وصية بطل عفرين عكيد هي المقاومة

وصية بطل عفرين عكيد هي المقاومة
الأربعاء 19 شباط, 2025   11:25

أوصى الصحفي عكيد روج في رسالته الأخيرة على سد تشرين، برفع وتيرة النضال وقال: "أخي ورفيقي دجوار، سنرفع صوت المقاومة إلى أعالي الجبال، ونقوم بإيصاله إلى كل مكان معاً؛ أنت بسلاحك على جسر قرقوزاق، وأنا بقلمي وكاميرتي على سد تشرين".

بُنيت الحضارات على الزراعة، وكلما تعمقت جذور ثقافة الزراعة في الأرض المباركة، أنتجت وكانت مهداً للأبطال. أصبحت مدينة الزيتون، بجمال طبيعتها، موضوعاً للقصص التي تُروى للأطفال قبل النوم على أضواء الشموع والفوانيس، ومحبوبة لفنانين مشهورين، مثل بافي صلاح الذي غنّى عنها أغانٍ ملحمية.

تمثل عفرين الطبيعة البهية المثالية، ولهذا تقول الصحفية والأكاديمية ناكهان أكارسال في ملفها المعنون "من مرج الجنولوجيا عفرين": "عفرين هي المدينة الوحيدة التي يظهر جوهرها من شكلها".

وُلد شرفان سيدو الاسم الحركي عكيد روج، في هذه المدينة التي وصفتها الصحفية ناكهان بأفضل شكل بجملة واحدة عام 1997، وقد حددت عائلته موقفها، واحتلت مكانها في المجموعات الأمامية لخدمة وطنها قبل ولادته، فقد أطلقوا على أبنائهم أسماء ثائري الوطن، وبالطريقة نفسها أطلقوا اسم أحد الثوار على شرفان، وربّوا أبناءهم على قصص تضحيات هؤلاء الثائرين، كان شرفان لا يزال شاباً في مقتبل العمر عندما بدأت موجة الثورة تتصاعد في وطنه، وكان الجميع يريدون أن يأخذوا مكانهم لخدمة الثورة، حينها نفد صبر شرفان ولم يكترث لعمره، لذا انخرط في العمل الثوري وهو لا يزال شاباً صغيراً، وذلك في عفرين في 4 كانون الأول عام 2012، لقد كافح وعمل بجد حتّى طغى عمله العظيم على صغر سنه، وطوّر نفسه ضمن الثورة من خلال التدريب المهني والعسكري والأيديولوجي وأدّى واجباته على النحو الصحيح.

التحق بجبهات المقاومة كمراسل حربي، وعمل حتى اللحظة الأخيرة بالطاقة نفسها التي كان عليها في اليوم الأول، وأُصيب في جبهة القتال في حلب أثناء تغطيته ومتابعته للحظات الحرب الساخنة، وسرعان ما تغلبت طاقته الشبابية على إصاباته، فالتأمت جروحه وعاد إلى ساحة المعركة مجدداً، وفي عام 2018، كان لهجمات الاحتلال التركي ومرتزقتها على عفرين تأثير كبير على عكيد الذي أمضى طفولته يلعب في هذه المدينة، فقد وثّق وتابع أوضاع المقاومة في جبهات القتال جنباً إلى جنب مع المقاتلين لأكثر من شهرين، ثمّ وثّق أوضاع شعبنا المهجّر في مخيمات الشهباء وعمل في هذه المنطقة لفترة طويلة.

لقد حافظ الرفيق عكيد على تقليد الإعلام الحر، لذا لم يتوقّف عن نقل الحقيقة لحظة واحدة، واصل عكيد تغطية المعارك على جبهات المقاومة منذ بداية مقاومة الشيخ مقصود إلى عفرين والشهباء وأخيراً سد تشرين، لقد عمل في مجال الإعلام لمدة 11 عاماً ووثق لحظات المقاومة حتى أنفاسه الأخيرة.

