من مدينة كوباني، لتبدأ عمليات التحرير وصولاً إلى مدينة الرقة، معقل وعاصمة داعش، وطردهم بعد معارك استمرت لأربعة أشهر، مما حرر أهلها من ظلم العبودية والاستغلال."

هذا الانتصار لم يكن مجرد تحرير عسكري، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الأمل والتغيير في المدينة، حيث يسعى الأهالي لإعادة بناء مجتمعهم على أسس ديمقراطية.

من عاصمة للأفكار المتطرفة إلى فكر الأمة الديمقراطية

أوضح حسن المصطفى: "مع تحرير المدينة ودخول قوات سوريا الديمقراطية إلى مقاطعة الرقة، وعودة الأهالي إليها، بدأت أفكار الأمة الديمقراطية وثقافة قبول الآخر وتنوع المكونات والعرقيات بالانتشار. يعود الفضل في ذلك إلى فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، الذي ينادي بالمساواة، وحرية الشعوب، والتكاتف والتعاون بين جميع المكونات."

وأشار المصطفى إلى أن مدينة الرقة أصبحت مثلاً يحتذى به بالفكر والثقافة على مستوى إقليم شمال وشرق سوريا وسوريا بشكل عام، بعدما كانت معقلاً للجماعات "الإرهابية والفكر المتطرف والمتشدد".

وأكد المصطفى أن عمليات البناء والنهوض بواقع المدينة بدأت على مختلف الصعد، حيث أقيمت أول محاضرة ثقافية في العاشر من نيسان 2018، ألقاها المثقف والباحث المرحوم علي السويحة بعنوان "دور السريان في تاريخ الرقة".

ونوه المصطفى: "تُعد هذه المحاضرة أعجوبة، حيث كانت المدينة لا تزال تعج بالركام الذي يغلق الشوارع. ومع ذلك، أردنا أن نثبت للعالم أن مدينة الرقة تأبى الاستسلام وتطمح إلى العيش رغم جميع الصعوبات التي مرت بها."

كما أشار حسن المصطفى إلى أن مدينة الرقة تحولت إلى مدينة تجمع جميع أطياف ومكونات الشعب السوري، حيث يعيشون في المدينة بمحبة وإخاء على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم. وقال: "هذا الأمر كان مفقوداً خلال الأعوام السابقة (أي قبل تحريرها) وهذا كله بفضل فكر الأمة الديمقراطية الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان".

الآن، أصبحت مدينة الرقة مركز إقليم شمال وشرق سوريا، الذي يتبنى فكر وفلسفة الأمة الديمقراطية. وقد تحولت المدينة، التي تعرضت للتهميش إبان حكم حكومة دمشق ونهبت خلال حكم ما يسمى بالجيش الحر، إلى مركز لنشر فكر وفلسفة قبول الآخر والعيش المشترك وفق أسس المساواة والعدالة الاجتماعية.

(أ)

ANHA