في سنوية تأسيسها الـ 11.. شكل الحوكمة في مناطق الإدارة الذاتية محط أنظار السوريين

تتجه أنظار السوريين إلى شكل الحوكمة في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية كنموذج للحل بعد سقوط نظام البعث، مع ما كشفته الإدارة الذاتية عن مبادرة لحل الأزمة السورية تحمل عنوان "مبادرة الحوار السوري لبناء سوريا الجديدة".

في سنوية تأسيسها الـ 11.. شكل الحوكمة في مناطق الإدارة الذاتية محط أنظار السوريين
الثلاثاء 21 كانون الثاني, 2025   03:50
قامشلو

 مرّ 11 عاماً على ولادة الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الجزيرة، التي تشكلت في 21 كانون الثاني 2014.

وصل الربيع الشعبي الذي اندلعت شرارته الأولى في تونس إلى سوريا في 15 آذار عام 2011، وانتفض الشعب على السلطة، مطالباً بالحرية والديمقراطية، لكن تدخل القوى الإقليمية والعالمية أدى إلى تحوّل الانتفاضة الشعبية السلمية إلى أزمة وصراع وحرب على المصالح خلال فترة قصيرة، وهو ما تسبب بالمجازر، والدمار، والنزوح واللجوء والتهجير والاحتلال. 

ومع بداية الربيع الشعبي، اختلف الوضع في روج آفا، ففي هذه المنطقة التي شهدت على مر عقود طويلة، نضالاً مستمراً وفق فلسفة القائد عبد الله أوجلان، بدأ التنظيم، والمعرفة والتعليم يتحوّل إلى عمل مؤسساتي.

الخط الثالث

توّج الكرد في روج آفا تجارب نضالهم التي دامت عقوداً، بنظام إداري لتسيير أمورهم، متمثلاً حالياً بـ "الإدارة الذاتية"، وبدؤوا بتشكيل المؤسسات، وعملوا على وحدة صف البيت الكردي من ناحية، وتفاوضوا مع باقي مكونات المنطقة من العرب، والسريان والأرمن، من أجل توحيد النضال في سبيل وحدة الشعوب وحريتها، وفي هذا السياق، ابتعدت جميع مكونات المنطقة (الكرد، والعرب، والآشور، والسريان، والأرمن) عن التدخلات الخارجية ولم يعتمدوا على أي قوى أخرى واختاروا الحياد.

خطوات نحو الثورة

حُدد نمط الإدارة الذاتية والعلاقات في إطار الإدارة الذاتية الديمقراطية، وفي تشرين الأول عام 2011، تأسست حركة المجتمع الديمقراطي كمظلة مؤسساتية، ثم تم تشكيل مجلس شعب غرب كردستان (MGRK) والذي كان يتكون من 359 شخصاً 40 بالمائة منهم من النساء.

ومن ناحية أخرى، كانت حركة المجتمع الديمقراطي تدير الأنشطة بمشاركة جميع مكونات روج آفاي كردستان وتحوّلها إلى عمل مؤسساتي منظم، واتُخذت خطوات مهمة من تشكيل الكومينات وصولاً إلى المجالس، ومن التعليم إلى الحماية، ففي عام 2011، أُسست وحدات حماية الشعب كقوات لحماية جميع المكونات. وفي هذا السياق، بدأت أعمال تشكيل الكومينات في جميع القرى والأحياء، عام 2013، وشكلت الكومينات الأولى في القرى.

19 تموز

أدت الخطوات المتخذة إلى اندلاع الثورة عام 2012، حيث اندلعت شرارتها الأولى في كوباني في 19 تموز (2012)، ثم امتدت هذه الشرارة إلى عفرين، وسري كانيه، والدرباسية، وعامودا، وديرك، وكركي لكي، وتربه سبيه، وقامشلو، وتل تمر والحسكة، وتعززت ثقة الأهالي وإيمانهم بالحياة المشتركة والحرة، حيث كانت قوات الحماية تتطور وتزداد قوةً يوماً بعد يوم.

نمط الإدارة

أخذت الثورة التي ترددت صداها في المنطقة والعالم أجمع، تحدد نمط الإدارة أيضاً، فقد شُكلت في المدن المحررة من نظام الأسد حينها، مجالس الشعب، ودور الشعب ولجان عمل تابعة لها، وكان الناس يحلون جميع مشكلاتهم عبر هذه المؤسسات حتى عام 2013، ثم بدأ النقاش والحديث حول نظام يضم تحت لوائه المنطقة بأسرها بكل مكوناتها.

