دور المرأة في شمال وشرق سوريا.. من الهامش إلى الريادة/ آرين سويد

دور المرأة في شمال وشرق سوريا.. من الهامش إلى الريادة/ آرين سويد
الجمعة 7 آذار, 2025   07:30

شهدت المرأة السورية خلال القرن الواحد والعشرين تحولات جوهرية، تأثرت فيها بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث تعرضت لظروف قاسية نتيجة النزاعات المستمرة والأزمات الاقتصادية، ما زاد من معاناتها وحدَّ من قدرتها على ممارسة دورها الفاعل في المجتمع. وعلى الرغم من التحديات، استطاعت بعض النساء كسر القيود المفروضة عليهن، ليكُنَّ جزءاً فاعلاً في مختلف مجالات الحياة، سواء في العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث تأسس نظام الإدارة الذاتية عام 2014، كانت للمرأة أدوار ريادية في مختلف المجالات، إذ تمكنت من تحقيق مكاسب بارزة في مجالات السياسة والإدارة، حيث تشغل النساء مناصب قيادية في المجالس المحلية والإدارات الذاتية. كما يسهمن في تعزيز التعليم، والمشاركة في الاقتصاد عبر مشاريع تنموية، بالإضافة إلى المساهمة في حفظ الأمن والاستقرار من خلال وحدات حماية المرأة (YPJ).

تعكس هذه التطورات مدى قدرة المرأة على النهوض بدورها في المجتمع عند توفر الفرص المناسبة. واللافت أن أغلب القيادات الإدارية في شمال شرق سوريا تعتمد على مفهوم الرئاسة المشتركة، وهي حالة فريدة وربما لا مثيل لها في العالم، حيث تتقاسم المرأة القيادة مناصفة مع الرجل، ما يعزز مبدأ المساواة الحقيقية ويمنح المرأة دوراً متكافئاً في صنع القرار.

قانون الأسرة من أهم إنجازات المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا

يُعدّ قانون الأسرة الذي طُبّق في مناطق الإدارة الذاتية أحد أكثر القوانين تقدماً فيما يتعلق بحقوق المرأة، إذ لا يقتصر على تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين، بل يتجاوز ذلك ليمنع تعدد الزوجات والزواج القسري، ويمنح المرأة حق الحضانة والميراث بشكل عادل، كما يسهم في تعزيز دورها داخل المجتمع وحمايتها من العنف الأسري.

ومع ذلك، لا تزال نسبة النساء اللواتي اطّلعن على هذا القانون بشكل كامل محدودة، نتيجة لعوامل ثقافية وتعليمية، بالإضافة إلى الموروثات الاجتماعية التي تعيق حصول المرأة على حقوقها المشروعة. لذا، فإن الحاجة باتت ملحّة إلى حملات توعوية مكثفة، لا تقتصر فقط على التعريف بهذا القانون، بل تمتد إلى تمكين النساء من استخدامه كأداة فعالة في تحقيق العدالة وحماية حقوقهن في الحياة اليومية.

ولا يمكن الحديث عن الحقوق التي نالتها المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا دون استحضار فكر القائد عبد الله أوجلان، الذي يمضي عقوبة جائرة في سجن إمرالي، معزولاً في زنزانة منفردة منذ عام 1999 وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من القيود والسجون، ظل فكره طليقاً، ينير دروب النضال، لا سيما في قضية المرأة، التي رآها حجر الأساس لأي مجتمع يسعى إلى التحرر.

لقد كانت رؤيته واضحة وحاسمة: لا حرية لمجتمعٍ تُقيّد فيه المرأة، ولا ديمقراطية تُقصى عنها، ولا حياة تُبنى دونها. في مرافعاته، شدد على أن تحرير المرأة ليس مجرد مطلب حقوقي، بل شرط جوهري لتحرير المجتمع بأسره. ومن أبرز كلماته التي تحوّلت إلى نهج تتبنّاه الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا:

·        "لا يمكن الحديث عن الحرية في مجتمعٍ تكون فيه المرأة مقيدة".

·        "تحرير المرأة هو أساس بناء مجتمع ديمقراطي حر".

·        "المرأة ليست فقط نصف المجتمع، بل هي القوة التي تمنحه الحياة والتجدد".

بهذه الرؤية، لا تكون المرأة مجرد متلقٍّ للحقوق، بل فاعلةً في صياغة واقع جديد، يكرّس دورها في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً، مجتمع تستعيد فيه المرأة مكانتها كقوة مُحرِّرة، لا مُستعبَدة.

دور النساء الرياديات في تثقيف المرأة وتوعيتها

لعبت النساء الرياديات في شمال وشرق سوريا دوراً محورياً في نشر الوعي بين النساء، من خلال إنشاء مراكز تعليمية وتدريبية، وتنظيم ورش عمل تُعنى بحقوق المرأة، وتعزيز مشاركتها في الشأن العام. كما قامت العديد من الناشطات بإنشاء مبادرات لدعم المرأة اقتصادياً عبر المشاريع الصغيرة، ما أسهم في تحسين أوضاع النساء المعيشية وتعزيز استقلاليتهن المالية.

على الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة السورية، فقد أثبتت قدرتها على تجاوز الصعاب وتحقيق الإنجازات، خاصة في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث حظيت بمساحة أوسع للمشاركة الفعالة. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلاً لتحقيق المساواة الكاملة، وهذا يتطلب المزيد من الجهود في مجال التوعية، والتعليم، والتشريعات التي تضمن حقوق المرأة وتعزز دورها الريادي في بناء مستقبلٍ أكثر عدالةً وإنصافاً.

مخاوف مستقبلية

واليوم، في ظل المستجدات السياسية الأخيرة، وخصوصاً بعد تولي هيئة تحرير الشام مقاليد السلطة في دمشق، تزداد المخاوف حول مستقبل المرأة السورية، نظراً لما هو معروف عن أيديولوجية الهيئة المتشددة التي لا تؤمن بحقوق المرأة ولا بمشاركتها في الحياة العامة.

إن هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا، تحتّم تصعيد النضال النسوي وتكثيف الجهود لحماية المكتسبات التي حققتها المرأة في شمال وشرق سوريا، وضمان عدم التراجع عن المبادئ التي أرستها الإدارة الذاتية. لا يمكن السماح بأن تُطوى صفحة النضال الطويلة التي خاضتها المرأة السورية تحت وطأة الفكر المتشدد، بل يجب مضاعفة الجهود وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات القادمة، كي تبقى المرأة ركيزة أساسية في بناء المجتمع وحجر الزاوية في أي مشروع ديمقراطي حقيقي.