كصحفي الحقيقة، كان له دور كبير في كشف الحقائق لإفشال الحرب الخاصة لدولة الاحتلال، وأوصل بفيديوهاته وصوره حقيقة مقاومة الأهالي والمقاتلين على سد تشرين للعالم أجمع، فقد كان قراره تغطية المقاومة الشعبية على سد تشرين لـ 58 يوماً وهو عدد أيام مقاومة عفرين، ولكن وبعد سنوات طويلة من العمل الشاق، تعرّض الرفيق عكيد روج للاستهداف من قبل الطائرات المسيّرة لدولة الاحتلال التركي عند سد تشرين في الـ 15 من شباط الجاري، بينما كان يغطّي تسليم مناوبي مدينة الحسكة مهمة المناوبة لأهالي مدينة قامشلو.

تسبّب احتلال عفرين بجرح عميق لعكيد وكان يتحدث دائماً عن عودته إلى عفرين المحرّرة ذات يوم، وانطلاقاً من هذا الأمل، استمع وكتب قصص مهجّري عفرين في مخيمات الشهباء لسنوات، ودخل بعمله الدؤوب قلوب جميع أمهات ومهجّري عفرين في مخيمات الشهباء.

"ستكون كل لحظة وكل نبضة قلب ستكون في خدمة الوطن"

كتب الصحفي عكيد روج عدّة أسطر ذات معنى عميق عن مدينته عفرين التي أحبها أكثر من أي شيء آخر، حيث كتب: "تمثّل مقاومة عفرين وجبالها والشهباء ومخيماتها والآن في سد تشرين أسمى معاني الصبر والإرادة التي أتحلّى بها، وسأظل أذكر كل لحظة، كل نبضة قلب، وكل نظرة في عيون أبطالنا الذين قاتلوا من أجل أن يبقى حلمنا حياً، ففي وسط هذا الظلام هناك نور في قلب كل مقاوم، هناك شعلة أمل لا تنطفئ أبداً، أجل، ربما لا أشهد النصر بنفسي، لكني أؤمن أن مدينتي عفرين ستتحرر يوماً ما، عفرين التي حملت في تاريخها سمات الحضارة والكرامة، والتي شهدت أسمى صور الصمود في مواجهة أعتى قوى الظلم، من هنا، من السد، أقول لكم لا تيأسوا، لا تدعوا اليأس يتسلل إلى قلوبكم، لأن النصر قادم لا محالة، سيغمر شوارع عفرين الفرح والأمل كما كانت في أيامها الجميلة، أتمنى أن يعود أبناؤها ويلعبون في أحيائها بلا خوف وأن تشرق شمس الحرية على جبالها وتزيل ظلمة الاحتلال، عفرين التي أحببتها بكل جوارحي وكانت دائماً مصدر إلهامي، مهما مرّ الزمن لن ينتهي هذا الشعور".

"وثقت بالرفاق وأحببتهم"

أوضحت الأم سعادة وهي تبكي على ولدها الشهيد أنّها تأثرت بحياة الرفاق وتعاملهم، وفتحت منزلها لهم، فكان معظم ضيوفها من الرفاق، ونشأ أطفالها على حب ثوّار وطنهم، لذا التحق عكيد ثمّ شقيقته وشقيقه بصفوف الدفاع عن الوطن، وهي تدري أنّها ربّت أبناء شرفاء لذا تقول في تهليلاتها: "سأنصب خيمتي عند سد تشرين ولن أترك جبهة المقاومة هذه ولن أسمح للمحتل بعبور السد، افتخر بك يا عكيد..''

الحرية طاقة

إنّ البطولة في كردستان، هي السمو والارتفاع نحو السماء والوصول إلى النجوم، لذلك تعريفها هو تعريف نجمة الصباح ذاتها، ولهذا السبب يطلق على نجمة الصباح في بعض مناطق كردستان اسم نجمة الأبطال (عكيد)، وتعني اليقظة والوعي والتركيز الذي يكون لدى الإنسان عند الفجر وإدراكه لوطنه وشعبه وجغرافيته، ولهذا السبب، اسم عكيد (البطل) في كردستان هو اسم أسطوري ومعنى متواضع للمسؤولية عن الطبيعة، والرجولة والكرم، وبالتالي فهو تجاوز الذات والوصول إلى الكمال، هذا في شخص معصوم قورقماز الذي أخذ فيما بعد الاسم الحركي عكيد وأصبح أحد أشهر الأساطير الحية في بلاد موزوبوتاميا.