وجرت المناقشات حول الإدارة من جانبين، أحدهما يتجسّد بالمباحثات التي جرت بين الأحزاب السياسية، والآخر المناقشات التي جرت بين جميع مكونات المنطقة، وأسفرت المباحثات بين الأحزاب الكردية عن تشكيل الهيئة الكردية العليا في 24 تموز 2012، التي تألفت من مجلس شعب غرب كردستان (MGRK) والمجلس الوطني الكردي (ENKS)، وشُكّلت تحت لوائها لجان "الدبلوماسية، والخدمات الاجتماعية، والحماية".

الإدارة على الرغم من مصاعب خلقها المجلس الوطني الكردي

بعد مناقشات البيت الكردي وباقي المكونات (العرب، والسريان، والأرمن، والشركس) اقتُرح مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، فتبنته الهيئة الكردية العليا، وعُرض المشروع على الأحزاب والمؤسسات، وفي هذا الصدد، وقّع مجلس شعب غرب كردستان والمجلس الوطني الكردي في 8 أيلول عام 2013، على وثيقة مكونة من 9 بنود، ونصّت هذه الوثيقة على إعداد عقد اجتماعي وتشكيل قوى الأمن الداخلي لضمان أمن المنطقة، وبعد إتمام جميع التحضيرات لإعلان مؤسسات الإدارة، وقبل يومٍ واحد من إعلانها، انسحب المجلس الوطني الكردي بأوامر من تركيا.

المجلس التأسيسي المؤقت والعقد الاجتماعي

باءت محاولات المجلس الوطني الكردي بالفشل، فقد أعلن أهالي المنطقة الذين بنوا وحدتهم في 12 تشرين الثاني عام 2013، المجلس العام التأسيسي للإدارة المؤقتة، وينص المشروع على إدارة مناطق روج آفا على شكل مقاطعات، وتحديد 3 مقاطعات هي الجزيرة، وكوباني وعفرين، على أن تنشئ كل مقاطعة مجلسها الخاص.

وفي 6 كانون الثاني عام 2014، وبمشاركة ممثلين عن 52 حزباً، ومنظمة، وحركات المجتمع المدني، وحركات المرأة والشبيبة، و15 شخصية مستقلة، تمت المصادقة على "نمط الإدارة"، و"العقد الاجتماعي" و"قوانين الانتخابات" ومن أبرز بنود العقد الاجتماعي تلك المتعلقة باللغات الرسمية (الكردية، والعربية، والسريانية)، والحرية، والعدالة، والمساواة، والتعليم، والصحة، وحماية البيئة، وحرية المرأة، وحماية حقوق المرأة والطفل.

إعلان المقاطعات

نتج عن الاجتماعات العديدة والمناقشات العامة مع الأهالي، والمؤسسات والأحزاب، تحديد الشكل النهائي لنظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، وفي 21 كانون الثاني عام 2014، اجتمع المجلس التشريعي المؤقت في الإدارة الذاتية الديمقراطية في مدينة عامودا، وأعلن عن الإدارة الذاتية المؤقتة لمقاطعة الجزيرة، فخرج جميع مكونات المنطقة، من الكرد، والعرب، والسريان، والآشور، والكلدان، والأرمن، والشركس والتركمان إلى الساحات احتفالاً بذلك.

وبعد الجزيرة، أُعلنت الإدارة الذاتية في كوباني في 27 كانون الثاني والإدارة الذاتية في عفرين في 29 من الشهر ذاته.

وتأسست الإدارة الذاتية الديمقراطية على أساس الشخصية الحرة، والحياة الديمقراطية المشتركة، والمجتمع السياسي والأخلاقي، والتعايش الحر، والاستقلال الاقتصادي، وبنية القانون، والثقافة، ونظام الحماية والدبلوماسية، وبدأ تأسيس الهيئات الخدمية، وانخرطت جميع مكونات المنطقة في العمل ضمن المجالس، والهيئات والمكاتب بشكل متساوٍ وديمقراطي بهوياتهم وثقافاتهم.

منسقية المقاطعات

كانت هناك مناطق خاضعة لسيطرة المرتزقة، بين المقاطعات الثلاثة، لذا لم يكن التواصل بين المقاطعات مرضياً، ولسد هذه الفجوة، تم تأسيس منسقية المقاطعات عام 2015، التي لعبت دوراً مهماً في القضايا المشتركة كالحماية، والأمن، والتعليم، والسياسة والدبلوماسية.

الممثليات الخارجية

تردد صدى الإدارة الذاتية الديمقراطية التي خلقت حماساً كبيراً لدى شعب المنطقة، في الخارج أيضاً، لذا بدأت الجهود الدبلوماسية للإدارة الذاتية تؤتي ثمارها شيئاً فشيئاً، وافتُتحت أول ممثلية للإدارة الذاتية في السليمانية بجنوب كردستان عام 2015، ثم افتُتحت ممثليات أخرى، في النمسا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وفي بلجيكا باسم دول البنلوكس (بلجيكا، وهولندا، لوكسمبورغ) وفي السويد باسم الدول الاسكندنافية (السويد، والدانمارك، وفنلندا، والنرويج، وأيسلندا)، وافتتاح مكاتب للإدارة في لبنان والإمارات.

توسع نظام الإدارة الذاتية

وتزامنَ مع إنشاء شبكة الإدارة الذاتية الديمقراطية، تحرير المناطق الخاضعة لسيطرة المرتزقة وإنشاء المجالس فيها، حيث حررت قوات سوريا الديمقراطية (QSD) التي تأسست عام 2015، كري سبي عام 2015، ومنبج عام 2016 والطبقة والرقة عام 2017، وتأسست في هذه المناطق بعد تحريرها مجالس الشعب.

وفي عام 2017 وبهدف المواءمة بين جميع المناطق وتطبيق نظام الإدارة الذاتية تم إعلان فيدرالية شمال سوريا عام 2017، وفي هذا السياق، حددت التقسيمات الإدارية في الإدارة الذاتية بثلاثة أقاليم (الجزيرة، والفرات وعفرين) و6 مقاطعات (قامشلو والحسكة التابعتين لإقليم الجزيرة، وكري سبي وكوباني التابعتين لإقليم الفرات، وعفرين والشهباء التابعتين لإقليم عفرين)، فيما حددت منبج والرقة والطبقة كإداراتٍ مدنية.

وبعد إنهاء وجود مرتزقة داعش عام 2019 في دير الزور، تعمقت المناقشات حول نمط الإدارة فيها. وفي السادس من أيلول عام 2018 تم إعلان الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

الاعتراف الرسمي بالإدارة الذاتية

وفي هذه الأثناء، استمرت الحركة الدبلوماسية للإدارة الذاتية، التي أسفرت عن اعتراف برلمان إقليم كتالونيا الذي يتمتع بالحكم الذاتي التابع لإسبانيا، بالإدارة الذاتية رسمياً في الذكرى السنوية لتحرير مدينة الرقة (20 تشرين الأول عام 2021).

العقد الاجتماعي والتعديلات الأخيرة

أدى تحرير مناطق جديدة وامتداد نظام الإدارة الذاتية، إلى توسع المناقشات والمحادثات حوله والعقد الاجتماعي، وفي هذا السياق، وبعد الاجتماعات التي عقدتها مكونات المنطقة، طُرحت مسألة إعادة صياغة العقد الاجتماعي على جدول الأعمال، وبعد عامين من العمل المستمر، تم الانتهاء من مسوّدة العقد الاجتماعي وعُرضت على المجلس العام في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا الذي صادق عليها في اجتماعه الـ 91 (2023)، وأعلن عن مصادقته عليها عبر بيانٍ للرأي العام في 12 كانون الأول الماضي (2023).

ونصّ العقد الاجتماعي الجديد الذي يتألف من 4 أبواب و134 مادة، على إجراء تغيير في نظام الإدارة الذاتية وتغيير اسم الإدارة إلى الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وإلغاء نظام الأقاليم الثلاثة (الجزيرة، والفرات، وعفرين) واعتماد نظام المقاطعات، لتتكون مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية في تقسيماتها الإدارية من إقليم واحد يضم 7 مقاطعات (عفرين والشهباء، والجزيرة، وكوباني، ومنبج، والرقة، ودير الزور، والطبقة).