وأطلق الصحفي عكيد روج هذا الاسم على نفسه في ضوء فهمه لهذا التعريف، وقال في مقالته الأخيرة: "إنّ أملنا بالحرية نابع من أفكار القائد عبد الله أوجلان، تعلمنا من فكره أن الحرية ليست مجرد شعارات، بل هي طاقة تسكن أعماقنا. من خلال رؤيته، نعرف أن النصر لن يأتي بالسهولة التي يعتقدها البعض، ولكنه سيتحقق بإرادة لا تعرف الاستسلام".

"أنا شاهد على التاريخ"

أن تكون شاهداً على التاريخ في الصحافة يحتّم عليك إيصال كل خبر وصورة ومشهد للجمهور وقد توجّه الصحفي عكيد روج إلى سد المقاومة انطلاقاً من مسؤوليته التاريخية هذه، وكتب هناك: "لست صحفياً فحسب، بل أنا أيضاً شاهد على التاريخ".

"متابعة لحظات المقاومة"

وحول شخصية وعمل الصحفي عكيد روج خلال ثورة روج آفا، قالت قوات سوريا الديمقراطية: "انضم عكيد روج إلى النضال الثوري في وقت مبكر من عام 2012، مع انطلاقة ثورة شمال وشرق سوريا، وناضل لفترة من الزمن ضمن فعاليات الدفاع المشروع. بعدها انضم إلى عمل الصحافة، وظل يعمل كعضو في الإعلام الحر لسنوات طويلة. بذل "عكيد روج" جهوداً كبيرة في تغطية مقاومات “عفرين، مناطق الشهباء وحلب”. وعمل على تغطية مقاومة وعمليات تحرير تلك المناطق من المجموعات المرتزقة. في عام 2018، ظل نحو أكثر من شهرين بجانب المقاتلين يتابع ويغطي عمليات المقاومة في عفرين ويوثقها. كما عمل لسنوات طويلة على توثيق أوضاع شعبنا المهجّر إلى مناطق الشهباء".

وشُيّع جثمان الشهيد عكيد إلى مثواه الأخير في مزار الشهيد دجوار في قرية الداودية التابعة لمدينة الحسكة، بحضور الآلاف من الأهالي.

"عكيد رمز الشخصية الكردية الشريفة"

وقُرئت خلال مراسم تشييع الشهيد عكيد روج رسالة شقيقته الصحفية في إعلام وحدات المرأة الحرّة- ستار، فجين أرارات التي تغطّي المقاومة ضدّ الاحتلال في جبال كردستان، وتقول فجين في رسالتها: "اليوم، نودع بطلاً آخر من أبطالنا ليسير نحو الشمس، إنّ وداعنا لكل شهيد هو مصدر فخر لنا، فهو دليلٌ على قضيتنا العادلة والمشروعة، ويقوي وعدنا ويعزّز إصرارنا على الحياة الحرة. علينا جميعاً أن نعتزّ باستشهاد عكيد، لأنه نال الشهادة في طريق مقدس ومشرف للغاية، اعلموا أن عكيد هو رمز للشخصية الكردية الشريفة، ويمكنكم أن تفتخروا بعمله ونضاله حتى النهاية، وبغضّ النظر عن مدى شعورنا بالحزن الآن، إلّا أنّنا نعلم أنّه عندما نحرر بلدنا عفرين من أيدي الأعداء، سيحلّ النصر والفخر محل الحزن، ولأنّ حلم عكيد كان رؤية تحرير عفرين، وكوني أخته ورفيقته في النضال، أعد باستمرار الكفاح في سبيل تحقيق حلمه حتى النهاية".

"سنرفع صوت المقاومة إلى أعالي الجبال"

كما ألقى شقيق عكيد، دجوار حلب كلمةً باسم العائلة خلال المراسم، وذكر أنّه تحدّث معه قبل استشهاده بقليل، وقال له: "سنرفع صوت المقاومة إلى أعالي الجبال ونقوم بإيصاله إلى كل مكان معاً؛ أنت بسلاحك على جسر قرقوزاق، وأنا بقلمي وكاميرتي على سد تشرين".

وأوضحت شقيقة عكيد روج، روجيندا روج أنّه قال لها يجب عدم السماح بحجب شمسهم وحلول الظلام، لذا اتخذ من روج كنية له وطلب منها أن يكون اسمها الحركي روجيندا، وتعهدت بالسير على خطاه وتحقيق أحلامه وأمانيه.

(ر)