تعنت نظام البعث في حل الأزمة السورية وعجزه عن معالجة المشكلات الحقوقية والثقافية واللغوية والسياسية للمجتمعات والقوميات السورية وترك السوريين يأنون تحت وطأة المشكلات الاقتصادية وفشله في الاستجابة لمتطلبات السكان الأساسية، سبب في سقوطه يوم 8 كانون الأول 2024.

"مبادرة الحوار السوري لبناء سوريا الجديدة".

ولتدارك الموقف وسد الطريق من تعميق الأزمة وظهور شكل جديد من الاستبداد، في الـ 16 من كانون الأول العام الفائت كشفت الإدارة الذاتية الديمقراطية من مدينة الرقة السورية عن مبادرة لبناء "سوريا الجديدة"، في مؤتمر صحفي.

مع سقوط النظام البعثي المستبد، دخلت سوريا في مرحلة جديدة. من أجل الخروج من هذه الفترة الانتقالية بنجاح، علينا أن نتكاتف ونتوحد ونعمل على رسم خريطة طريق مشتركة. إن سياسة الإقصاء والتهميش التي دمرت سوريا يجب أن تنتهي، ويجب أن يشارك جميع الفاعلين السياسيين في بناء سوريا الجديدة، بما فيها الفترة الانتقالية. لذا، ندعو جميع الأطراف السورية إلى إعادة النظر في مقارباتها تجاه بعضها البعض، ووضع المصالح الوطنية المشتركة فوق كل الاعتبارات.

وقالت الإدارة الذاتية إن التعاون بين الإدارة الذاتية الديمقراطية والإدارة السياسية في دمشق سيكون في مصلحة جميع السوريين، وسيسهم في تسهيل الخروج من هذه المرحلة العصيبة بنجاح.

ولإنجاح مبادرتها وضعت الإدارة الذاتية 10 بنود ومنها:

1.الحفاظ على وحدة وسيادة الأراضي السورية وحمايتها من الهجمات التي تشنها الدولة التركية ومرتزقتها.

2.وقف العمليات العسكرية في كامل الأراضي السورية للبدء بحوار وطني شامل وبنّاء.

3.اتخاذ موقف التسامح والابتعاد عن خطاب الكراهية والتخوين بين السوريين، فسوريا بلد غني بمكوناته وأطيافه ويجب الحفاظ على هذا الغنى والتنوع على أساس ديمقراطي عادل.

4.عقد اجتماع طارئ تشارك فيه القوى السياسية السورية في دمشق لتوحيد الرؤى بشأن المرحلة الانتقالية.

5.المشاركة الفعالة للمرأة في العملية السياسية.

6.نؤكد على أن الثروات والموارد الاقتصادية يجب أن يتم توزيعها بشكل عادل بين كل المناطق السورية، كونها ملكاً لجميع أبناء الشعب السوري.

7.ضمان عودة السكان الأصليين والمهجرين قسراً إلى مناطقهم، والحفاظ على إرثهم الثقافي وإنهاء سياسات التغيير الديمغرافي.

8. مع التطورات التي حصلت في سوريا نؤكد على استمرارنا بمحاربة الإرهاب، لضمان عدم عودة تنظيم داعش الإرهابي، وذلك بالتعاون المشترك بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي.

9.إنهاء حالة الاحتلال، وترك القرار للشعب السوري لرسم مستقبله وتطبيق مبدأ حسن الجوار.

10.نرحب بالدور البناء للدول العربية، والأمم المتحدة، وقوى التحالف الدولي، وجميع القوى الدولية الفاعلة في الشأن السوري، ونحثهم جميعاً على أن يؤدوا دوراً إيجابيا وفعالاً في تقديم المشورة والدعم للشعب السوري، وتقريب وجهات النظر بين أطيافه ومكوناته بما يضمن الحفاظ على الاستقرار والأمن، ووقف التدخلات الخارجية في الشأن السوري".

ومع تسلم "هيئة تحرير الشام" السلطة، يتخوف السوريين مجدداً من نظام مشابه للسابق مبني على الاقصاء والتهميش، والإنكار، وفرض شكل من الحكم الطائفي، بناء على ما تشهده سوريا إجراءات على أرض الواقع، من قبيل فرض الشكل الواحد في الإدارة، وإقصاء المرأة.

في الوقت نفسه، تتجه أنظار السوريين في الداخل إلى شكل الحوكمة المتبع في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، معتبرين إياها أفضل نموذج للحل في سوريا، نموذجاً تعددياً لا مركزياً.

(أ س/ أ م)

ANHA